أدباء

الاتّجاه الوجدانيّ في شعر عباس أبي الطوس

الاتّجاه الوجدانيّ في شعر عباس أبي الطوس

الشعر الوجدانيّ هو الشعر الذي تبرز فيه ذاتية الشاعر سواءً عَبَّرَ عن مشاعره الخاصة، أو صور إحساسات ومشاعر الآخرين ولوّنها بخواطره وأفكاره. وتلاحظ فيه شدة المعاناة وجيشان العواطف، وصدق التجربة، بعيداً عن التكتم والمراوغة، كل ذلك بشفافية صادقة، واعتراف قلب وبوح نفس، بشكل عفويّ تلقائيّ. والشعر الوجدانيّ هو ذلك الشعر الغنائي الذي تسيطر عليه العاطفة. معبّراً عن كل ما يجول في عالم الشاعر الشخصيّ وكيانه الشعوريّ، لذلك فهو كلمة القلب واعتراف النفس فهو تارة ابتسامة الفرح وطوراً دمعة الترح، ومن أشد الكلام تأثيراً لأنّه أشد لصوقاً بحياة المركب الإنساني. إنّ نصوص عباس أبي الطوس مهيأة تماماً لأنّ تقرأ في ضوء هذه النظرية الوجدانية، أو الرومانسيّة باعتبارها (نظرية في النقد الأدبي مرتبطة بالشخصيات التي تفكر كثيراً في نفسها وحياتها وحريتها وآمالها، ولا يستطيع تصور حياتها بدون هذه الانفعالات التي تعتبر زادها الحقيقي اليومي)، فنحن نجد بعض الأصول العامة – أو العناصر الرئيسة في المضمون الوجداني – التي كانت تؤطر الرومانسية وتغلب على سياقها. الحزن لعل سائلاً يسأل لماذا يقترن الحزن بالشعر العربي الحديث والمعاصر عادة؟ لأننا شعب لم يتمرن بما يكفي على اتقان فن الفرح، واستطاب متعة التغذي على جسد الحزن؟ أم لأننا خضعنا للإكراه والضغط والقهر والترويع بما يكفي كي يتلبسنا الحزن ويختلط بمسامات جلودنا؟ أم ان أسباباً أخرى يتناسل بعضها من بعض تقود إلى اقتراح حلول لهذا الاشكال في الابداع والفكر العربيين. والواقع أن ثمة تداخل واضح بين كل تلك المفاهيم، وما يمكن قوله هوان الحزن أثر آخر من آثار القهر الذي يتعرض له الشاعر نتيجة كل ما سبق ينبئ عنه بفصيح الكلم ويعلن عن قصور وسائله عن رفع أوزاره أو تهوين سلطانه عليه. والحزن عاطفة تشي بضعف الإنسان تجاه الآخرين في صراع غير متكافئ، بيد أن هذه العاطفة تعد من اللوازم الطبيعية للإنسان، وعباس أبو الطوس من الشعراء الذين أحسوا إحساسًا غائراً بالحزن في واقعه المعيش، فأظهر ذلك على صفحة شعره، يقول: دنياي يا سمراء باهتة السنا أبداً وعيشي بالفواجع يطفحُ في كلّ يوم للزمان بليّة تهوي عليّ ولوعة تتسرحُ أمسي على ضفّة الفرات المزدري وعلى التفاهة والخرافة أصبحُ أمّا الصباح فكما عهد شقاؤه باقٍ فلا طرب وفجر مفرحُ عصفت به البلوى فلا أرواحه تزكو ولا أوراده تتفتحُ فهو كغيره من الوجدانيين يشكو الحزن والكآبة فيراها كآبة تفوق كل وصف وتتجاوز كل حد، وما الشكوى هنا إلّا (عاطفة إحساسها الشعور بالحرمان ولكنها من أول الفنون التي تفصح عن عاطفة الانسان المتشائمة الناقمة، وتعكس أوجاع النفس في أشجانها وقنوطها وآلامها نتيجة التناقض والاحباط أو الضعف الذي يواجهه الإنسان إزاء قوة لا يقدر عليها)، وهنا يجد الشاعر نفسه وجهاً لوجه مع الحزن، وله مسوغات وأسباب يتظافر فيها الموضوعي والذاتي، ولم يكن بمستطاع الشاعر أن يتحصن ضدها دونما استجابة حزينة تعم مشاعره، ولهذا فهو يخاطب ذاته الشاعرة متسائلاً عن أمد هذا الحزن وجدواه قائِلاً: أيّها الشـــاعر المســهّد في الليل حناناً بقلبك المفجوع أفتبقى مع النجوم تناجي عالم الشعر بالأسى الموجوع كم تراعي الظلام في هدأة الليل وتشكو ظلامة المجموع تسكب الدمع صامتاً ليت شعري أبرق الدجى لهذي الدموع؟ لا شك أن مطالعة شعر عباس أبو الطوس يشي بأن الشاعر عاش حياة قلقة، صعبة، تتقاسم بين ظروف صحيّة سيئة جداً أثرت على نفسيته، إلى جانب أحوال مجتمعه سياسياً واجتماعياً، التي أسهمت في تكوين تلك السمات والأفكار الكئيبة، وجعلت منه شخصاً ذا مزاج حزين، يشعر بذلك كل من يطالع شعره ويمكن إدراج أسباب حزن الشاعر تحت العناوين الآتية: 1. المرض: ترجم عباس أبو الطوس ما اختلج في نفسه من شعور صادق نابع عن عاطفة صادقة عايشها الشاعر، بصورة تجعل المتلقي يشاركه هذا الشعور والاحساس ويكون قريباً منه، فهومن الشعراء الذين تعمقوا وتوغلوا في التعبير عن الاحساس والشعور الذي ينتابه من الداخل، وما يدور في نفسه تعميقاً يصل إلى باطنه وخفايا داخله. لقد أصيب الشاعر بمرض السل وروماتيزيم في القلب في بواكير شبابه وبداية حياته، إلّا أنّه استطاع أن يحوّل هذا الاحساس والشعور بالألم واليأس من الحياة، وانقطاع الأمل منها إلى فلسفة شعرية ضمنها شعوراً مليئاً بالتحدي والاصرار على مواصلة الحياة فيقول: قلب من الآلام يحترقُ وجوانح قد لفّها القلقُ ومدامع حرّى تسيل جوى والصدر بالآهات يختنقُ حيران أرقب كلّ بارقة في الأفق خلف الغيم تنطلقُ هيمان والأحزان توسعني ألماً ويلهب جفني الأرقُ حُرقٌ بقلبي لا انطفاء لها أواه! ماذا تفعل الحرقُ 2. الظلم والاستبداد: مرّت الإشارة في سرد حياة الشاعر إلى المواقف البطولية الرائعة التي أبلى فيها بلاءً حسناً عن طريق مشاركته في المظاهرات الصاخبة في شوارع بغداد التي نددت بعبث الاستعمار بالعراق، وذلك عبر قصائد سياسية حارة ألهبت الجماهير الثائرة. يقول في قصيدة (وراء القضبان): سيظل يحضنك الشقاء ويستبد بك الألم وتموت نعماك الجميلة بين أنياب العدم وتزمجر البلوى عليك مثيرة فيك السأم ويهزك القيد المثقل ساعديك فلن تنم وعلى جمال صباك يعتكف الشحوب ويرتسم 3. الحنين إلى الماضي والذكريات: يعدّ هذا الموضوع وسيلة للتعبير عن الخيبة تعبيراً غير مباشر ممتزجاً بشيء من الشكوى والاحساس بالحزن المستمر. والحقيقة أنّ قسماً كبيراً من شعر عباس أبي الطوس يذكرنا بأولئك الشعراء الوجدانيّين الذين يحسون بالاختناق، ويرون العالم مظلماً لا معنى له، فشعره مليء بإحساس الإنسان المقيد المأسور الذي لا يعرف لنفسه خلاصاً من مأزق الحياة الذي وقع فيه. ولعلّنا نحس بتلك الروح الرومانسيّة بكلّ ما في هذه الروح من خيالات وفرار من الواقع القاسي عندما نقرأ له هذه الأبيات مثلاً من قصيدة (ذكرى): أحبابنا أنا ها هنا ما بين جدران السجون تهتاجني الذكرى وتعصف في دمي ريح الشجون وتثير في قلبي الهموم طلاقة الأمس الدفين أيام كان الحب يجمع شملنا في كلّ حين أحبابنا أنا ها هنا 4. الإحباط من الناس والشعور بالغربة: كذلك تبدو وجدانية أبي الطوس في قضيّة (الاغتراب) عن الوطن كما صور ذلك في مشاهد زجه في غياهب السجون مراراً، أو عن المجتمع بوصفه ضرباً من السلوك الاجتماعيّ المبرر حيث ينهض على أساس من رفض القيود والأغلال التي يفرضها المجتمع على الفرد فيكبل حركته ويسلب حريته وعندئذ حاول تغليب القانون الداخلي له على كل ما سواه، وهو ما حاولت الرومانسيّة التعويض عنه من خلال اللجوء إلى الطبيعة بما تتسم به من رحابة وحيوية، على أنّها رغم حيويتها، نجده قد طبعها بلون البؤس الذي يحياه: ومشى السكون على الخليقة والمزارع والسهول وتلاشت البسمات من جزع على ثغر الأصيل وارتدت الأطيار للأعشــاش تســرع بالنزول والبلبل المحزون لاذ من الدجنة بالنخيــــــــل ليصب أغنية الوداع بمسمع الليل الثقيــــــــل لينبئ الورد المضفى والســـنابل في الحقول عن مصرع الأفراح والأضواء والحلم الجميل وعن الكآبة وهي تغمر كل شيء بالخمول 5- الفقر والحرمان: كانت البيئة التي يعيش أبو الطوس بين جنباتها مهيّأة على أن تضعه بين أشداق الفقر، إذ تدور هياكل البشر المتعبين حول رحى الأقطاع البغيض تمتص قواهم وتحيلهم أشباحاً تترنح فيها الجهالة والجوع والمرض حيث الفقر المسيطر على هؤلاء الناس جميعاً. ويذكر الدكتور سلمان هادي آل طعمة في سرده لحياة الشاعر: ((أنّ الشاعر كان يعاني كثيراً من الآلام النفسية الناتجة عن حياته المريرة وظروفه القاسية التي عاشها والمرض الذي لا يكاد يبارحه، وكان في نفسه ألم مكبوت، وفي روحه لوعة خاصة، وكانت الظروف الطبيعية تحول دون أن ينفس عما يعتور نفسه ويجيش في فكره))، وليس أدل على حياته البائسة تلك من وصفه لبيته في أبياته هذه: بيتي عجيب صنعه فكأنه ببنائه تلٌ من الأحجار متفطر الجنبات أما وجهه بالطبع نقشهُ دخان النار فإذا تهاطلت الغيوث فلا تسل عن سقفه وجداره المنهار تالله لا نفق (المعري) مثله شبهاً ولا طامورة (المختار) ويبدو لنا أنّ الفقر هو العامل الأكثر غلبة في دفع أبو الطوس إلى العمل السياسيّ، وهو في الوقت نفسه ذو أثر كبير في فشله في علاقات الحب وفي معالجة مرضه، وعليه فالمعاناة المشحونة بألفاظ الحرمان والفقر تعصف بالشاعر وبانسحاق ثقيل الوطأة حتى ليبدو انفعاله واضحاً، ولأنّه فقير يشعر بالمظلومية، فليس هناك شيء أوقع للحزن على قلب الشاعر من أن يرى أبناء شعبه، وقد حاق بهم الحيف وكبح إرادتهم الظلم من الحاكم والمستعمر، ولهذا تتجاوز همومه أناه وتشمل كل الفقراء، يقول في قصيدة (أنشودة العيد). جئتنا يا عيد تسعى لتثير الحســـــرات من نفوس لفّها البؤس فلاذت بالممات رحمة يا عيد بالبائس في هذي الحياة بالألى ناموا عراة في زوايا الطرقات ... جئت يا عيد وهذا الشعب مطعون الفؤاد رازح بالجهل، والفقر، وآلام شداد يشتكي الظلم فلا يسكب غير الاضطهاد فابتعد يا أيها العيد ودع عنك بلادي ولذا فقد عمد أبو الطوس في منجزه الشعري إلى تحشيد كمّ وافر من الشعر الذي يشمل فضح السلطة الحاكمة آنذاك التي عملت على سلب الشعب حقوقه المشروعة: ليت من لم يحترم موطنه غاله الموت ولم يكمل رضاعا ومن السحت الذي أثقله يتخطى الأرض تيها واصطناعا تلثم الخمر وفي جانبه فئة تشكو عراءً وصداعا تشتكي الجوع وفي قوتها شيد القصر وقد حاز ابتداع

صور من الموضوع ...

نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7711173108
00964-7602365037
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
info@mk.iq
media@mk.iq

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...