مركز تراث الحلة
المجالس الأدبية في الحلة
التاريخ : 23/ 3 / 2021        عدد المشاهدات : 295

حفلت مدينة العلم والعلماء، الحلة الفيحاء، وحاضرة الدنيا، منذ القدم بعقد مجالس العلم والأدب والمعرفة التي اتخذت من معاهد الدروس العلمية والفقهية والمساجد، بل تعدى ذلك إلى بعض البيوتات المعروفة، منطلقاً لممارسة أنشطتها العلمية والفكرية والثقافية التي كانت تقام في أوقات وأيام محددة يعرفها من تعود ارتيادها من المهتمين بشؤون الفكر والمعرفة.

     قيل قديما (المجالس مدارس) وروادها طلابها يأمونها على اختلاف طبقاتهم وتنوع مداركهم، والمجالس إما عامة فتصبح كالروضة الغنّاء تنوعت أزهارها، أو قد تكون مجالس متخصصة كمجالس الفقه والأصول أو اللغة أو الشعر أو الفلك أو الفلسفة وغيرها، كمجالس الائمة كالإمام الصادق والرضا (عليهما السلام)، أو العلماء كالشيخ الطوسي، والمحقق الحلي، حيث كان مجلسه يضم أكثر من أربعمائة عالم ومجتهد، أو إبن سينا، والأخفش، والزجّاج، وغيرهم .

تعود نشأة هذه المجالس إلى ماقبل الإسلام، فقد عرفت الحواضر الإسلامية الكثير منها، كدار الندوة في مكة، والأسواق التجارية التي تعتبر محافل أدبية، ثم تطورت في العصور التي تلتها، واخذت طابع التخصص في العلم أو الأدب أو السمر، أو مجالس مراثي أهل البيت (عليهم السلام)، وباتت تقتصر على النخبة، كمجالس الملوك والأمراء والوزراء، والأثرياء والعلماء، والبيوتات المشهورة، وقد أدرك عدد من الأدباء والمؤرخين العرب المسلمين أهمية هذه المجالس وقيمتها الحضارية فألفوا كتباً دونوا ما كان يدور فيها من وقائع علمية وأدبية مثل عبد الرحمن الزجاجي (ت 340هـ) الذي ألّف كتاباً بعنوان (مجالس العلماء), وجلال الدين السيوطي (ت 911هـ) الذي خصص فصلاً كبيراً في الجزء الثالث من كتابه المشهور (الأشباه والنظائر) للحديث عما أطلق عليه اسم (المناظرات والمجالسات والفتاوى والمكاتبات والمراسلات)، كما أشارت إلى هذه المجالس كتب الأدب, مثل كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني, وكتب التراجم مثل كتاب (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان) لإبن خلكان وكتب الطبقات مثل كتاب ( إخبار العلماء بأخبار الحكماء) للقفطي, وغير ذلك.

    ولم تعد المناقشات والمناظرات في هذه المجالس تدور في ميدان واحد من الميادين العلمية كالنحو والفقه والشعر فحسب، وإنما غدت تتناول معظم فروع العلم والمعرفة  كالتاريخ والفلسفة والطب والفلك, وصارلها تقاليدها وآدابها وأصولها وقواعدها التي ينبغي مراعاتها، بل غدت تقاليد هذه المجالس بحد ذاتها تشكل مظهراً من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية.

      وقد شهدت مدينة الحلة، الكثير من الدواوين التي كان لها الأثر الكبير في تطور حركة العلم والأدب في هذه المدينة، يجتمع فيها كبار رجال العلم والأدب، للتباري بما يملكونه من مواهب علمية في الطبيعة والفلك والعلوم الفقهية والأدبية، وتعود نشأة هذه الدواوين إلى تمصير الحلة فقد كان قصر مؤسس الحلة صدقة بن منصور ديوانا يجتمع فيه الناس، وكان الأمراء المزيديون الذين أسسوها يحبون الأدب ويكرمون الأدباء والشعراء ويجزلون لهم العطاء ويستمعون إلى قصائد الشعراء وينقدون مايستحق النقد، وقد شاركوا مشاركة فعلية في النهضة الأدبية، حتى باتت مجالسهم تنافس مجالس الخلفاء في بغداد، والإمارة الحمدانية في حلب، من إجزال العطاء وكثرة الهبات، والوافدين على هذه الدواوين من الشعراء والأدباء الذين كان لهم النصيب الأوفر في ازدهار الحركة الأدبية في الحلة، لأنها عربية خالصة بقربها من البادية موطن الفصحى الأول، ولأنّ المزيديين عرب اقحاح من بني أسد، ولأنّ بيئة الحلة تمتاز بجمال مناظرها وسحر طبيعتها الغنّاء، ولعل في هذه الفترة أخذت هذه المجالس بالتخصص علميا وأدبيا وسياسيا ودينيا ومن ثم عشائريا، ومدار حديثنا عن المجالس الأدبية حصرا، لما لها من أهمية في معرفة الواقع الأدبي والفكري الذي مرت به مدينة الحلة في عصورها اللاحقة.

    أما بعد سقوط بغداد على يد المغول (656هـ-1258م)، فقد عادت حلقات هذه المجالس لتشهد أوج إزدهارها، لإن الحلة سلمت من الخراب والدمار المغولي، فهاجر إليها أغلب طلبة العلم والأدباء، والمكتبات التي بذل الأمراء الحليون الكثير من المال لشرائها، فأضحت تتصدر الحواضر الإسلامية، وزعامة الحوزة العلمية لإربعة قرون تلت، وهذا ما انعكس على حلقات الدرس والتعليم فيها، فازدهرت المجالس العلمية والأدبية، ولم تعد هذه المجالس مقتصرة على قصور الإمارة، وإنما تعدتها إلى مجالس العلماء والأدباء والأسر العلمية والأدبية، كأسرة آل طاوس وآل معيّة وآل نما وآل وشاح والسوراويين وغيرهم، كما أن هذه المجالس أخذت على عاتقها تطوير الدرس العلمي والأدبي والنهوض به، بعد أن كان مقتصرا على التقرب من الحكام والرغبة في العطايا والصلات، واصطبغت بصبغة علمية وأدبية بحتة، حتى غدت مدارس وحلقات للمراجعة والبحث، وكان العلماء يهتمون بها ويغدقون عليها، ولهم مجالسهم العامة والخاصة، التي يتوارثها أبناؤهم من بعدهم، حتى ذاع صيتها، وأقبل عليها الأدباء والعلماء من شتى بقاع المعمورة، وقد تناقلت الكتب الكثير من وقائع تلك المجالس، وأرخت لها، ولعلماء وشعراء كبار فيها.
    إنحسرت هذه المجالس بوفاة ثامن الأمراء المزيديين علي بن دبيس، وأصيبت الحياة العلمية والأدبية بالإنكماش، وخاصة بعد رحيل أغلب أدباء وعلماء وشعراء الحلة صوب الحواضر الإسلامية والمدن الكبيرة الشهيرة، أمثال شرف الدين محمد بن جيا ( 579هـ)، ومهذب الدين بن الخيمي وابن أبي الهيجاء الحلي، وشميم الحلي، وراجح الحلي، وغيرهم من الذين كانت تحفل بهم هذه المجالس، ويشكلون عمودها وديمومتها، وعلى الرغم من ذلك فقد شهدت هذه المنتديات شعراء وأدباء قدموا إلى الحلة، وفي فترات متباعدة، ولكنها كانت مقتصرة على قصور الأمراء وكبار الدولة.

      وفي نهاية القرن التاسع الهجري، أخذت المجالس الأدبية في الحلة في الإنكماش والإنحسار، بسبب صراع السلطة بين العثمانيين من جهة، والصفويين من جهة أخرى، فانشغل الناس بالوضع السياسي والإقتصادي المرتبك، مما أدى إلى عزوف الأدباء والمهتمين بالسوق الأدبية عن هذه المجالس، إضافة إلى هجمات الوهابيين على الحلة وأطرافها، والإغارة على المدن المقدسة، وهذا مادفع الكثير من الأدباء والعلماء إلى الهجرة كأبي الغنائم الحسيني ومحمد الهيكلي ويحيى الأعرجي، وبذلك انتكست هذه المجالس وباتت محصورة في بيوتات معروفة ومجالس خاصة، وانتقلت بالتالي إلى المدن المجاورة بانتقال العلماء والأدباء إليها، أو اشتغالهم بمتطلبات الحياة، إلا ماندر من هذه المجالس التي كانت تعقد في حلقات الدرس أو المساجد أو بعض بيوت الأدباء.

     عادت المجالس الأدبية إلى الظهور على الساحة الحلية في عهد الأتراك، لأنها تشكل المتنفس الوحيد الذي يعبر به الأدباء عن آرائهم واستيائهم أو قبولهم عن السلطة، وخاصة في عهد بعض الولاة كمدحت باشا وعلي رضا باشا وغيرهم، ولكن الملاحظ أن هذه المجالس تنهض بتحسن الوضع الإقتصادي واستتباب الأمن، وتنكمش أو تتلاشى في الأوقات العصيبة التي تمر بها الحلة، وفي هذه المرحلة عرفت الحلة بعض الأسر العلمية التي احتضنت هذه المجالس كأسرة آل القزويني، وآل العذاري، وآل الفلوجي، وآل سليمان الحلي، وآل سماكة، وآل البراك، وآل جريدي، وأركان البيرماني، ومحمد بيك وغيرها، كما اختص بعض الأدباء بأسرة دون غيرها، بما يتلقونه من دعم، وسعى أصحاب هذه الأسر بدورهم إلى جذب الأدباء إليهم، ولكنها بقيت مجالس خاصة (ديوانية)، كما شهدت هذه المرحلة بروز شعراء وأدباء كبار أثروا الأدب الحلي وهذه المجالس منهم السيد حيدر الحلي، والسيد جعفر الحلي، وكاظم آل نوح،  ومحمد بن مطر، ومحمد بن سليمان والكوازان، وغيرهم.

      ثم استمر الحليون بعدها في إحياء هذه الدواوين من قبل البيوتات الحلية أو الشخصيات  الفكرية والإجتماعية أمثال دواوين عبد الجليل بك، وآل مرجان، والعميدي، وعوض، وعلوش، وعارف اغا، والسيد لافي، وعبد الكريم الماشطة، وأنور الجوهر، وآل الشلاه، وآل حمادي، وآل الحافظ، وجاعد أغا، وحبيب بيك، وآل مهاوش، وآل سيد ابراهيم، وآل سيد حيدر، وآل المفتي، وآل خطيب، والشيخ محمد آل حيدر، وأسطة جابر،  وآل الطريحي وغيرهم.

    وأشار محمود شكر أبو خُمرة في مخطوطته (كنوز الماضي) إلى مايقارب إثنين وعشرين ديواناً كانت موجودة في مدينة الحلة، حتى منتصف القرن التاسع عشر، ثم زيد عليها حوالي إثني عشر ديواناً في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ليصبح عدد الدواوين الموجودة في مدينة الحلة حوالي أربعة وثلاثين ديواناً .

     استمرت المجالس الأدبية بعطائها الأدبي والعلمي لقرون، حتى العهد البائد حيث منعت هذه المجالس وحل بدلها المنظمات والتجمعات النقابية والحزبية التي تمثل السلطة، وبعد سقوط النظام عادت المجالس الأدبية إلى النشاط والظهور وكثر روادها وأصبحت من المنابر الثقافية المهمة التي تسهم إلى جانب الإتحادات والجمعيات الأدبية والثقافية بالنشاط الثقافي، ولاتقتصر هذه المجالس على الشؤون الأدبية والثقافية، وإنما توسع مداها ليشمل مناقشة القضايا السياسية والإجتماعية والدينية والأخلاقية والفكرية، باعتبارها أداة مهمة في بناء المجتمع الحلي والنهوض به.


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :