مركز تراث الحلة
حركة محمد الكهيّة في الحلّة
التاريخ : 21 / 4 / 2021        عدد المشاهدات : 234

     اختلفت أوجه ظلم واستهتار العثمانيّين بحقوق أهلنا في مدينة الحلّة، وتعدّدت تداعياتها بشكل لا يُطاق، وكثُرت تدخلاتهم في شؤون الناس الحياتيّة كافة، ناهيك عن الذلّ والهوان الذي لحق بهم جرّاء سوء أخلاق أولئك الغزاة وسياستهم الرعناء، سواء أكانت بقصد أم بغير قصد، وقد طال ذلك رجال الدين، ومنها طردهم الشيخ موسى ابن العلامة جعفر الجناجيّ كاشف الغطاء وهو أحد الرموز الدينيّة المميّزة في مدينة الحلّة وعائلته من المدينة، فعدّ الحليّون هذا الأمر تعدّيًا سافرًا بالمعتقدات الدينيّة، ومن الحكام العثمانيّين الذين تسلطوا على رقاب أهل الحلّة محمد أغا الكهية من قبيلة الأباضيّة, وأبوه يسمّى زهراب, جاء به علي باشا أباضه لما تولّى إيالة بغداد وأسند له بعض المناصب مثل منصب(الدويدار), وتقلّد على عهد سُليمان باشا الصغير وظيفة (قبو جيلر كهية سي), ولكنّه توقف تقدّمه وترفيعه كسائر الموظفين من أمثاله في عهد سعيد باشا, ممّا خلق خلافًا معه فرّ على إثره من الحلّة والتحق بداوود باشا والي بغداد المركز حينذاك، فقام داوود بتعيينه بوظيفة الكهية(مسؤول الأمن).

وفي عام(1821م)، أوكل داوود باشا إلى محمد الكهيّة قيادة الجيش المتوجّه إلى كركوك لصدّ القوات الإيرانيّة التي كانت تتدخّل دائمًا في شؤون الأكراد في شمال العراق, ولكن لم يلبث أن انهزم الكهيّة في هذه المعركة ممّا تسبّب في انكسار القوات التي كان يقودها في قتاله ضدّ القوات الإيرانيّة, فخشيَ من نقمة داوود عليه, فقررّ أن يفرّ إلى المُعسكر الإيرانيّ, وقد دفعه الإيرانيّون وعلى رأسهم محمد علي ميرزا حاكم ولاية كرمنشاه إلى المُطالبة بالحُكم وأسندوا له قوة قتاليّة، فعزم القيام بثورة على داوود باشا، وقد رأى أنّ الحلّة هي الأرض الخصبة لتنفيذ خطّته، وبما أنّ أهل هذه المدينة قد وقع عليهم حيف بسبب سوء تصرّفات داوود باشا، لذلك تعاطفوا معه، بيد أنّ ميولهم هذه ودعمهم له ليس لسواد عينيه، إنّما هي ثغرة استغلّوها للانتقام من السلطات العثمانيّة في بغداد، وثمّة أمل كان يحدوهم في أن تثمر حركته لتغيير الواقع المرّ الذي كانوا يعيشونه في تلك الحقبة المظلمة، وقد التفّت حوله بعض العشائر العراقيّة، وكان تعاطفهم هذا مع ثورة الكهيّة وإسهامهم معه ضد الوالي داوود باشا سنة (1240هـ /1824م) حقيقيًا وفاعلًا، فلقد صبّ أهل الحلّة غضبهم على سُليمان أغا, حاكم الحلّة منذ السنوات الأولى لعهد داوود، وكان هذا هو الآخر مُتعسّفًا ظالمًا متشددًا على أهل الحلّة وعشائرها حتى قيل عنه (إنّ بيك الحلّة، وحاكمها سُليمان أغا كان قد نصب على باب دائرته جذعًا, وكان يأمر جلاوزته أن يصلبوا كلّ من يسخط عليه من أهل الحلّة), وعندما رأى مُراقبة الحليّين لأعماله وتضامنهم الذي يعود بالفضل إلى توجيهات الشيخ كاشف الغطاء، فعدّه سليمان أغا خطرًا على وجوده, فأمر بإخراجه مع أهله من الحلّة, ممّا زاد من استياء الأهالي من سياسته الهوجاء، وقد اتّفق أبناء هذه المدينة الصابرة مع الكهية للهجوم على بغداد، وما أن أصبح الهجوم وشيكًا، حتى أخذ داوود باشا الأمر بجدّية، فقام بإرسال رتلين من جنوده إلى الحلّة، إلاّ أنّ الحلّيين الأبطال تصدّوا لهم بكلّ ما أوتوا من قوّة فأرهبوهم ونالوا منهم، ممّا زاد الثوّار عزيمة وثباتًا.

لقد توافقت أهداف الحليّين مع تطلعات محمد الكهيّة في التخلص من حُكم داوود, على الرغم من أنّ لكلٍّ منهما ظروفه الخاصّة, ويبدو أنّ هذا التوافق كان مؤقّتاً فيما لو كُتب للحركة النجاح، لأنّ لكلّ منهما هدفه الخاص, فكان محمد الكهية طامعًا في ولاية بغداد, التي أيّدها والي كرمنشاه بجيوشه عليها.

 كما شجّع محمد الكهيّة على حركته، الوضع المُتردي والمُنهار في الدولة العثمانيّة, إذ كانت حالتهم النفسيّة ضعيفة بسبب كثرة الغزوات الإيرانيّة عليهم, فضلاً عمّا تُعانيه بغداد وباقي مُدن العراق, ومنها الحلّة, من ارتفاع الضرائب الجديدة التي يجبيها داوود باشا لأجل إرضاء أسياده في اسطنبول.

وهُناك أسباب أُخرى ساهمت في الإعداد لهذه الحركة, منها رعاية بذور الثورة بين العشائر الحلّية وإنضاجها, خاصّةً بعد الحلف الذي أقيم بين هذه العشائر في العتبتين المُقدّستين في كربلاء، فلقد اتفقت جميع عشائر الحلّة على هذا العهد من أجلِ مُساندتها، وقد رأى محمد الكهيّة بعد الصلح الذي عقد بين إيران والدولة العثمانيّة عام(1823م)، بأنّ لا فائدة من بقائه في إيران, فكان هذا سببًا ودافعًا قويًا لدخوله العراق, وربما كان ذلك بمشورة القادة الإيرانيّين, وقد استطاع الكهيّة أن يكوّن له أتباعًا بعد اندماجه بالعشائر القاطنة على الحدود, فقام بالإغارة هُنا وهُناك, والتحرّش بهذا وذاك, وخلق الفوضى في مناطق جنوب بغداد, وقد وجد أن أفضل مكان لتقبّل حركته ومُساندتها له، ووقوفها معه هي مدينة الحلّة, ففي عام (1824م) أغار محمد الكهيّة على الحلّة واستولى عليها, وادّعى ولاية العراق، فما كان من عشائر المنطقة إلّا تأييده والالتفاف حوله، وأخذ الثوار يتكاثرون في الحلّة، ويبدو أنّ اختيار محمد الكهيّة لمدينة الحلّة مركزاً لحركته  لم تأتِ عبثًا أو عن فراغ وإنّما جاءت بعد مُناقشات مع أطراف عدّة, فموقع الحلّة يكتسب أهميّة استراتيجيّة لقربها من بغداد, والسيطرة عليها يُمهد له السيطرة على مركز الولاية, فضلاً عن وجود عشائر قويّة ناقمة على داوود باشا مثل عشائر زبيد، والخزاعل، فكان يرنو إلى مُساعدتهم له عند قيامه بالحركة.

إنّ التفاف بعض العشائر الحليّة حول حركة محمد الكهيّة وتكاثر جيوشه وطموحه شجّعه أكثر من ذي قبل على الولاية, وما إن بدأ الهجوم على بغداد, حتى وصلت الأخبار إلى داوود باشا فجهّز جيشاً كبيراً بقيادة الكهية أحمد أغا لملاقاة جيش محمد الكهيّة الذي استمات في الدفاع عن مدينة الحلّة وكسر شوكة جيش أحمد أغا، ممّا زاد من ترجيح كفّته وكان ذلك بكفاءة وعزيمة الحليّين على مواصلة القتال لتغيير الواقع المأساويّ الذي كانوا يعانونه، إلاّ  أنّ داوود باشا درس خطورة الوضع بشكل جيد فبعث أكثر من حملة إلى الحلّة للقضاء على حركة الكهية، لكنّها باءت جميعها بالفشل، لذلك لم يجد من بد سوى الاستعانة بالحاج طالب وهو كهيّة سابق في حكومة داوود باشا ليقوم بالمهمّة لما كان يتميّز به هذا الرجل من دهاء وحنكة عسكريّة, واتفقا على القضاء على هذه الحركة بمقابل إرجاعه إلى منصبه السابق.

وقد استطاع الحاج طالب فعلاً أن يُنظّم الجهاز الإداريّ للحكومة, وأن يحشّد قوة عسكريّة جذب إليها المماليك القدماء, واستعمل الدبلوماسيّة وبث الإشاعة والدعاية بين القبائل الحليّة لتفريقها عن محمد الكهيّة، وسار الحاج طالب بجيشه إلى الحلّة والتقى محمد, ثُم عبر الفرات ودخل المدينة, وبعد معركة طاحنة انتصر فيها الحاج طالب، بينما فرّ محمد الكهيّة باتجاه الجنوب.  

وبعد كل هذه الأحداث، انتهت مغامرة الحلّيين مع محمد الكهيّة بالفشل، وهذا ممّا يؤسفني لحالة الفشل هذه التي ألمّت بأهل مدينتي العزيزة الحلّة، وقد وددت أن أبيّن لأبناء الحلة اليوم المعاناة الكبيرة لأجدادنا العظام، وجهادهم النبيل لنيل العزّ السامي والحريّة التي أكّد عليها الدين الاسلاميّ، وحثّت عليها جميع الشرائع السماويّة، وما غرفه آباؤنا من نبع أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام المتدفق من حريّة وكرامة.


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :