تاريخ كربلاء
معالمُ الفساد في زمنِ الإمام الحسين عليه السلام
ورد أنَّ الإمام الحسين -عليه السلام- خطبَ الناس عندما جعجع به الحُر ومنعه من دخول الكوفة، فقال: «أيّها الناس، إنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم- قالَ: مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلّاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ اللهِ، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يَغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه»، «وقد عَلمتُم أنَّ هؤلاء القومَ - ويشيرُ إلى بني أميّة وأتباعِهم- قد لَزِموا طاعةَ الشيطانِ وتَولَّوا عن طاعةِ الرحمنِ، وأظهرُوا الفسادَ وعطلّوا الحدودَ واستأثَروا بالفيء، وأحَلّوا حرامَ الله وحَرَّموا حلالَهُ، وإنّي أحقُّ بهذا الأمر». هذا القدر من الخطبة كاف للدلالة على وجود فساد في الأمّة وأنه عليه السلام- أحق من غيره في مواجهة الفساد والمفسدين، وقد بيّن عليه السلام- أهم معالم الفساد المستشري في زمانه، وذلك عبر ثلاثة عناوين رئيسة: 1- «وعطّلوا الحدود»، وتعطيل الحدود هو أحد مظاهر الإفساد، فالمجتمع الذي لا تحكمه الحدود بما تعنيه من نظام المحاسبة هو مجتمع تسوده الفوضى؛ لأنّه إذا لم يعد هناك حساب ولا عقاب، وأصبح هناك أشخاص فوق القانون فهذا مؤشر على انهيار المجتمع، ولذا كان الرسول الأكرم- صلى الله عليه وآله وسلّم- واضحاً في أنّه لا أحد فوق القانون، في الحديث أنّ قريشاً أهّمهم شأن المخزوميّة التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها يعني رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم-؟ قالوا: من يجترئ عليه إلّا أسامة بن زيد حبّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فكلّمه أسامة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم:- إنمّا هلك الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيمُ الله لو سرقت فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- لقطعتُ يدَها. 2- «واستأثروا بالفيء» والفَيء هو المال العام، وهو مال الأمّة، وعندما تستأثر طبقة مالكة أو حاكمة فاسدة بهذا المال فهذا مؤشر خطير على انحراف وفساد بنيوي يؤسّس لطبقيّة خطيرة، ويدفع المستأثرين في سبيل الحفاظ على «مكتسباتهم» إلى ممارسة الاستبداد واستعباد الناس وقهرها وإذلالها، كما أنّه سيؤدي حتماً إلى انتشار المحسوبيّات والانقياد لأصحاب رؤوس المال والمستأثرين بالمال العام، ومن هنا نجد أنّ أمير المؤمنين -عليه السلام-قد شنّها حرباً لا هوادةَ فيها على قضيّة التعدّي على المال العام، ولم يستمع لبعض «النصائح» الموجّهة إليه والتي تدعوه إلى المهادنة وغضّ الطرف عن بعض الانحرافات على الصعيد المالي، لأنّه-عليه السلام-قدّر أنّ انحراف السياسة الماليّة في الدولة عمّا هو مرسوم لها ليس أمراً هامشياً وإنّما هو انحراف بنيوي لا يمكن السكوت عليه أو التغاضي عنه، ولهذا نجده مصرّاً على استرجاع قطائع عثمان*، قائلًا: « واللهِ لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». 3- «وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله» وهذا العنصر هو الأخطر في عمليّة الإفساد، ولو تأملنا مليّاً في هذه الكلمة، فالإمام لم يقل إنّهم ارتكبوا الحرام وتجاوزوه، وإنمّا قال: «إنّهم أحلّوا الحرام، وحرّموا الحلال» فنحن أمام عملية تشريع كما يقول العلماء - وبعبارة أكثر وضوحاً : نحن أمام عمليّة تزوير للشريعة، والمفسد لن يستقيم له الأمر إلّا بالعمل على تغليف الفساد بغلافٍ جميل ومُقنع، وهل أجمل من غلاف الدين ولباسه؟! فالدين هو أفضل وسيلة لـ«شرعنة» الفساد وحماية الانحراف وتعميق العصبيّات.. ومن الطبيعي أنّ مهمّة تزوير الدين لن يتسنّى لأحد القيام بها كما يقوم بها علماء السوء، ولذلك كانوا صنوَ الحكّام وتوأمهم في قيادة عمليّة الإفساد، ففي حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله- الوارد في بحار الأنوار ج2 ص49 تأكيد على ذلك فقد قال:« صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمّتي، قيل: يا رسول الله ومن هما ؟ قال: الفقهاء والأمراء». فخطورة فساد العالم تأتي من كونه القدوة وإذا استثمر عمله في تغطية الفساد فهذا سيحوّله إلى مفسد وإلى خائن لرسالة العلم. وأما السلطان أو الحاكم فإنّ فساده هو الآخر يشكل داهية عظمى وطامّة كبرى، لأنّ الحاكم الفاسد سيسعى إلى تغيير القيم وتبديل الموازين، قال تعالى: Pإِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَO [ النمل 34]. وأمام هذا الواقع الفاسد الذي وصفته كلمة الإمام -عليه السلام-المتقدمّة قد يسأل سائل: هل ينفع الإصلاح في ترميم هذا الواقع، فالفساد بلغ حدّاً قد لا يكفي معه القيام بجهود تصحيحية، وإنّما يحتاج الأمر إلى عملية انقلاب شاملة؟. وهذا الكلام فيما يظهر صحيح، ولذا رأينا أنّ الإمام -عليه السلام- في كلمته المذكورة قال: «وأنا أحقّ من غيري»، فهو يتحدَّث عن عمليّة تغيير وليس عملية إصلاح، عملية تغيير شاملة لكلِّ هذا الواقع، ولذا فالإصلاح عندما ورد في كلامه -عليه السلام-في محلٍ آخر «خرجتُ لطلب الإصلاح» فهو لا يهدف إلى ترميم الأمور، أو أن يغيّر حاكماً بآخر مع بقاء البُنية الفاسدة، بل إنّه يتحدّث عن الإصلاح الشامل الذي يغير البُنى التحتيّة لنظام الجور كلّها. قَطائِعُ عثمان: ما منحه للناس من الأراضي، وكان الأصل فيها أن تنفق غلتها على أبناء السبيل وأشباههم كقطائعه لمعاوية ومروان.
صور من الموضوع ...
نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.