أعلام
الشيخ محمّد مَهدي النَّراقي وجهودُه الفِكريَّة
دأب المسلمون في كلِّ قرنٍ من القرون الإسلامية إلى تأليف مؤلّفات كلاميّة عدّة غايتها إثبات وتبيين العقائد الإسلامية للناس وردّ شبهات المبطلين لها، ومنها ( كتاب جامع الأفكار وناقد الأنظار ) الأثر الكلامي الوحيد للشيخ محمد مهدي النراقي، من حيث كماله، ولكونه غاية في البسط يعدُّ فريداً من نوعه، ألّفه في سنة 1193هـ ، أي نهايات القرن الثاني عشر الهجري، إذ كان لدراسته في كلٍّ من أصفهان وكاشان والحوزات العلمية في كربلاء والنجف المقدستين الأثر البالغ في بلورة أفكاره ونضجها، فقد درس عند أبرز شيوخهما آنذاك، كالوحيد البهبهاني، والشيخ البحراني ،و الشيخ مهدي الفتوني. عاش الشيخ النراقي في القرن الثاني عشر الهجري ولم يأخذ الشهرة الكافية بين أقرانه مع غزارة علمه وكونه نقطة التقاء بين مدرسة الوحيد البهبهاني ومدرسة الشيخ مرتضى الأنصاري، وللاستفادة الفلسفية والكلامية من أبحاثه, سنتعرّف على كتابه (جامع الأفكار وناقد الأنظار), تعريفًا بمقامه الفكري ومكانته الفلسفية والكلامية. هو محمد بن أبي ذر الكاشاني الشهير بالنراقي ولد في مدينة نراق, وهي قرية من قرى كاشان بإيران، سنة (1146هـ) في بيت ديني، وكان والده من موظفي الدولة وقتئذ، وقد عرفت شخصية المترجم له بخلقه الرفيع وانشغاله بتهذيب نفسه منذ صغره وصبره وقوة إرادته وتفانيه في طلب العلم وبعزه النفس وقوة الإرادة، ولتحصيل العلم والمعرفة تنقّل بين مدن عدّة وكانت محطته الأولى كاشان, إذ درس فيها العلوم الأدبية, ثم رحل بعد ذلك إلى أصفهان وكانت مركزاً عريقاً من مراكز العلم في إيران, فدرس على علمائها الفقه والأصول والتفسير والكلام, وقد اغتنم الفرصة في هذه المدينة وتعلّم فيها اللغتين العِبريّة واللاتينيّة على يد جماعة من اليهود والنصارى, وقيل إن إقامته فيها ثلاثون سنة. أما وجوده في العراق فقيل إنّ مدة إقامته فيه ثلاث سنوات, درس فيها عند الشيخ يوسف البحراني و الشيخ الوحيد البهبهاني. رسّخ الشيخ الوحيد البهبهاني الملقب بـ (أستاذ الكل ) المنهج الأصولي في عملية الاجتهاد واستنباط الإحكام وأخرج جيلًا من الأعاظم والأعيان كالسيد بحر العلوم، والشيخ كاشف الغطاء, والميرزا القمّي, والشيخ محمد مهدي النراقي الذي كان أحد الأبطال الذين رفعوا راية الجهاد بمؤلفاته وتدريسه، فقد صرّح بكتابه أنيس المجتهدين بالكثير من المسائل الخلافيّة وردّ بعدم الحاجة إلى العلوم الأخرى كمقدمات للاجتهاد كالمنطق والعلوم الأدبية والأصول والرجال، وفي موضع آخر من الكتاب نفسه بيّن وجه الحاجة إلى علم الأصول في الاستنباط، إذ قال: (إنَّ جلَّ مطالبه ممّا يتوقف عليه الاجتهاد المُطلق ولابدَّ للمجتهدين من معرفتها، والقول بأنه لا حاجة إليه لأن تدوينه بعد عصر الأئمة, لا يخفى ضعفه). ذكر المترجمون لحياته سبعة أساتذة له، هم: الشيخ محمد جعفر البيدكلي وهو من أكبر علماء كاشان، الشيخ إسماعيل بن محمد حسن الخاجوئي وهومن أشهر علماء أصفهان ودرس على يده الفقه والفلسفة، الشيخ محمد بن محمد زمان الكاشاني , وقد درس عنده الفلسفة وكان مشتهرًا آنذاك، محمد مهدي الهرندي, وكان من أساتذة الفلسفة المعروفين في أصفهان، الميرزا نصير الحكماء وكان من حكماء أصفهان وأساتذتها، الأستاذ الأوحد الأغا محمد باقر الوحيد البهبهاني الذي كان مرجع الشيعة طوال ثلاثين عامًا، والشيخ يوسف بن أحمد البحراني وكان من كبار علماء عصره ومن إخباريّي علماء كربلاء المقدسة. الشيخ النراقي في أقوال العلماء: ذكرت مجموعة من الأقوال لعلماء كبار بمناسبة انعقاد مؤتمر تخليد ذكرى الفاضلين النراقيين, ونلحظ فيها أنَّ كل من ذكر الابن (أحمد النراقي) لم يفتْهُ أن يذكر الأب (محمد مهدي النراقي) ويثني عليه ويبين الأثر الكبير الذي انعكس على شخصية الابن, نذكر منها: 1- المولى حبيب الكاشاني: (الفاضل الحاج أحمد النراقي ابن المحقق النراقي كان كأبيه من مشاهير علماء الإسلام والفقهاء والأعلام وهو أعلمهم).2 2- الشهيد المطهري (الحاج أحمد النراقي كان كأبيه جامعًا للفنون ومفتيًا ومجتهدًا ومرجعًا في الفتيا, وأخذ العلوم العقلية عن أبيه). 3- القاضي الطباطبائي: (لقد خلف العلّامة النراقي – الذي كان في العلم بحرًا لا نهاية له ولداً قد بلغ مقامًا رفيعًا من بحر شيوخ الفقاهة) آثاره العلميّة: لشيخنا المترجم له آثار عدة في تخصصات متنوعة ,وهنا نشير إلى بعض منها ونذكر اشهرها: 1- الفقه، وذكر المترجمون له عشرة كتب في الفقه منها: لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام، معتمد الشيعة في أحكام الشريعة، أنيس التجّار. 2- الأصول، وقيل عددها ستة كتب أبرزها: تجريد الأصول، جامعة الأصول، أنيس المجتهدين. 3- الفلسفة والكلام: وقيل إنَّ عددها تسعة كتب، أبرزها: جامع الأفكار وناقد الأنظار، الفلسفة الإلهية في الحكمة المتعالية، أنيس الموحّدين، قرة العيون في أحكام الوجود والماهيّة. 4- الأخلاق: جامع السعادات: هو الكتاب الأشهر بين مؤلّفاته, وذاع صيت مؤلفه بكونه عالم أخلاق لشهرة هذا المؤلف، جامع المواعظ. و له كتب أخرى في علم الرياضيات والهيأة ومتفرقات أخرى. وبعد عمر حافل بالعطاء توفي العلامة النراقي (1209هـ) في كاشان ونقل إلى النجف ودفن فيها. حرره: أ.م.د. هاجر دوير حاشوش
صور من الموضوع ...
نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.