مركز تراث الحلة
ابن حُمَيْدَة النَحْويّ
التاريخ : 2 / 5 / 2021        عدد المشاهدات : 334

ممّا لاشكّ فيه أنّ نهضة الأمم يجسّدها رجالها الأفذاذ، فهم يغوصون في لجج بحار الفكر، فيقتنصون شاردات البدائع ويرفعون بذلك منارات الإشعاع وتسير الأمّة على أضوائها، وتستضيء بأنوارها، كما أنّ الأمّة لا تنسلخ عن تاريخها فهو وعاء ثقافتها ومنشأ حضارتها، وهنا تتبلور حقيقة الإنسان ويحظى بمكانته المرموقة في المجتمع البشريّ، إذ حفظ مكان أهله في ذلك المجتمع، فالتاريخ مرآة الزمان، وهو يعكس صورة تراجم أولئك الرجال، وأخبار الماضين ليتّبعوا ما جاء به من الذكر الحسن.

وقد شهد تاريخ مدينتنا الحلّة الفيحاء بعطائها الثرّ، وما كان ذلك إلّا بفضل رجالاتها الفطاحل في المعرفة والفضيلة، إذ شغف كلّ منهم بدراسة ما تناغم مع فكره، ومن لغة القرآن الكريم العظيمة، ومن ذروة الذوق الرفيع، فقد عشق جلّهم اللّغة العربيّة المباركة فأجاد فيها وفي النحو، الذي قيل فيه:

يُنزّل النحو من الكلام         منزلة الملح من الطعام

ومن أولئك العمالقة في اللّغة، والنحو، والشعر في القرن السادس الهجريّ:

ابن حُمَيْدَة النحويّ

هو أبو عبيد(عبد) الله محمد بن علي بن أحمد الحِلِّي النحويّ، وبعضهم يلّقبه ـ خطأ ـ بالحلبيّ، ولد في منطقة النيل سنة(486هـ)، درس عليه كبار علماء اللّغة منهم ابن الخيميّ الحِلِّي.

ذكره السيد هادي حمد كمال الدين بقوله: " حُمَيْدَة، (على وزن قتيبة بضمّ الحاء المهملة وفتح الميم، تصغير حَمِيد)، وبها عُرف أبو عبيد الله محمد بن علي بن أحمد الحليّ النحويّ، كان معاصرًا  للحسين بن عقيل الخفاجيّ(ت507هـ) ومشاركاً له في العلوم ومزاولًا له في الأدب، وهو من الرعيل الأول الذي دَشَّنَ عمارة الحلّة أول تأسيسها فكان وردة شذيّة من باقاتها العطرة تنفح بأريج العلم والأدب ".

مؤلّفاته

قال الحافظ السيوطيّ في كتابه: (بغية الوعاة في طبقات اللّغوييّن والنحاة): " قال ياقوت: كانت له: أي ابن حُمَيْدَة معرفة جيّدة بالنحو، واللّغة وقرأ على ابن الخشّاب ولازمهُ حتّى برع وصنّف كتبًا كثيرة منها (شرح المقامات الحريريّة)، و(كتاب التصريف) و(الروضة في النحو) ألّفها بمكّة المشرفة، و(الأدوات في النحو)، و(الفرق بين الضاد والظاء)، مولده سنة 486هـ، ومات سنة550.

شعره

وقال السيوطيّ: "  أنشدني محمد بن علي بن حميدة الحلّي لنفسه أبياتًا نذكر منها:

سلامٌ على تِلْكَ المَعَاهِــدِ والرُّبَى           وأهلًا بِأرْبَابِ القِبَابِ ومَرْحَــــــبَا

وسَقْيًا لِرَبّاتِ الحِجَالِ وأهْلِـــــهَا           وَرَعْيًــا لأربَابِ الخُـــــدُورِ بِيَثرِبا

أحُنُّ لِتَيّاك الجَمالِ وإنْ غَـــــدَتْ           رَبَائِبها تُبْدِي إليَّ التَّجَـنُبَـــــــــــا

وأصْبُوا لَرَبْعِ العَامِرِيَّةِ كُلَّــــــما            تَذَكَّرْتُ مِنْ جُرْعَائِهَا لي مَلْعَـــــبَا

فلا هَـــــــمَّ إلّا دُونَ هَمّي غُدْوَةً           إذا جَـرّتِ النَكْبَاءُ أوْ هَبَّتِ الصَّبَا "

 

وقد أورد السيوطيّ البيت الثالث هكذا:

" أحِنُّ لِذِيَّاكَ الجَمَالِ وَإنْ غَدَا           رَبَائِبُهُ عَنْ رَوْضَتَيَّ مُجَنَّبَا

كما أرى من الأصوب أن يقول:

(وَرَعْيًا لِربَّاتِ الخُدُورِ)، بدلاً عن (أرْبَابِ الخُدُورِ)، رعاية للتأنيث، والذي يظهر لي أن هذا الشعر من أول نظمه، فتعبيره جيّد ينمّ عن معانٍ سطحيّة التفكير، فامتزج لفظه الجيّد بمعانيه غير العميقة أشبه بامتزاج أشعّة الفجر في ظلمة آخر اللّيل، والذي نسمعه أنّه من فحول الشعراء، ولذلك حكمنا أنّ هذا الشعر من أول قوله للشعر، ولعلّ شعره الجيّد قد عبثت به يد الدّهر كما تعبث العاصفة بثمرة النخيل، فيتساقط الرطب الجنيّ، ويبقى الحشف ".

وذكر ابن الدبيثيّ بأنّه: أديب فاضل له معرفة حسنة بالنحو والعربيّة.

قرأ ببلده على شيخ كان هناك يعرف بخزيمة، ورحل إلى بغداد وقرأ بها على أبي محمد عبد الله أبي محمد عبد الله بن أحمد الخشّاب ولازمه مدّة، وأخذ عنه علم النحو، وكان له شعر حسن وأخذ الناس عنه ببلده أدبًا وتخرّج عليه جماعة في علم النحو ورووا شيئًا من شعره، ويوصف بالفضل والمعرفة والأدب.

وذكره الذهبيّ في تاريخه أنّه نحويٌّ بارع حاذق بصير باللّغة، شاعر له شرح أبيات الجمل لأبي بكر بن السراج(ت:31هـ)، وكتاب شرح اللّمع لابن جنّي(ت392هـ)، إلى غير ذلك، وكانت له كذلك:(شرح أبيات الجمل الكبير للزجّاجيّ) في النحو، وذكر العلّامة الطهرانيّ من كتبه(شرح أبيات الجمل) الذي هو تأليف أبي بكر السرّاج، وقال إنّه لمحمد بن علي بن أحمد الحِلِّي المعروف بابن حُمَيْدَة صاحب (الروضة) في النحو، كما حكاه السيوطيّ في(بغية الوعاة) نقلًا عن(معجم الأدباء)، وعطف السيوطيّ على الروضة الأدوات مع أنّ (الروضة) و(الأدوات) كتابان مستقلّان في النحو، ودرس عليه عبد الكريم بن أحمد بن محمد البوازيجيّ نزيل الموصل ، مقامات الحريريّ.

كان ابن حُمَيْدَة قد برع في النحو فقد وُصِفَ بالشاعر أيضاً وقالوا إنّ (له شعرًا), ولم يصل إلينا من شعره سوى ما أورده ياقوت الحمويّ في معجمه تاريخ الإسلام: " نحويّ، بارع، حاذق بالفنّ، بصير باللّغة، شاعر ".

وذكره أقا بزرك الطهرانيّ في (طبقات أعلام الشيعة): " محمد بن علي بن أحمد الحلّيّ، الشيخ أبو عبد الله المعروف بابن حميدة النحويّ، ترجمه ياقوت في معجم الأدباء قال: كانت له معرفة جيّدة بالنحو واللّغة، قرأ على أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشّاب وذكر تصانيفه وشعره، قال: ولد 486 ومات 550"

وفاته

وذكر وليد الزبيديّ وآخرون في (الموسوعة الميّسرة في تراجم أئمّة التفسير والإقراء والنحو) وفاته سنة (550هــ) خمسين وخمسمئة للهجرة.


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :