تاريخ كربلاء

القراءةُ الخلدونيَّةُ ذكرياتُ الطفولةِ الكربَلائيّة

القراءةُ الخلدونيَّةُ ذكرياتُ الطفولةِ الكربَلائيّة

القراءة الخلدونية هي إحدى أهم الركائز التي استند عليها نظامُ التعليم في المدارس العراقيَّة بشكل عام والكربلائيَّة بشكل خاص؛ لأنّها تعتمد على تهجّي الحَرف بشكلٍ صحيحٍ، ونطقٍ سليم لمخارجِ الحروف، إذ يسهم ذلك في تهيئةِ الطفلِ للمراحل المقبلة من التعليم وتساعده في معرفة كيفيّة رَسم الحرف، فهي المنهاج الذي أقرَّته وزارةُ التربية والتعليم في العراق منذ مطلع الخمسينيّات من القرن الماضي، وطُبعت منها نسخٌ جديدة ومُنقّحة في مطابع شركة دار الجمهورية للطباعة والنشر ببغداد في منتصف الستينيّات وبالتحديد في عام 1965م، ألّفها المرحوم سَاطِعُ بن محمد هلال بن مصطفى الحَصري أبو خَلدُون 1880- 1968م وسمّاها بالخَلدونية نسبةً إلى اسم ولده خَلدُون، صدرتْ في بغداد عام 1922م، تعتمدُ هذه القراءة أسلوبًا سلسًا ومشوّقًا ومتدرِّجًا يُقدِّم الكلمة والجملة بشكل محبَّب للتلاميذ، واُستعمل في كتابتها خطُّ النَّسخِ بقلم شيخ الخطاطين الأستاذ المرحوم هاشم محمّد البغدادي، كما تميّزتْ بصورها المرسومة بالشكل الذي تحاكي فيه أعمار التلاميذ في هذه المرحلة برسوم الرَّسامة الألمانيّة ترودي ميتلمان. أما موضوعاتها فقد شملت أموراً متنوعة منها مجموعة لعب الأطفال (أصوات الآلات) أدوات القراءة والكتابة، وبعض الكلمات مثل ( الدار - البئر - الماء النار ) وبعض النباتات مثل ( التين - التمر - الزيتون - العنب المشمش البطاطا الشعير - البطيخ ) وبعض الدروس الرياضية في ثنايا الكلام مثل (الأعداد) وأُمور أُخرى مثل ( صياد السمك - الشمس - القطة نميرة - القطار - الزورق - الطابوق الفانوس الشباك الدكان التاج البيضة- المنجل - المنشار المُنخُل - وغير ذلك ). اتَّبع المعلمونَ في مدارس مدينة كربلاء طريقةً معيَّنةً في تعليم القراءة الخلدونيّة للتلاميذ عُرفت بالطريقة المقطعيَّة وليست الحَرْفيّة، أي أن يقوم المعلِّمُ الكربلائيُّ بتعليم التلاميذ قراءة الكلمة مقطعاً مقطعًا، وذلك بعد أن يستعرضَ الصورَ ووسائل الإيضاح قبل كتابة الكلمة، مثل كلمة دار ، (دا) جزء ، و (ر) جزء آخر، وبعد استعراض الكلمات جميعها يقوم المعلمُ الكربلائيُّ بكتابة الدرس بشكلٍ كامل مع تلوين مقاطع الكلمات، ثم يقومُ التلميذُ بقراءةِ الدرس مع التأشير على الكلمات والتركيز على المقاطع، ومع التِّكرار المستمر يتركَّز الموضوع في ذهن التلميذ، فضلاً عن إعطائه واجباً بيتياًّ يتضمَّن كتابةَ الدرسِ أكثر من مرَّةٍ في دفتره الإملائي. حرص أهالي مدينة كربلاء على إدخال أولادهم إلى المدارس التي تعتمد على تعليم القراءة الخلدونيّة حصراً مثل مدرسة السِّبط الابتدائيّة للبنين الواقعة في محلة باب السلالمة، ومدرسة الهاشميّة الابتدائيّة للبنين الواقعة في منطقة باب بغداد، ومدارس أُخرى مثل مدرسة اللاذقيّة الابتدائيّة للبنات القريبة من مقام الإمام المهدي f ، لأنَّ المدارس الأخرى كانت تعتمد على القراءة التوليفيَّة المشهورة بين الأهالي بـ (حسن وريم) نسبةً إلى الدرس الأول فيها ذي المفردات الصعبة ، وكان الأطفالُ يناقشون أهاليهم بمحتوى القراءة الخلدونيّة ويقصّونَ عليهم كيف شرح لهم المعلمُ ذلك، ويطلبون منهم شراء أقلام التلوين (الأصباغ) لتلوين الرسوم الموجودة فيها، فضلاً عن استمتاع الأسرة الكربلائيّة نفسها وهي تعلِّم أولادها دروسَ القراءة، وكانت هذه المادة من المواد الدراسيّة المُحبّبة لدى الأطفال، حيث يقوم بعضهم بالتمثيل أو عمل شيءٍ تشبيهيٍّ للرسوم الموضوعة فيها. في مطلع القرن الحالي حدثت انعطافةٌ كبيرة في التعليم تمثّلت في تغيير القراءة الخلدونيّة إلى القراءة الصوريَّة التي تعتمدُ على شكل الحرف وصورته، وعدَّها بعضُ أهالي المدينة وخاصة المعلمين منهم خطراً على مستقبل أطفالهم وعودتهم إلى العصور الأولى في التعليم، حيث رسوم الأسماء والأشياء والطبيعة التي كانوا يتعاملون معها. هنالك أسبابٌ دفعت وزارة التربية العراقيّة إلى تغيير القراءة الخلدونيّة باعتبارها منهجاً قديماً لا بُدَّ من تغييره وفقاً لمتطلباتِ الرؤية المنهجية في مواكبة التطور الحاصل في البلدان المتحضرة كافّة، ومواكبة التطورات التقنيّة والتعليميّة وتقريب صورة الكلمة من ذهن التلميذ ليتنسى له معرفة نطقها ورسم حروفها بصورةٍ مبسَّطة. تخرّج عن طريق هذه القراءة كبار العلماء المتضلّعين في العلوم والمعارف وأساتذة التدريس في جميع مجالات العلوم، وعلى الرغم من قيام وزارة التربية العراقيّة بتحديث كتابها قراءَتي ليشمل الطريقتين (القراءة الخلدونية قراءتي الجديدة) مواكبةً منها للتطوّر واستمراراً للأسلوب المتّبع قديماً، الّا أنَّ ذلك لم يلغِ مسألة الصعوبة لدى التلاميذ في فهم بعض المواضيع المستحدثة أو المضافة، الأمر الذي حاولت الأسر الكربلائيّة معالجته باللجوء إلى الأسواق والمكتبات الموجودة في المدينة لشراء نسخٍ من القراءة الخلدونيّة التي باتت نادرة الوجود، أو التي مرَّ عليها الزمان، إذ أصبح ورقها يحاكي تراث مدينة كربلاء في جودته وأصالته، فأصبحت ذكراها حكاية تُروى في المجالس العلميّة والتربويّة والأكاديميّة، ليعزي البعضُ تدنّي مستوى التعليم إلى عدم اعتمادها في تعليم الصف الأول الابتدائي، حتى عدّها بعضهم من الحلول الناجعة التي يجب الرجوع إليها مهما بلغ التقدُّم و التطوّر في هذا الجانب.

صور من الموضوع ...

نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7711173108
00964-7602365037
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
info@mk.iq
media@mk.iq

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...