مركز تراث الحلة
ابن أفلح العبسيّ
التاريخ : 1 / 5 / 2021        عدد المشاهدات : 170

تعد منطقة الجامعين اليوم واحدة من مناطق الحلّة، بيد أنّها كانت مدينة صغيرة مصّرها الزمن، وعلى أرضها أسّس صدقة بن منصور سنة 495هـ الحلّة لتكون بحسب مقدّرات ذلك الزمن هي الأم، إلّا أنّ الجامعين كانت وست1بقى محتفظةً بقدمها، وكان بين أهلها علماء، وأدباء، وشعراء، نذكر منهم:

الشاعر ابن أفلح العبسي  هو أبو القاسم جمال الدّين علي بن أفلح العبسي, واختُلِفَ في سنة وفاته ويمكن تحديده من قول ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، " له من العمر أربع وستون سنة, ولمّا كانت ولادته سنة 468هـ, فستكون وفاته سنة 532هـ.

ولد في الحلّة وبها نشأ وتأدّب في عهد دولة بني مزيد وأتقن فن الترسّل ونظم الشعر, اتّصل ببني مزيد وكان كاتبًا لسيف الدولة صدقة بن منصور, وقدم بغداد في عهد المسترشد الذي أكرمه ولقّبه بجمال الملك, وكان يُكاتب دبيسًا سرًا فوشى به بوّابه عند صاحب الشرطة فهرب ابن أفلح إلى تكريت, ثم عفا الخليفة عنه فعاد إلى بغداد وتوفي فيها.

ذكره د. جواد علوش في كتابه (أدباء حليّون)، والزركلي في (الأعلام)، واليعقوبي في (البابليّات)، وابن كثير في(البداية والنهاية)، وبروكلمان في(تاريخ الأدب العربي)، ويوسف كركوش في (تاريخ الحلّة)، والخاقاني في (شعراء الحلّة)، وابن شاكر الكتبي في (عيون التواريخ)، ومصطفى جواد في (التراث العربي)، وابن الأثير في (الكامل في التاريخ)، وابن الجوزي في (المنتظم في أخبار الملوك والأمم)، وجمال الدين الأتابكي في (النجوم الزاهرة)، وسعد الحداد في (موسوعة أعلام الحلّة)، وقولهم بأنّه: جمال الملك أبو القاسم عليّ بن أفلح العَبسي الشاعر من أهل بغداد، وأصله من الحِلّة السّيفيّة، شاعرٌ، سائرُ الشّعر، طائر الذّكر، مرهوب الشّبا حديد السِّنان، شديد الهجاء بذيّ اللسان، إذا اتّضح له المعنى في هجو أحد، لم يبال به أكان محسنًا أم مُسيّئًا، عدوًّا أو وليًا، وقلّ من أحسن إليه إلا جازاه بالقبيح، وجاراه بالذمّ الصّريح.

وقال العماد الأصفهاني في(خريدة العصر وجريدة القصر)،" وكان من جملة منعوتي العمّ الشّهيد عزيز الدّين، فإنّه نوّه بذكره، ونبّه على قدره، وجذب بضَبْع فضله، وآواه الى ريع ظلّه، وولّى أشغاله جماعةً من أقاربه وأهله، حتى عُرِفوا وشرُفوا، وأثْرَوا واكتفوا على أنّه لم ينجُ مع ذلك من قوارصه، وكان يحتمله لفضائله وخصائصه، طالعتُ ما جمع من شعره، وهو قليل؛ لأن الخليفة نفّذ وأخذ من بيته أشعاره كلها، وكتبت منه قصيدتين في مدح عمّي، فأثبتُّهما، ولم أُلْغِ منهما شيئًا، إحداهما ما مدحه به وأنشده بأصفهان:

هاتيك دجلةُ رِدْ وهذا النّيلُ          ما بعدَ ذينِ لحائمٍ تعليلُ

إن كان برْدُ الماءِ عندَك ناقعاً        حرَّ الجَوى لا الأشنبُ المعسول

عجباً لشأنك تدّعي ظمأً وفي        جفْنيْكَ من سيلِ الجُفونِ سُيولُ

وتنحّ من لفْح الهَجيرِ وحرِّه        وحشاكَ فيه لوعةٌ وغَليلُ "

