تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ ..ذكرى شهادة الحسين عليه السلام
ذكرى شهادة الحسين عليه السلام بقلم: الشيخ محمّد الجواد الجزائريّ مجلّة الغريّ: العدد 6، السنة السادسة 1944م ، 1945م، الصفحة 71 - 73. ذكرى شهادة الحسين عليه السلام إنّ موضوع وقعة الطفّ وافر المادّة، كثير التشعّب، يتّصل من ناحية بالآداب والأخلاق والمعتقدات، ومن الناحية الأُخرى بالفلسفة والسياسة والأحكام الدينيّة والمحاكمات التاريخيّة، والأقلام الحرّة في أدوارها المترامية قامت بواجبها، ونشرت الكثير من نواحي هذا الموضوع الكبير، ووقعت على حقائقها، وحلّلت أسبابها القريبة والبعيدة، وكشفت أسرارها، وجلّتها للعالمين، فكانت الرسول الأمين بين منطق الفضيلة ومواردها، ولباب حقيقتها ومجاريها. وهي في دورها الحاضر تبذل جهودها الفكريّة في البحث والتنقيب عن فلسفة ما لحقَ هذا الموضوع من القضايا من يوم خروج الحسين عليه السلام من المدينة المنوّرة إلى حين فوزه بالشهادة؛ عناية بالحقّ، ورعاية لحقوقه. ولا أقول إنّها جاءت بالجديد من معقول قضاياه ومنقولها، ولكنّها توسّعت في تحقيق منطقها، وشخّصت تطبيقه على منطوقها من طريق العقل والنقل لروّاد الحقائق وورّادها، ولم تُبقِ مجالًا لتأويلها إلّا في عقل مدخول، فأثبتت بذلك مدرسة جوّالة عالميّة، تبعث دروس علومها المتنوّعة إلى الهيئة الاجتماعيّة تقويمًا في الأفهام، وتثقيفًا في الأذهان، وتنشيطًا في العزائم، وتشويقًا للفضائل، وتنبّهًا في الأفكار، وتحوّلًا في الآراء، ووقوفًا على حدود حقائق نوّهت الشرائع المقدّسة بها، وحذّرت آيات كُتبها الكريمة على مخالفتها. فحريّ بمن عرف الحقّ والفضيلة، وآمن بحكومتها على جميع أفراد نوع الإنسان أن يقوم بواجب إكبار هذه الأقلام الحرّة، والثناء المتواصل عليها، وعلى الصحف عامّة و(الغريّ) الغرّاء خاصّة، التي أفرغت مجالًا واسعًا لنشر ما جاءت به من نتائج محاكمات عقليّة وتاريخيّة في سبيل مناصرة الحقيقة والفضيلة حول فاجعة الطفّ، التي هي أصدق مظهرًا للدين وللحقّ. قد يتساءل الناس في موضوع وقعة الطفّ عن بعض نواحيه العلميّة الدينيّة من دون رويّة في منطق المعتقدات، وأُصول التاريخ، وآثرنا هنا بيان السؤال الذي لا شأن له، وبيان جوابه؛ لرغبة بعض قرّاء (الغريّ) الغرّاء بذلك. السؤال: إنّ في قدوم الحسين عليه السلام على الكوفة مظنّة العطب والهلاك؛ لما شاهده من ظنون أصحابه بذلك، كابن عبّاس، وابن عمر، وغيرهما، ومن غدر أهل الكوفة بأبيه وأخيه، ولما علمه من أنّ المتآمر فيها من قبل يزيد اللعين منبسط الأمر والنهي، والإلقاء باليد إلى التهلكة منهيّ عنه من ناحية العقل، والكتاب، والسنّة. وتردّ هذا السؤال الأجوبة الآتية: الجواب الأوّل: إنّ الحسين عليه السلام غلب في ظنّه الوصول إلى حقّه، والقيام بما فُوّض إليه بضرب من الفعل، والإمام إذا غلب في ظنّه الوصول إلى حقّه وجب عليه ذلك، حتّى لو كان فيه مشقّة يتحمّل مثلها تحمّلها، قال علم الهدى (ره) حول ظنّه عليه السلام بذلك بهذه العبارة: وسيّدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسرِ طالبًا للكوفة إلّا بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة، وأشرافها، وقرّائها، تقدّمت إليه عليه السلام في أيّام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن عليه السلام فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسن عليه السلام، ومعاوية باقٍ، فوعدهم ومنّاهم، وكانت أيّامًا صعبة لا يُطمع في مثلها، فلمّا مضى معاوية، وعادوا المكاتبة، وبذلوا الطاعة، وكرّروا الطلب والرغبة، ورأى عليه السلام من قوّتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد اللعين، وتشحّنهم عليه، وضعفه عنهم ما قوي في ظنّه أنّ المسير هو الواجب، تعيّن عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبّب، ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحقّ عن نصرته، ويتّفق ما اتّفق من الأُمور الغريبة. انتهى . وعلى الجملة فإنّ أسباب الظفر بالأعداء، ووسائل الوصول إلى حقّه عليه السلام كانت لائحة له عليه السلام، وأنّ الاتفاق عكس الأمر، فلا يُقال: إنّه عليه السلام ألقى بيده إلى التهلكة. هل زال ظنّ الإمام الحسين عليه السلام بالوصول إلى حقّه حين علم بقتل مسلم بن عقيل؟ وعلمه عليه السلام في طريقه إلى العراق بقتل مسلم بن عقيل - رضوان الله عليه - لم يؤثّر بما قوي في ظنّه من الوصول إلى حقّه، وإن أثّر بمراتب ظنّه، فلا مجال آنذاك لقول قائل: إنّه عليه السلام ألقى بيده إلى التهلكة. ولنا أن نقول: إنّ سيّد الشهداء عليه السلام لمّا علم بقتل مسلم بن عقيل أثّر ذلك في ظنّه بالوصول إلى حقّه، ولاح له عليه السلام العطب أمامه، وارتأى العود، ولكن حال دون الرجوع عن قصده أنّه عليه السلام ارتأى في العود العطب والهلاك أيضًا؛ لظهور عدائه لبني أُميّة، ومحاولته المنصب الذي بأيديهم، وإشهار سيفه عليهم بإنفاذه أكبر أهل بيته مسلم بن عقيل - رضوان الله عليه - إلى الكوفة رائدًا له، وأخذه البيعة له على أكثر أهل الكوفة، وسيّره في جماعة ممّن بايعه منهم إلى ابن زياد، وحصره في قصره بعد حبسه معاينًا، وغير ذلك ممّا جرى عليه. فلمّا علم سيّد الشهداء عليه السلام أنّ هذا ليدفع بني أُميّة إلى التدرع والتذرّع لإذلاله وقتله، وأنّ العود لا ينجيه من ذلك، التجأ إلى ما كان من أمره من المحاربة والمدافعة بنفسه وأهله، ومن صبر من شيعته، واختار الميتة الكريمة، والشهادة التي هي السعادة الكبرى. الجواب الثاني: إنّ مطلق الإلقاء باليد إلى التهلكة غير منهيّ عنه؛ لتقييده بحكم الجهاد، والدفاع عن النفس والأهل والمال، والإعطاء باليد إلى القصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك؛ لحكم صرّحت به الروايات الصحيحة المذكورة في مظانّها، فليكن إقدام إمامنا الحسين عليه السلام على ما يظنّه من العطب الذي شاهده في نهضته جاريًا مجرى غيره من المقيّدات إحياءً للشريعة الإسلاميّة، ودفاعًا عمّا يلحقها من جرّاء بني أُميّة على حدودها ونواميسها وآدابها. وحرّرنا هذا الجواب، والجواب الذي يليه مجاراة للسائل، واتّباعًا لبعض الكلمات المرويّة عنه عليه السلام. الجواب الثالث: إنّ سيّد الشهداء عليه السلام غادر المدينة المنوّرة، وهو على علم من إصرار السلطة الأُمويّة على قتله حتّى دخل مكّة المكرّمة، ولم يتيسّر له عليه السلام أن يتمّ حجّه، فتحلّل بعمرة، وخرج منها؛ لأنّ يزيد اللعين أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولّاه أمر الموسم، وأمره على الحاجّ كلّه، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سرًّا، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلًا، وأمرهم بقتل الحسين عليه السلام على أيّ حال اتّفق، ويؤكّد ذلك قوله عليه السلام لأخيه محمّد بن الحنفيّة، حين منعه عن الخروج إلى الكوفة: (والله يا أخي لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني). وعلى الجملة فسيّد الشهداء عليه السلام لم يجد مندوحة لحفظ دمه من بني أُميّة في أيّ وجهة توجّه إليها، وإنّما كانوا يعرضون البيعة اوّلًا عليه؛ لعلمهم بأنّه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى إلى مروان بن الحكم أنّه كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، وإلى قول ابن زياد: اعرضوا عليه (أي: الحسين) فلينزل على أمرنا، ثمّ نرى فيه رأينا. وآنئذٍ فلا يُقال: إنّه عليه السلام ألقى بيده إلى التهلكة في إقدامه على العراق مع مظنّة العطب فيه، وكيف لا يقدم سيّد الشهداء على العراق وفي إقدامه الشهادة التي اختارها الله سبحانه لأنبيائه، وأوليائه، وعباده المخلصين، وقد طوينا الكثير من الأجوبة رعاية للإيجاز.