تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. مكانة النهضة الحسينيّة في تاريخ القوميّة العربيّة
مكانة النهضة الحسينيّة في تاريخ القوميّة العربيّة بقلم: توفيق الفكيكيّ مجلّة الغريّ: العدد 9 - 10، السنة الثامنة 1946م ، 1947م، الصفحة 210 - 214. مكانة النهضة الحسينيّة في تاريخ القوميّة العربيّة كان العرب قبل فجر النهضة المحمديّة المباركة، وبزوغ شمس الإسلام في سماء أباطح الحجاز وديار العروبة، يتجشّمون الرحلتين رحلة الشتاء والصيف، لا تربطهم رابطة قوميّة بمعناها الصحيح، ولا تجمعهم عقيدة دينيّة في سلك واحد، أو تؤلّفهم وحدة ثقافيّة يستطيلون بها على غيرهم، وإنّما كانوا قبائل متفرّقة، وبيوتات متشتّتة، تملكهم الأكاسرة، وتستخدمهم القياصرة، يحتازونهم عن ريف الآفاق ونعيم الدنيا إلى منابت متناحرة الشيح، ومهافي الريح، إخوان دبر ووبر، وكانت حالتهم الاجتماعيّة كما وصفهم سيّد البلغاء أبو تراب عليه السلام: (كانوا أذلّ الأُمم دارًا، وأجدبهم قرارًا، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، ولا إلى ظلّ أُلفة يعتمدون على عزّها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرّقة، في بلاء أزل، وإطباق جهل، من بنات موؤدة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة). وإنّ كلّ أُمّة من الأُمم متى كانت كذلك من اضطراب في النظام، وتفكّك في عرى الاتّحاد، ووحدتها الروحيّة معدومة في نفوس أفرادها وجماعاتها، فلا قوميّة مثاليّة لها في الحقيقة، ولا بدّ لها من مثل أعلى تتّجه بشعورها العامّ نحوه؛ لتقديسه وتعمل على مثاليّته، حتّى تكون خير أُمّة أُخرجت للناس، عزيزة الجانب، ومرهوبة السلطان، بقوّة العدل والإحسان. أمّا العصبيّات القبليّة الجاهليّة، والعقائد المختلفة التي كان العرب يعتزّون بها، ويفخرون بمجدها، ويشمخرّون بقوّتها، فكانت في نظر العلم سرّ تأخّرهم عن قافلة الأُمم، وأفتك أدوائهم، ومصدر بلائهم، وعلّة انحلال وحدتهم القوميّة، رغم ما كانوا يتحلّون به من الصفات والمزايا الخلقيّة الحميدة، والخصال الحسنة، ومع ما كان لديهم من التقاليد والعادات المحمودة، وإن قلّ فيها عنصر الخير، فقد أقرّها الإسلام، وأشار إليها الرسول (ص) في وصيّته لمعاذ بن جبل بقوله: (أمت أمر الجاهليّة إلّا ما حسن). ثمّ انظر إلى حالهم حين بعث الله إليهم رسولًا من أنفسهم، وصار (ص) مثلهم الأعلى في حياتهم، فكيف تبدّل حالهم، وتوحّدت أُمّتهم في وحدة متماسكة العرى في شعورها، وعقيدتها، ولغتها وأدبها، وبذلك تركّزت القوميّة العربيّة الإسلاميّة على دعامة العقيدة والإيمان الصحيح، والخلق المحمّديّ العظيم. وأصبحت الأُمّة العربيّة بفضل تلك القوّة الروحيّة الفعّالة في ظلّ سلطان قاهر، وآوتهم إلى كنف عزّ غالب، وتعطّفت الأُمور عليهم في ذرى ملك ثابت، فهم حكّام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الأُمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم، لا تُغمز لهم قناة، ولا تُقرع لهم صفاة ، ولم يتمّ للأُمّة العربيّة ذلك إلّا بعد أن نهض رسول الإنسانيّة النبيّ العربيّ بتوحيد قبائلها، وقضى على عصبيّاتها الجاهليّة الذميمة، وأخضعها لفكرة الجنس، فتكوّنت أُمّة عربيّة لها وحدتها العنصريّة، والدينيّة، واللغويّة، والشرعيّة، تحت راية زعيم واحد هو الرسول الأعظم(ص) ، وبعد أن تحقّقت هذه الوحدة العربيّة، تكوّنت الدولة العربيّة داخل الجزيرة، ثمّ امتدّت إلى خارجها، فكانت الدولة الإسلاميّة التي دعامتها الإسلام ذلك الدين القيّم الذي اتّخذ الرسول (ص) من شريعته وتعاليمها وسائل الإصلاح البشري العامّ. وقد كانت الوحدة العربيّة هي الأساس المتين للدولة الإسلاميّة، بعد أن هدم الإسلام النعرة القبليّة، ونهى عنها الرسول، وأبطل دعوة الجاهليّة وعصبيّتها الرعناء، وأقام مقامها دينه الجديد الإنسانيّ، وجعل دعامته الوحدة العربيّة، وبدون هذه الوحدة فلا وحدة إسلاميّة في الحقيقة؛ لأنّ صبغة الإسلام الأُولى عربيّة خالصة، ثمّ البشريّة في أُفقها الواسع، ولا تعارض في أهدافهما وخططهما الإصلاحيّة كما يظنّ بعض أنصار القوميّة المغفّلين. وهذا واضح من قوله (ص) لقومه: (وإنّي نذير لكم خاصّة، وللناس عامّة)، وعلى هذا الأساس قال(ص) : (وإذا ذُلّ العرب ذُلّ الإسلام)، وقد شدّد (ص) في حبّ العرب، وحذّر من بغضهم؛ لأنّ في بغضهم النفاق والكفر، فقال (ص): (أحبّ العرب وبقاءهم، فإنّ بقاءهم نور في الإسلام، وإنّ فناءهم ظلمة في الإسلام). وقال (ص) : (حبّ العرب إيمان، وبغضهم كفر، فمن أحبّ العرب فقد أحبّني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني) ، وقال (ص): (يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قال: كيف؟ قال: تبغض العرب فتبغضني)، إلى غير ذلك من الأحاديث القدسيّة الكثيرة، ومنها ندرك أهمّيّة وصاياه (ص) في القرآن الكريم، والعترة الطاهرة في حديث الثقلين، ومنها قوله: (إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، وقوله (ص): (اذكّركم الله في أهل بيتي)، وقال تعالى: ((قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ))، قال ابن عباس لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم قال : (عليّ وفاطمة وولداهما). قدّمنا هذه المقدّمة الوجيزة بين يدي القارئ الكريم؛ ليقف بعد هذا على موقف بني أُميّة السلبيّ من هذا الانقلاب العظيم، الذي تطوّرت فيه حياة الأُمّة العربيّة ووحدتها القوميّة، ومن ثَمّ ليقف حضرته على موقفهم العدائيّ من وحدتها الدينيّة، ودينها العربيّ الإنسانيّ الجديد، وعلاقة النهضة الحسينيّة الخالدة بمواقف القوم، وسياستهم العصبيّة الجاهليّة العدوانيّة ضدّ الوحدة العربيّة، التي شيّد بنيانها وقوّى دعائمها رسول الله (ص) كما تقدّم، وكما ذكرناه في مقالنا: (جناية الحزب الأُمويّ على القوميّة العربيّة). لقد ظلّ الصراع بين زعماء دعاة الوثنيّة من البيت الأُمويّ وأنصارهم اليهود بزعامة كعب بن الأشرف، وبين البيت الهاشميّ أبناء شيبة الحمد الحنفاء، وهم حماة الوحدة القوميّة العربيّة، وحملة لواء القرآن العظيم الذي رفع الله به ذكر العرب، وفضّلهم على العالمين، فأمعن أبو سفيان وحزبه ورؤساء اليهود الألدّاء في الكيد للعروبة والإسلام ما شاء لهم الهوى، والكيد والانتقام، حتّى أذاقهم الله وبال أمرهم بأيديهم، وأيدي المؤمنين، فانتصر الحقّ، وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقًا. يقول المستشرق الألماني (ماربين): يلزمنا الالتفات قليلًا في تاريخ العرب قبل الإسلام؛ لنفهم الدور الذي لعبه الأُمويّون، فإنّا نرى قرابة قريبة بين هاشم وبني أُميّة، وكان بينهم نفور شديد، وحصلت بينهم مجالدات كبيرة، وكان بين الطرفين ثارات بلغت نهايتها بظهور الإسلام، ولكن تمّ للنبيّ (ص) الفوز الحاسم يفتح مكّة، فدخل الأُمويّون في طاعته، وكانوا على استعداد للإيقاع ببني هاشم حقدًا عليهم، فلمّا تُوفّي النبيّ (ص) اتّسع لهم المجال لذلك، فظفروا أخيرًا بالمُلك، واضطهدوا خصومهم القدامى بني هاشم، وانتهى الأمر بالانقلاب والثورة باسم الدين، وسجّلوا لأنفسهم الفوز النهائيّ بصلح الحسن. نعم! لمّا بزغت شمس الإسلام ثارت ثورة حماة الوثنيّة وأتباعهم، وفي مقدّمتهم أبو سفيان، وابنه معاوية، وعتبة بن ربيعة بن حرب جدّ معاوية الفاسد حسدًا منهم لآل البيت الميامين؛ لأنّ في الرسالة المحمديّة كلّ معاني الشرف والنباهة لبني هاشم، لكن الرسول ومن معه من المؤمنين لم تصدّه معارضة هؤلاء، فمضى بعزمه الصادق يوحّد القبائل العربيّة، ويؤلّف بينها تحّت راية القرآن، حتّى دوخ الوثنيّة، وقضى على سلطانها. أمّا العصبة الأُمويّة فباتت مقهورة، تغلي في صدور زعمائها مراجل الحقد الدفين، و نار حسد المنافسة على الرئاسة وأخذ الثأر، فبقي الحزب الأُمويّ يكيد لبني هاشم في الخفاء، يتحيّن الفرص واغتنام المناسبات؛ للانقلاب والنكوص على الأعقاب، ((وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا))، وفي عهد عثمان سنحت الفرصة للحزب الأُمويّ، فنهض العدو القديم الأثيم شيخ الطلقاء أبو سفيان، وكان عمي، ومعه بنو أبيه الموتورون، فدخل على عثمان، فقال أفيكم أحد من غيركم ؟ قالوا : لا ! قال : يا عثمان، ويا بني أُميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال وبلغ ذلك المهاجرين والأنصار. وقد كان من أمر معاوية ما كان بعد مصرع عثمان، وكيف أنّه كاد للمهاجرين والأنصار، وكيف جرّأ على سلب تراث محمّد، ومواريث العروبة من أيدي بني هاشم، وأعلن نفسه ملكًا، فقال: أنا أوّل الملوك، فانقلب بذلك نظام الحكم من الشورى إلى النظام الملكيّ الاستبداديّ الوراثيّ، كما أراد أبو سفيان محزّب الأحزاب، مع أنّ الرسول (ص) يناديهم (لا تمشوا على أعقابكم القهقرى)، أي: لا ترجعوا عن دينكم، ولا تكفروا بعد إيمانكم، فتكونوا كالراجع على عقبه، وناكصًا بعد تقدّمه، إلّا أنّ معاوية ورهطه كانوا يسخرون بهذا المنطق النبويّ - والعياذ بالله - فاستولى على المُلك، واستأثر به، وحصره في أُسرته، وصيّر الحكم مُلكًا عضوضًا وراثيًّا. ومن أجل ذلك ركب الأعاليل، وفعل الأفاعيل، فعطّل أحكام الشريعة، وقتل وجوه الصحابة الكرام، وسمّ المعصومين من العترة الطاهرة، وازدرى بالمثل القرآنيّة، ومزّق راية الوحدة العربيّة بإحيائه العصبيّات القبليّة بين اليمنيّة والقيسيّة، واستهتر واستهزأ بحرمة بيت النبوّة، ومعدن الرسالة وبمنصبهم الدينيّ، وقد تحلّل من قيود الشعائر الإسلاميّة، ولم يتحرّج في أخذ البيعة لولده يزيد، ونصّبه على رقاب المسلمين، ناكثًا بذلك عهده المقطوع للإمام الحسن عليه السلام ، واندفع بكلّ دوافع الشهوات والنزوات والأحقاد الجاهليّة؛ لجرّ مغانم فرديّة أو قبليّة، وكانت سيرته في سياسته العصبيّة الاعتدائيّة خاضعة لهذه النزغات والنزعات الأُمويّة، التي أدّت إلى دكّ مُلك أُميّة، وتقويض أركان سلطانها، وذهاب ريحها. هذه الأحداث المفزعة كانت تجري وتتلاحق، وشهيد آل البيت عليه السلام كان قلق الوسادة، ينظر إليها وقلبه الشريف يضطرم من نكوص الأُمّة وانحرافها عن المحجّة البيضاء، ومشيها على أعقابها القهقرى، بتولّي ولاة السوء أمرها وأهل الظلم والجور شؤون سياستها، (...) ومن وصيّة أبي عبد الله الحسين إلى أصحابه (ليكن كلّ رجل منكم حلسًا من أحلاس بيته مادام معاوية حيًّا، فإنّها بيعة كنت والله كارهًا، فإن هلك معاوية، نظرنا ونظرتم، ورأينا ورأيتم). ولمّا أراد معاوية أن يأخذ البيعة لابنه يزيد بعد وفاة الإمام الحسن عليه السلام ، كتب إلى الحسين عليه السلام كتابًا بذلك، فجاوبه جوابًا عنيفًا، ومنه: (يا معاوية لكأنّك لست من هذه الأُمّة، وليسوا منك، أولست قاتل الحضرميّ الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين عليّ - كرم الله وجهه -، ودين عليّ هو دين ابن عمّه (ص) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك، تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم، وقلت فيما قلت لا ترد هذه الأُمّة في فتنة، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها. وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمّد، وإنّي والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، واسأله التوفيق لما يُحبّ ويرضى ...). وجاء في آخر : (واعلم أنّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيًّا يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلّا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأوضعت الرعيّة والسلام). ولمّا اجتمع معاوية بالحسين عليه السلام في المدينة لأخذ البيعة ليزيد نهض أبو الأحرار وابن الكرّار، وقال: (هيهات هيهات يا معاوية!! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضّلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفت، ومتعت حتّى بخلت، وجرت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّد تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوبًا، أو تنعت غائبًا، أو تخبر عمّا كان احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عنـد التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصرًا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدّم باطلًا في جور، وحنقًا في ظلم، حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة، فتقدّم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثًا، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول، فاذعن للحجّة بذلك). إلخ. فإذا نظرنا إلى هذه الاحتجاجات الصارخة بعين الفاحص المدقّق، نجد أنّ الصراع العنيف بين العصبيّة الجاهليّة، التي يمثّلها معاوية بعد أبيه نصير الوثنيّة، وبين الإيمان الصحيح، الذي يمثّله شهيد آل البيت حسين السبط عليه السلام بعد جدّه المصطفى (ص) ، وأبيه المرتضى عليه السلام مستحكم الحلقات، وكان أبو الشهداء على يقين بأنّه سيكون شهيد القرآن بقوله: لا بدّ أن أُقتل في سبيل الحقّ، ولا أستسلم للباطل؛ لذلك كان بنو أُميّة في اضطراب منه، وقلق شديد من تربته الحمراء إلى أن زالت دولتهم من عالم الوجود. وهذه الحقيقة التاريخيّة تؤيّدها وصيّته العظيمة إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة عند خروجه من الحجاز، وإليك منها: (وإنّي لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين). ففي هذه الوصيّة الكريمة قد وضع عليه السلام خطّة جهاده في سبيل شريعة جدّه (ص) ، وبسط منهاجه (...) الإصلاحيّ في سبيل تجديد الوحدة (...) لنجاة الأُمّة من الانقسام بفتن العصبيّات، ومعاطب الحميّات المهلكة، وقد بدأ في تنفيذ خطّته ومنهاجه بعد أن هلك معاوية بجريرته، وقام يزيد مقامه ليكمل جريمته، فحاول أخذ البيعة له من أبي الأحرار المغوار، وسيّد شهداء آل البيت عليه السلام ، فكتب يزيد إلى ابن عمّه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة على أهل المدينة خاصّة على الحسين، ولا يرخص له في التأخّر عن ذلك، وإن أبى عليه فليضرب عنقه، ويبعث برأسه إليه، فبعث الوليد على أبي عبد الله، وعرض عليه الأمر، فامتنع وقال له: (إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، إيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة)، ثمّ خرج يتهادى، وهو يتمثّل بقول يزيد بن المفرّغ: لا ذعرت السوام في غلسِ الصبـ حِ مغيرا ولا دعوت يزيدا يوم أعطي مخافة الموتِ ضيمًا والمنايا يرصدنني أن أحيدا وقد طلب إليه مروان أن يبايع يزيد، فقال عليه السلام: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله (ص) يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان)، ثمّ إنّ الإمام قد واصل جهاده على هذا المبدأ المقدّس، وعلى عقيدته القرآنية الراسخة حتّى الساعة التي فقد فيها النصير والمعين، وهو يقول في حومة الطفّ: (لا والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ إقرار العبيد)، ثمّ خاطب أهل الغدر والخيانة من شيعة آل أبي سفيان بكلامه البليغ الجزل: (فسحقًا لكم يا عبيد الأُمّة، فإنّما أنتم من طواغيت الأُمّة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم، وفي العذاب هم خالدون، وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون، وعنّا تخاذلون، وإنّ الخذل فيكم معروف ...). ومنه: (ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام...) إلخ. وقد اخترنا هذه النصوص من بين النصوص الأُخرى الكثيرة؛ للاستدلال بها على مكانة النهضة الحسينيّة المباركة في تاريخ القوميّة العربيّة، وهي كافية لإقامة البرهان القاطع على أنّ نهضته عليه السلام ، وبذل تضحياته الغالية في يوم الطفّ، كانت لصدّ تيار العصبيّة الحمقاء، وصيانة لتقاليد القوميّة الصحيحة من أن تُلوّث بالبدع والغوايات، وخلاص أفراد الأُمّة من الإرهاب، والأحكام العرفيّة، ودفع الظلم والبغي عن الضعفاء المفؤودين، ومن بين العدوان على الحقّ، وتجاهل العدوان والطغيان تنبعث الأحرار الأبطال. وإلّا لم تكن نهضة الحسين عليه السلام من أجل مُلك، أو الاستئثار بالمُلك، أو السلطان. وبهذه السيرة وحدها ترتفع الإنسانيّة عن دنيا الآثام، وتتطهّر البشريّة من أدرانها وأرجاسها حتّى تعود إنسانيّة كاملة، تسعى وراء المُثل العليا، والفضائل الطيّبة، والخير العامّ. وإنّ الأُلى بالطفّ من آل هاشم تآسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا وهذا بعكس ما أراده الأُمويّون من بعث القوميّة الاعتدائيّة، أو العصبيّة الجاهليّة من قبرها؛ لهدم السيادة العربيّة، والجامعة القرآنيّة، واسمع نداء سيّد شهداء آل البيت عليه السلام في آخر لحظة من جهاده المقدّس في ساحة كربلاء، والذي هزّ به الآفاق والأرجاء، وهو لا يزال يدوّي في أُذن الدهر، وذلك عندما هجم الأوباش على خيام الحرائر الهاشميّات، وها هو زئير فتى الكرّار في وجه الطغام اللئام : (ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربًا كما تزعمون). وأُريد أن أُلفت نظر القارئ اللبيب إلى إشارته عليه السلام في قوله: (يا شيعة آل أبي سفيان) فإنّ فيها معنًى بليغًا، ومغزًى عظيمًا، فأراد أن يذكّرهم بموقف شيخهم أبي سفيان من الدعوة المحمّديّة، وبوجه الشبه بين ذلك الموقف وموقفهم من نهضته الهاشميّة، وهم يعضّدون ابن حرب وأشياعه في مقاتلته، وهتك حرمته وحرمه، أي: إنّ الصراع بين الوثنيّة والإسلام والعروبة قد تجدّد في يوم الطفّ بين أبي سفيان وبين الرسول (ص) ، ثمّ إنّ السبط عليه السلام قد دعاهم إلى ترك مهاجمة حرم الرسول، وترويع أطفاله، وإلى احترام السنن العربيّة، واتّباع آداب الفتوّة البدويّة، واريحيّة الأحساب والمروءة والشهامة، التي يرتكز عليها الخلق العربيّ الأصيل، إن لم يكن لهم دين، ولا يخافون يوم المعاد. إذ إنّ الخلق العربيّ المهذّب هو الذي دفع سادات العرب إلى عقد (حلف الفضول) قبل أن يدينوا بالإسلام، وقد كان مصير دولة الباطل في يوم كربلاء كما قال الأُستاذ العقّاد: (وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء، فإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد الأيّام، وإذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب، إذا وضعت الأعمار المنزوعة في الكفّتين). أجل! وعمر الحقّ إنّ صفحة النهضة الحسينيّة المباركة لا تزال عنوان تاريخ العروبة والإسلام، والصفحة اللامعة الوضّاءة في سجلّ جهاد الأحرار، وهي منه كالفاتحة من القرآن. وإنّ ذكرى النهضة الحسينيّة لا تزال وستبقى إلى الأبد نديّة عبقة عطرة الشذى في نفوس المؤمنين، بإعادة مجد الوحدة العربيّة، وتراث الإسلام. ومن العجب العجاب كيف تُذلّ الأُمّة العربيّة، وتُضامّ قوميّتها، وفي تاريخها نهضة الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وسبط محمّد ص رمز الشرف العربيّ، ومجد الإسلام. ولا بدّ يومًا أن ترجع مواريث العروبة بفضل الوحي الإلهيّ، وقدسيّة جهاد الرسول الأعظم ص، وبركة نهضة سيّد شهداء آل البيت، التي هي نبراس أحرار العرب في كلّ جيل، هؤلاء الأحرار الذين سيحملون رسالة القرآن إلى العالم من جديد. وذلك بنفحات شهداء الطفّ الأوفياء الأبرار، الذين قدّموا أرواحهم الزكيّة قرابين؛ لنصرة الحرّيّة العربيّة، والجامعة القرآنيّة، رغم أنف أبي سفيان، ومعاوية، ويزيد، وأشياعهم الأنذال، فبعدًا لهم ولأشياخهم الطلقاء، ((يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)).