وقد عرف ابن أفلح بأنّه شاعرٌ مجيدٌ وله شعرٌ مليح، سائر الشعر، طائر الذكر، وقد أكثر القول في المديح، وسائر الفنون فأحسن، كما عرف بأنّه شديد الهجاء، بذيء اللّسان، فإذا اتضح له المعنى في هجو أحد، لم يبالِ أمحسنًا كان أم مسيئًا، عدوًا أو وليًا، حتى أوجب له مقتًا من الناس، وأشار إبراهيم صالح الذي حقق كتاب (البديع) لابن العبسيّ " إلى أنّ هذا الخلق الغريب، هو الذي أوصله إلى ما وصل إليه، من هدم داره، وتشرده في البلدان، وضياع شعره الذي كان يحتفظ به في داره الفاخرة "، وقد ضمّ الكتاب بين دفّتيه – على صغره – حديثًا عن أهم أبواب البديع من تشبيه بجميع أنواعه، وتضمين وتجنيس وتوجيه وحسن تخلّص، واستطراد واستعارة، وغيرها من الفنون البديعيّة التي اتّشحت بها أشعار العرب، وأنّه تناول أدوات الشاعر بالدراسة، وفصّل القول في ما يحتاجه الشاعر من أدوات كالإلمام بالنحو واللّغة العربيّة والتصريف والعروض والتقطيع، فضلًا عن الإكثار من حفظ الأشعار والأنس بالسير وغيرها ممّا يلزم الشاعر الإحاطة به.

وقال إبراهيم صالح " إنّ ابن أفلح لم يهجر الحلّة لخلاف بينه وبين أميرها ولكنّه رأى أنّ الحلّة لا تحتمل عبقريّته، وأنّ عليه أن يبحث عن دائرة أوسع من الحلّة، فقصد بغداد واتصل بأمرائها وكبرائها، فمدحهم ونال جوائزهم"، موضحًا أنّ صلة ابن أفلح بأدباء عصره لم تكن تسير على وتيرة واحدة، فنراه يعادي بعضًا ويصاحب آخرين، كما كان يجتمع بوالد العماد الأصفهاني، ويقصد نحوه ويبث شجوه".

قال مخاطبًا دبيسًا ويحذره من الخليفة المسترشد:

 والله لو كتب الإما          م لك الأمان بماء زمزمِ

وآتى محمّد شافعاً         من بعده عيسى بن مريمِ

ما كُنتُ إلّا داخل الـ       حمـام أسـوةً مـــن تَـقـدُّمِ

وقال:

لله أحباب نأت بـــــــهم            أيدي النوى ففراقهم جَللُ

بعدوا فدمع العين منهمرٌ           ونأوا فنار الشوقِ تشتعلُ

هذا وما بعدت مسافتهم            اذ قربوا للبين واحتمـلوا

رحلوا ولكن في الفؤادِ شعروا     فكأنهم رحلوا وما رحلوا

وقال :

لا غرو من جزعي لبينــهم       يوم النوى وانا أخو الفهم

فالقوس من خشبٍ تئن اذا      ما كلفوها فرقة الســــهم

وقال:

استغفر الله من نظم القريض فــقد             أقلعت عنه فمالي فيه مــــــن آرب

اذ لست أنفكّ من نظميه من فزغ             أمسى ينغص عــندي لــــــذة الأدب

اذا صدقت بهجو الناس خــــفتهم             وان مدحت خشيــت الله في الكـذب

 وهذه الأبيات الثلاثة هي التي قادت إبراهيم صالح لتخطئة نسّاخ القرن الخامس الهجريّ الذي نسب هذا الكتاب للمرغينانيّ وهو ليس له.. ولكن كيف حصل ذلك؟ تساءل إبراهيم صالح عن قائل هذه الأبيات، بل لِنَقُل: شكّك بنسبتها إلى المرغينانيّ وبعد أنْ رجع إلى أمّهات كتب تاريخ بغداد وعيون الأخبار وجد أنّ قائلها هو “جمال الملك، أبي القاسم عليّ بن أفلح بن محمد العبسيّ، وهو من شعراء مدينة الحلّة التي تقع بين بغداد والكوفة على نهر الفرات في برّ الكوفة، التي اختطّها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس سنة 495هـ والتي نسب إليها الشاعر المعروف صفي الدّين الحلّيّ، حيث قارن الباحث المحقّق إبراهيم صالح بين هذه الأبيات الثلاثة وأسلوب جمال الملك الذي يميل للبذاءة والسباب والشتم أي شديد الهجاء، بذيء اللسان، كما قال العماد الأصفهاني في الخريدة (قسم شعراء العراق 52/2). ويعضده في ذلك ابن خلكان وابن شاكر.

ونسب إبراهيم صالح هذه الأبيات الثلاثة إلى جمال الملك، لأنّها وردت منسوبة إليه في (خريدة القصر) للعماد الأصفهاني وفي (عيون التاريخ) لابن شاكر الكتبي، وفي (البديع) لابن أفلح وفي (ذيل تاريخ بغداد) لابن النجّار، وبذلك توثّق من أن الكتاب عائد إلى جمال الملك دون غيره، وإنّما نسخه النسّاخ الذي لم يعرف اسمه مع كتاب المرغيناني (المحاسن في النظم والنثر)، ونسب كليهما إلى الأخير وأهمل اسم جمال الملك الذي أُعيد على يد إبراهيم صالح.

قال فيه الشاعر قمر الدولة ابن دبّاس هذين البيتين:

هذا ابن أفلح كاتبٌ       متفردٌ بصفاته

أقلامه من غيرهِ         ودواته من ذاتهِ

والعبسيّ ابن أفلح كان نابغة في الشعر، اتصل بأمير الحلّة دبيس بن عليّ بن مزيد وعمل كاتبًا لديه، ثم انتقل إلى بغداد واتصل بالخليفة العباسيّ المسترشد بالله الذي أجزل له العطايا ورفعه إلى أعلى المراتب فنال جوائز كثيرة إلّا أنّه ظلّ على صلة بالحلّة وأميرها دبيس، وعلى الرغم من أنّ المسترشد بالله لقّبه بـ”جمال الملك”. ولو اطلعنا على ديوان العبسيّ ابن أفلح نجده شاعرًا مقتدرًا وصدق ما قاله فيه العلماء ابن النجار، والدمياطي، وابن شاكر، وابن تغري بردي، والإمام الذهبيّ من إنّه “كاتبٌ، أديبٌ، فاضلٌ، عالمٌ كاملٌ، شاعرٌ مجيدٌ، مسترسلٌ بليغٌ، له ديوان شعر ورسائل ويكتب خطٌاً حسنًا” إلّا أنّه كما جاء عن ابن الجوزي والإمام الذهبي “كثير الهجو”. ألّف العبسي ابن أفلح كتابه هذا وجمع شعره بنفسه ونقّحه وأهمل منه الكثير فخرج ديوانه إلى الناس، وله رسالة بعنوان “مقدمة ابن أفلح البغداديّ” في أقسام علم الفصاحة والبلاغة ذكرها ابن الأثير في المثل السائر، وله حماسة ابن أفلح، وديوان ترسّل، أمّا مقدّمته النثريّة في صدر ديوانه فهي تحفة فنيّة في النثر البليغ أخذت من الفصل الأخير من كتابه الّذي قرأ فيه كلّ وجوه البلاغة البديعيّة من تشبيه، وتضمين ومشاكلة، وتخلص، واستطراد، واستعارة، ومبالغة، وتسميط، كما قرأ أدوات الشاعر وهي النحو ولغة العرب وتعريف والعروض والتقطيع والإكثار من الحفظ وإشباع المعنى وأنماط الأغراض والتفريق والإجماع بينها، وكتاب “البديع” ينطوي على إشكاليّة ظلّت غائبة لأكثر من 1000 سنة تقريبًا وهي ضياع اسم مؤلّفه وقد ألحقه النُسّاخ بأبي الحسن نصر بن الحسن المرغينانيّ، وهو من علماء بلاد ما وراء النهر وهو ليس له، وإنّما هو من تأليف الشاعر البغداديّ جمال الملك، أبي القاسم، علي بن أفلح العبسي المتوفى سنة 532هـ وهو من شعراء بلاد الرافدين خلال القرن الخامس الهجري وأضاف: ولهذا فإنّ فضل التحقيق الذي قام به الباحث إبراهيم صالح بأن أخرج الكتاب من نسب خاطئ إلى نسب صحيح، أي إنّه ردّ الكتاب إلى صاحبه الأصلي، وأقول هنا إنّ لدار الكتب الوطنيّة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث فضلًا وسبقًا حيث طبعت هذا الكتاب المهم وحلّت بطباعته إشكاليّة ظلت غامضة لما يقرب من ألف عام.

قال العبسي في كبره :

قالوا انحنى كبراً فقلت سفاهة        بمقال من يتئد في قيـــله

سكن الحبيب شغاف قلبي ناوياً      فحبوت منعكفاً عن تقبيله

وقال في الوزير ابن نظام الملك:

وزيرنا ليس له عادة                  ببذل أفضال واحـــسانِ

قد جعل الكبر شعاراً له                فليس يقضي حق انسانِ

لم يسلم السلطان من كبره             عليه ما ردَّ بإعــــلانِ

أبوابــــــــه مغلــقة دائـــماً             من دون وفاد وضيفانِ

قد يئس الطارق من فتحـــها            كأنها أجـــفان عــميانِ

وقال فيه وقد أمر البوّاب بعدم ادخاله :

حمدت بوّابه اذ ردني          وذمه غيري على رده

لأنه قلدني نـــــــعمة           تستوجب الأغراق في حمده

أراحني من قبح ملقاك لي      وكبرك الزائد عن حده

وكان ابن أفلح هذا فظيع المنظر، كما وصفه سديد الدّولة ابن الأنباري في قوله:

يا فتى أفلح وإن       لم يكن قطُّ أفلحا

لكَ وجهٌ مشوّهٌ        أسودٌ قُدّ من رَحى

ومن جملة أشعار ابن أفلح، قوله:

يا من إليه المشتكى         في كلّ نائبةٍ تلوحُ

ذا النّاصرُ المخذولُ طولَ    زمانِه نِضْوٌ طَليحُ

ما إنْ يبِلُّ فيستري         حُ ولا يموتُ فيستريحُ "


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :