مركز تراث الحلة
أسرة آل سماكة
التاريخ : 22 / 3 / 2021        عدد المشاهدات : 474

أسرة ذات علم وأدب وفضل ونبل وأخلاق فاضلة وسجايا كريمة، حاز أبنائها من الشرف والسؤدد والنفوذ الروحيّ، إذ جعلوا أنفسهم وقفاً على التأليف والتدريس لإذكاء نور المعرفة بين أبناء قومهم، فزخرت بحار معارفهم وأشرقت شموس علومهم وفاضت ينابيع أدبهم. يعود نسب هذه الأسرة العربية الأصيلة إلى قبيلة ربيعة وهي أشهر من نار على جبل، فحازت من العلم والمفاخر حتى أصبحت واحدة من الأسر الحلّية التي عرفت بفضلها وشرفها.

ومن القامات الشامخة التي نبغت في هذه الأسرة نذكر منهم العالم الجليل الفاضل، والفقيه المدّقق، والزاهد العابد الورع عن حطام الدنيا، والذي يُشار إليه بإشارة المكانة والرفعة والسموّ:

آية الله الشيخ محمود سماكة الحلّيّ

هو محمود ابن الشيخ عبد الحسين بن مرتضى بن يونس الربيعيّ الحلّيّ ـ رضوان الله تعالى عليه ـ، ولد ونشأ في مدينته الفيحاء، ناهلًا ممّا ورثته المدينة المنيفة من خزانة المعارف والعلوم العقليّة والنقليّة، وما خلّفه الأكابر من عظماء وجهابذة الأصول والفقاهة في الحوزة العلميّة الحليّة، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجريّ، وقد اشتد عوده العلميّ فوضع أقدامًا راسخة على جادّة الفقه والأصول، إذ قرّر الارتحال إلى مهوى العلماء حضرة المولى الأعظم أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ، في أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجريّ، وكانت النجف حينها تعجُّ بالفحول والأوحدين من الفقهاء الكرام والمراجع العظام، يتسيّدُ ساحتهم آية الله العظمى الفقيه محمّد حسين الكاظميّ ـ قدس سره ـ، الذي استقطب وجوده  الوافدين لطلب العلم والمعرفة من خارج العراق.

انتقل الشيخ العلّامة محمود سماكة إلى أروقة الحوزة العلميّة النجفيّة ومعه انتقلت معالم القداسة والنسك والإخلاص في شخصه وسيرته، حتّى أصبح ذلك متعارفًا عليه بين أقرانه ومعارفه هناك من شتّى المشارب والاتجاهات.

تتلمذ الشيخ ـ قدست نفسه الطاهرة ـ على ثلّة من أهل العلم والفضل والمعرفة، منهم: السيد محمّد هاشم الشرموطيّ النجفيّ(ت 1308هـ)، في علم الهيئة والحساب، حيث قرأ عليه شرح تشريح الأفلاك، وشرح الخلاصة في الحساب، اللّذان استنسخهما قبل عودته إلى مدينته المباركة، كما حضر درس الفقيه الشيخ محمود بن محمّد بن ياسين بن ذهب النجفيّ الظالميّ(ت1324هـ)، والشيخ علي الخاقانيّ العالم الفقيه والأصوليّ المدقّق صاحب الرجال(ت1334هـ)، والسيّد عبد الكريم الكاظميّ العالم الربّاني المعروف (ت1308هـ)، والشيخ موسى شرارة العامليّ عالم دين ومصلح دينيّ من جبل عامل (ت1304هـ) وأضرابهم.

وحينما عاد إلى مدينته المباركة الحلّة الفيحاء قام فيها بفتح حلقة للدرس، إيمانًا منه بأنّ زكاة العلم نشره، فاجتمع عليه كثير من الأفاضل لينهلوا من معارفه وعلومه، وهنا يتجسّد التفاني في عطاء الإنسان العالم وإخلاصه لدينه، فكان ـ رحمه الله ـ يُدرِّس كلّما طُلِبَ منه ذلك، من المقدّمات إلى مطالب الأصول المتقدّمة.

ويُعدُّ مجلس الشيخ سماكة من المجالس الأدبيّة المعروفة في مدينة الحلّة، إذ قصدها طُلاب الذائقة الشِّعريّة والمساجلات الجميلة والنكات والطُرَف الرائقة.

وكان إمام الجماعة في محلّة الجامعين، نشر فيها معاني الفضيلة والصفاء ما جعله قبلة لمريديه، يقتفون خطاه المقترنة بذكر الله العظيم، ومحبّة أوليائه الطاهرين ـ عليهم السلام ـ، انتقل بعدها إلى محلّة الورديّة بطلب من أهالي المحلّة، واشترى دارًا وفيها أنجب أولاده الحجّة الشيخ محمّد سماكة، والحجّة الشيخ علي سماكة ـ رحمهما الله ـ، وبقيّة أولاده وبناته.

توفّي شيخنا العلّامة الفقيه الشيخ محمود سماكة الحلّيّ ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في عام 1337هـ، بين أهل مدينته، وحمل جثمانه الطاهر إلى مدينة أمير المؤمنين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، حيث صلّى عليه المرجع الدّينيّ الكبير السيّد كاظم اليزديّ ـ رضوان الله عليه ـ، ودفن في الرواق الطاهر في الصحن العلويّ المقدّس ليكون قريبًا من مولاه الذي يرتجي ضمانته وشفاعته، بعد تحقيق أمله بأن يكون عبدًا مملوكًا للمولى الأعظم أبي تراب ـ صلوات الله عليه ـ

علي سماكة

هو الشيخ علي بن محمود بن عبد الحسين بن مرتضى الربيعيّ، ولد عام 1901م في مدينة الحلّة, وهو عالم فاضل عامل، وكان منذ نعومة أظافره محبًّا للعلم وسريعًا للحفظ والتعلُم, ولهذا سافر إلى النجف الأشرف فدرس على كبار العلماء أمثال السيد سعيد الحكيم، والسيد أبي القاسم الخوئيّ، والسيد محسن الحكيم، إلى أن أصبح فقيهًا كبيرًا ومجتهدًا, وأضحى بعد ذلك مدرّسًا في الحوزة العلميّة في النجف وكذلك في كلّية الفقه، وكان من تلامذته الدكتور أحمد الوائليّ عميد المنبر الحسينيّ وكثير من العلماء.

 

و من آثاره: قبس من تفسير القرآن الكريم ومن: الاجتهاد والتقليد، إرث الزوجة، أصول الفقه، حاشية العروة الوثقى، حاشية على الرسائل للأنصاريّ، حاشية كفاية الأصول، حاشية على المكاسب، قاعدة من ملك، محاضرات في التفسير، مختصر مقياس الهداية في علم الدراية للشيخ المامقاني، وكان يدرّس في الحوزة العلميّة ويدرس الفقه وعلوم الحديث في كلّية الفقه في النجف وواصل تدريسه حتى بعد عودته إلى الحلّة على الرغم من شيخوخته.

ومن تلامذته السيد محمد علي الحماميّ، والشيخ محمد حسين حرز الدين، والشيخ أحمد الوائليّ وغيرهم، وكان المرجع الديني الأعلى في الحلّة ممثلًا للسيد محسن الحكيم ـ رحمهما الله تعالى ـ ".

وعلى أثر مرض لم يمهله كثيرًا، ونتيجة لنوبه قلبيّة توفي في صباح يوم الثلاثاء 6 ربيع الأول سنة 1390هـ/الموافق 1/6/1970 ورحلت روحه الطاهرة إلى حيث تسكن أرواح العلماء وأولياء الله في فسيح جناته، وقد خرج أهالي الحلّة شيوخًا وشبابًا لتشييعه فكان تشييعًا مهيبًا لم يشهد مثله بحيث أصبح استنفارًا عامًا لأجهزة الدولة.

محمد سماكة

هو الشيخ محمد بن محمود بن عبد الحسين بن مرتضى بن يونس الربيعيّ الحليّ المشهور بـ(سماكة).

وعرف بالورع والتفوّق والزهد والفقاهة، وكان عالماً بالرياضيّات وعلوم أهل الأديان الأخرى، إذ كان اليهود والنصارى يحتكمون إليه في حلّ مشكلاتهم، وكان فقيهاً كبيراً، ومدرّساً معروفاً.

كان الشيخ محمد سماكة الأب الروحي للمدينة، وكان جريئاً في مقولاته الحقَّة، وله مساجلات شديدة ومواقف جهاديّة مأثورة مع رجالات الدولة والمسؤولين الحكوميّين، وكان درعاً حصيناً للعلماء والخطباء في أيام الشدَّة، ولم يكن من هو أجرأ منه من علماء الحلّة ممّن عاصروه.

فقد كان عالم فاضل جليل القدر ومدرّس نبيل محقّق، أتمّ دراسته الدينيّة في النجف على علمائها الأعلام أمثال الشيخ محمد كاظم الخرسانيّ، والشيخ اليزديّ، والسيد أبي الحسن وغيرهم، ثمّ عاد إلى الحلّة وصار مرجعها الأول المعتمد،   وحصل الشيخ محمد سماكة على ثلاث إجازات خطّية بالاجتهاد المطلق من أساتيذه: السيد محمد جواد التبريزيّ، والسيد علي التبريزيّ، والسيد أبو الحسن الأصفهانيّ (فقيه عصره).

من آثاره العلميّة: (الحقّ المبين في الرد على النصارى في جزأين ـ)، و (وحي الأقلام في الرد على كتاب المسيح في الإسلام)، و(رسائل في العقائد ــ مخطوط)، و(تقريرات في الفقه والأصول ــ من دروس أساتيذه)، وعمل في الحلّة وكيلاً للآيات العظام منهم: السيد أبو الحسن الأصفهانيّ، والسيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئيّ، وتوفي فيها في 23 ربيع الأول سنة 1394هـ/1974م، ودفن في النجف الأشرف ".

الدكتور باقر سماكة

وهو الدكتور باقر بن محمد بن محمود آل سماكة الربيعيّ الحلّيّ، ولد في الحلّة محلّة الورديّة سنة 1338هـ/1921م، نشأ في بيت دين وعلم وأدب، وتعلّم على أبيه، فدرس النحو والصرف والبديع والبيان.

ودخل المدارس الرسميّة، وأكمل مراحلها الثلاث، وعُيّن أميناً للمكتبة العامة في الحلّة، وهنا عكف على قراءة المزيد من الكتب الأدبيّة، فبدأ بكتابة الشعر ونشر بعضاً من قصائده في الصحف المحليّة، منها (حمورابي، والرائد) وقد ظهرت موهبة الأستاذ سماكة أديباً وشاعراً في تلك المرحلة، ثمّ أصدر سنة 1946م جريدة الفرات الأسبوعيّة، بعد ذلك توجّه إلى بيروت للدراسة فحصل على شهادة الليسانس في الأدب العربيّ، ثمّ عاد إلى العراق ليزاول مهنة التدريس في ثانويّة الحلّة للبنين، وفي سنة 1955م سنحت له الفرصة للسفر إلى إسبانيا ليكمل دراسته الأدبيّة في جامعة برشلونة فبقي هناك ثلاث سنين متنقّلًا ما بين مدريد، ولندن حتى حصل على شهادة الماجستير في الأدب العربيّ، وشهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسيّ، وعاد إلى العراق سنة 1958م.

وعند عودته تمّ تعيينه تدريسيًّا في كلّية التربية جامعة بغداد(معهد اللّغات العالي) حيث كان يقوم بتدريس اللّغة الاسبانيّة إضافة إلى تدريسه الأدب العربيّ، وفي تلك السنين ترجم شعره إلى اللّغات: الاسبانيّة، والألمانيّة، والروسيّة، والأوزبكيّة ".

ولقد اتّسمت حياة هذا الأديب البارع بالمثابرة والعمل الدؤوب حيث كان يتنقّل بين العواصم العربيّة والأوروبيّة كتدريسيّ في كبريات جامعاتها مثل:(جامعة طاشقند) في الاتحاد السوفيتيّ و(جامعة الجزائر)في الجزائر و(جامعة الرياض) في السعوديّة و(الجامعة اللّيبيّة) في ليبيا، فضلًا عن عدد من الجامعات والمعاهد العراقيّة.

كتب عنه كثير من الأدباء وأشادوا ببراعة أدبه، ودقّة اختياره، ورفعة ذوقه منهم: علي جواد الطاهر, وجلال الخياط, وعواد الأعظميّ, وعلي جابر المنصوريّ وغيرهم.

توفي الأديب الشاعر الدكتور باقر سماكة عام 1994م في بغداد بعد رحلة طويلة قضاها بين العلم والأدب ستبقى مناراً مشعًّا في المسيرة التربويّة.

وعرفانا منها للأديب الشاعر المبدع الدكتور باقر سماكة، فقد بادرت هيئة التراث والتحديث في الحلّة في عام 2008 بوضع اسمه على الشارع المحاذي لكورنيش الحلّة الذي أصبح الآن ملاذاً آمناً لتجمّعات الأطفال وعائلاتهم أيام الأعياد والعطل الرسميّة.

عدنان سماكة

يُعدّ الباحثَ التراثيّ والمؤرِّخ عدنان سماكة واحدٌ من تُراثيي مدينة الحلّة، ومُثقّفيها فهو ينتمي ومنذ نشأته الأولى إلى ثقافة هذه المدينة وتاريخها الزاخر بالأسماء المبدعة في مختلف الثقافات.

والرَّاحل واحدٌ من هذه الرموز الثقافيّة والأدبيّة والتراثيّة الحلّية وُلِدَ عدنان سماكة  في مدينة الحلَّة، محلّة الورديّة عام 1934م، ولمَّا بَلَغَ  السادسة من العُمر دَخَلَ مدرسة الفيحاء الابتدائيّة عام 1941م، وتدرَّج في الحصول على الدراسة المتوسّطة حيث انتظم في الدخول إلى دار المعلّمين الابتدائيّة في بغداد، وتعرَّض إلى الفصل من الدار في سنته الأُولى، لاتهامه بالمشاركة في انتفاضة عام 1952م، ثم شُمِلَ بالعفو العام ليعاود الدراسة مرَّة ثانية، وتخرَّج معلِّماً للغة الانكليزيّة، وعُيِّن معلِّماً في مدارس الحلّة، غير أنَّ طموحه لم يتوقف، إذ ما لبث أن عاد مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة الجامعيّة في الجامعة المستنصريّة عام 1963م، ليكمل فيها دراسته الجامعيّة وتخرَّج فيها مدرساً للغة العربيّة.

مارس تدريس اللّغة العربيّة في مدارس مركز مدينة الحلّة المختلفة سنة 1968م، وتنقَّل في العديد منها كما عمل إضافة إلى وظيفته أميناً لمكتباتها لحرصه الكبير على تطوير هذه المكتبات ومساعدة الطلاب في الدراسة وتحفيزهم في أدوات الكتابة.

دخل معهد التاريخ في بغداد سنة 2003م، لكي يُكمل فيه دراسته العليا بالحصول على شهادة الماجستير في موضوعة(قبيلة ربيعة ودورها السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ في العراق إلى نهاية العصر العباسيّ 656هجريّة/ 1258م) ونال الشهادة عام 2006م بتقدير امتياز، حيث استمر في التواصل مع هذا المعهد بغية حصوله على درجة الدكتوراه التي كان يأمل مناقشتها قبل رحيله.

له مؤلّفات نذكر منها: كتابه (حصاد السنين) الذي صدر سنة 2008م، وكتابه الثاني (شذرات من القرآن الكريم)، أصدره سنة 2010م، وقد احتوى الكتاب في فصله الأول على معاني الأسماء، أمّا الفصل الثاني فكان عنوانه(فوائد لغويّة)، وجاء في الفصل الثالث وهو تحت عنوان اللّغة العربيّة لغة العلم والحضارة والجمال، وكان كتابه الثالث(قبيلة ربيعة ودورها السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ في العراق إلى نهاية العصر العباسيّ 656هـ 1258م).

رحل إلى بارئه العزيز ـ سبحانه وتعالى ـ يوم الخميس الموافق21/1/2016م عن عمر تجاوز الثمانين عاماً، ودفن في مقبرة عائلة آل سماكة في النجف الأشرف.

تمّ تكريم عائلته، بتسمية شارع الكورنيش في الصوب الصغير المحاذي لشط الحلة من المدينة باسم:(شارع آل سماكة) اعترافاً بتاريخ هذه العائلة العلميّة وجهودها في الفقه الإسلاميّ والحفاظ على التراث الدينيّ.

لقد مضى عدنان سماكة إلى تخوم الأبديّة إلّا أنّه ماثل في ضمير الأجيال فكراً نيّراً وتراثاً لم يدركه الزوال.

 


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :