تاريخ كربلاء

كربلاءُ أرضٌ مقدّسةٌ منذُ القِدَم

كربلاءُ أرضٌ مقدّسةٌ منذُ القِدَم

كربلاءُ مدينةٌ عراقيةٌ عربيةٌ إسلاميةٌ، سُكنت من قبل المسلمين منذ عام 65هـ عند تأسيس نواتها، ولكن أرض مركزها الحالي - وربمّا ما حوله - كانت قبل ذلك التأريخ مسكونة ومنذ أزمنة بعيدة بأقوام عراقية قديمة (أكدية وبابلية وآشورية وآرامية وربمّا سومرية أيضاً). وتشكِّل (كوربالا) التي تقع كربلاء في طرفها الشمالي، أوّل وأقدم بُقعة في العالم قد سُكنت بعد طوفان النبي نوح -عليه السلام-وأن موضعَها كان محطاً لحواضر دينیة كثيرة تابعة للعاصمة العراقية القديمة بابل في العصر البابلي الأول وما بعده. لذا فهي بلحاظ ذلك تُعدُّ من المناطق القديمة السكن في العراق خصوصاً، والعالم عموماً، بل من أقدمها على الإطلاق. كانت أرضُ كربلاء مشهورةً كمحل عبادة مقدّس قبل رسالة الإسلام بل وقبل رسالتي نبييّ الله عيسى المسيح وموسى الكليم -عليهما السلام- اللذان ارتبطت بهما على أرضها أحداثٌ عظيمة، وقد قـُدّست منذ عهود التوحيد الأولى لنبييّ الله نوح وإبراهيم -عليهما السلام- اللذان ولدا وعاشا وأُرسلا من قبل الله -عز وجل- إلى الناس في منطقتين قربها، إذ ولد النبي نوح -عليه السلام- وعاش وأرسل إلى الناس في أراضي الكوفة الحالية، ودُفن بعد وفاته في ظاهرها(النجف الأشرف)، ورست سفينتُه بعد الطوفان على أرض (كوربالا) والتي تضم كربلاء والنجف وأراضٍ أخرى بينهما وغربهما، والتي ذكرها في أكثر من موضع العلّامة السيد سامي البدري في كتابه (النجف مرسى سفينة نوح عليه السلام)، و أما خليل الله ونبيه إبراهيم -عليه السلام- فقد وُلد وعاش في كوثى رَبَّى، من مدن الفرات الأوسط في العراق، وقد تكون واقعة ضمن منطقة كوربالا أيضاً ، وذلك إذا اعتبرنا أنّ منطقة كوربالا تتوسع لتشملها ضمنها، فقد روى العلّامة المجلسي في بحار الأنوار قول الإمام الصادق -عليه السلام-: «إنَّ إبراهيم -عليه السلام- كان مولده بكُوثَى رَبَّى، وكان أبوه من أهلها...»، وعرفها ياقوت الحموي في معجم البلدان في ج44/ص487، بقوله: كوثى العراق، كوثيان: أحدهما كوثى الطريق، والآخر كوثى رَبَّى وبها مشهد إبراهيم الخليل -عليه السلام- وبها مولده، وهما من أرض بابل وبها طرح إبراهيم في النار. وقد اختلف المؤرخون في تحديد موضع ولادته -عليه السلام- رغم أنَّ الصحيح كما نعتقد هو ما ورد أعلاه، وما يهمنا هو ما ذكروه من مواضع قرب كربلاء، فقد قال أحمد سوسة في الجزء الثاني من كتابه (تأريخ حضارة وادي الرافدين): ص331، أنّه -عليه السلام- مولود في كوثى بالقرب من بابل، ويؤيده ما ذكره (العلامة المجلسي/ بحار الأنوار - ج 12: ص45) حيث ذكر الأمر نفسه نقلاً عن الإمام الصادق -عليه السلام-، وقال ابن بطوطة الذي نقل رأيه أحمد سوسة في الكتاب السابق في الصفحة (252) أنّه -عليه السلام- مولودٌ في برس (بورسيبا كما كانت تسمى في العهد البابلي). نقول: وهاتين المدينتين سواء كانتا مدينتين مختلفتين أو مدينة واحدةً كما يذكره ويؤكده (حيدر الجد) في تحقيقه التاريخي حول مقام ولادة النبي إبراهيم -عليه السلام- في برس، والمنشور في مجلّة (ينابيع) - العدد12 الصادر في تموز2006م: ص71 وما بعدها، وربمّا إنّه يقصد بأن بورسيبا اسم المقاطعة التي تضم مدينة كوثى، وذِكرُ الخاص باسم العام شائع في كثير من المواضع، حيث سُميت الامبراطورية البابلية باسم عاصمتها، وسميت محافظات أو مناطق واسعة باسم أشهر مدنها، وهكذا فلا تعارض بين كون بورسيبا وكوثى ربّى اسمين لموضعين، أحدهما جزء من الآخر، وبين كونهما معاً موضع لولادة نبي الله إبراهيم -عليه وعلى نبينا وآله صلوات الله- بلحاظ الاسم العام للمنطقة، أو اسم مدينة أو منطقة تابعة لها، فنقول فلان بغدادي أو عراقي لأنّ بغداد في العراق. نقول: على كلا الفرضين، إنَّ هذه المنطقةَ تقع قرب مدينة بابل القديمة أهم حواضر الأرض في ذلك الزمن، وقرب كربلاء الحالية- والتي كانت حينها موضع عبادة- وبالتالي قرب قضاء النهرين الواقع- بحسب ما ذكره مهنا رباط الدويش المطيري في موسوعته تأريخ كربلاء وخاصة الجزء الرابع منها - في شمال كربلاء الحالية. وقد لا يتعارض كل هذا مع ما ذكره أحمد سوسة في الكتاب السابق: ص374، من أنّ سيّدنا إبراهيم قد خرج من أور الكلدانيين- ربمّا باستناده إلى ما روته التوراة (تكوين11: 21)- لأنّ أور هذه قد تكون تسمية لمدينة بالقرب من بابل، أو أنّها مقاطعة فيها إحدى المدن المذكورة التي ذكروا أنّه -عليه السلام- وُلِد فيها. لذا يمكن القول بأنَّ الناس ربما قد علموا بقداسة كربلاء منذ هبوط أبينا نبي الله آدم -عليه السلام- إلى الدنيا، حيث تشير الكثير من القرائن التاريخية والروائية إلى أنَّ خلقه -عليه السلام- وجنَّته التي سكنها أولاً عند خلقه كانت في العراق، وعلى أرض (كور بالا) تحديداً، حيث إنَّ الأخيرة تضم كربلاء المقدّسة والنجف الأشرف والكوفة، وقد سكنها -عليه السلام- هو وأوصياؤه، إذ تعتبر كلّها منطقة ذات تأريخ واحد زاخر بالمقدّسات. كما تشير بعض مصادر الحديث إلى أنَّ كربلاء كانت مدفناً لمئات الأنبياء والأوصياء والأسباط والصالحين بعد ذلك في مراحل تأريخ العراق القديم المختلفة في الأزمان الغابرة قبل الإسلام، بل ربما يرتفع العدد إلى الآلاف، خاصة إذا ما علمنا أنَّ عددَ الأنبياء هو 124 ألفاً، فضلاً عن عشرات الآلاف من أوصيائهم وأتباعهم، وإنّ أكثرهم قد بُعث ضمن منطقة الهلال الخصيب (العراق، سوريا، فلسطين، لبنان، الأردن)، ولأنّه لا يوجد في هذه المنطقة أقدس من (كور بالا) لتضم أجسادهم الطاهرة، فيترجح على غيرها من البقاع ضمها لتلك الأجساد الطاهرة. كما امتازت كربلاء في عصر الإسلام بقدسيتها وتأريخها الحافل بالأمور العظام والحوادث الجِسام، حيث شهدت تربتها حادثة فريدة هي بحق أنبل ملاحم الشهادة والفداء على وجه الأرض، ألا وهي واقعة الطف الخالدة، التي غيرت بأحداثها مجرى التأريخ، وصاغت للأحرار أروع الدروس وأبلغها في إصلاح الأمّة والثورة ضد الظالمين، وبلا شك فإنّها الحادثة التي تقدّست كربلاء من أجلها منذ الأزل، وجعلتها واحدة من أقدس بقاع المعمورة، كما ثبت في السنة النبوية. وبعد تلك الحادثة اتجهت أنظار البشرية إليها، وأصبحت مركزاً للأحرار ومنبع إلهامٍ للثوار، لذا خافها الطغاة والمستكبرون الغربيون على حدٍ سواء، وصار لديهم اعتقاد راسخ بأنّ السيطرة عليها كافٍ للسيطرة على العراق، وربمّا بلدان الشرق كلّها.

صور من الموضوع ...

نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7711173108
00964-7602365037
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
info@mk.iq
media@mk.iq

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...