تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ ..حركة الحسين التحريريّة
حركة الحسين التحريريّة بقلم: عليّ أحمد إطيمش مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 237 - 238 حركة الحسين التحريريّة أُمسك القلم في هذه الساعة ساعة ذكرى (شهيد الطفّ) ولديّ رغبة في أن أكتب شيئًا عن حياة بطل الطفّ الفذّ، وعن مبادئه السامية. ولكن سرعان ما تتلاشى تلك الرغبة، عندما أتصوّر في مخيّلتي عظمة الحسين، وتضحية الحسين، تلك العظمة وهذه التضحية التي يعجز قلمي القاصر عن الإحاطة بقسم منها، ولكنّني جريًا على العادة التي اتّخذتها لنفسي، رأيت من المناسب التحدّث عن سيّد الشهداء وحركته التحريريّة. لقد ذكر لنا التاريخ في بطونه مجموعة كبيرة من الأبطال الذين نهضوا بأُممهم، ودافعوا عن حقوقها المغتصبة، وذكر لنا التاريخ نفسه مجموعة أُخرى من القادة والزعماء الذين ناضلوا من أجل حرّيّات أوطانهم، والذين كافحوا في سبيل تخليد مبادئهم المقرّة للعدل والمساواة، ولقد بقي هؤلاء الأبطال وأولئك القادة خالدين بخلود التاريخ نفسه، يذكرهم كلّ من يحمل نفسًا عالية بالإجلال والتعظيم. ومن أولئك الأبطال الذين خلّدهم التاريخ بفخر الحسين عليه السلام، ذلك البطل الذي ناضل من أجل رفع راية العدل، ذلك الشهيد الذي ضحّى بنفسه من أجل الحرّيّة المسلوبة، ذلك القائد الذي نهض لتحطيم قيود الذلّ والاستغلال، فأيّ بطل أشهر من الحسين يستحقّ الخلود، فلقد قاد الحركة التحريريّة العربيّة في وجه الطغاة الظالمين؛ لأنّه رأى بنفسه كيف كان يُقاد الشعب العربيّ من قبل آل أُميّة الفاسقين إلى الانحطاط والتدهور. فسنّ بحركته المباركة لمن بعده درسًا ثمينًا في تعلّم العزّة والكرامة والدفاع عن الحقوق المغتصبة، وهكذا ضحّى بطلنا بنفسه وعياله في سبيل مثالية، لم تعرف الإنسانيّة أعلى منها حتّى الآن، ضحّى بنفسه لأجل إسعاد المجتمع الإسلاميّ وإصلاحه، وسُبي عياله في سبيل المحافظة على راية العدل من التدهور والانحطاط. قاد الحسين حركته التحريريّة المباركة، ولم يقصد من ذلك مكسبًا مادّيًّا، أو شيئًا دنيويًّا، أو من أجل الحصول على سلطان وشهرة، كما يزعم بعض المغرضين، ذلك لأنّه ثار على الباطل والدنيا مقبلة عليه بخيراتها، فهو الشهيد ملء الشهادة من نبل وعظمة وإيثار؛ لأنّه لو كان بخلاف ذلك لما كان له هذا الاسم، وهذه الشهرة، وهذا الاحترام. ويمثّل المبدأ الذي ناضل من أجله الحسين أسمى الخلق الإنسانيّ، فقد ترك الدنيا؛ لأنّ الحياة البشريّة في نظره ليست مجرّد تكالب على العيش، وكفاح في سبيل البقاء، بل هي أنبل وأعظم من هذا وذاك، هي مجال واسع يتجلّى فيه العقل البشريّ الناضج، الذي يروم صاحبه من ورائه إسعاد المجتمع الذي يعيش فيه، وإنقاذه من الأغلال والقيود التي يرزح تحت أثقالها. وهكذا كان بطلنا الشهيد، فقد استعمل عقله الراجح، ففضّل الموت والحرمان على الحياة والسلطان؛ وذلك لأجل إنقاذ المجتمع الإسلاميّ ممّا هو فيه من استهتار بالأرواح، واضطهاد للحرّيّات، واستغلال للنفوذ، فانتشرت بشهادته رسالته الكريمة، التي كان يهدف من ورائها إشاعة الرحمة والعرف والنظام في دنيا لا تعرف إلّا القسوة والنكر والحرمان، فخلّف عليه السلام بتضحيته الشريفة في كلّ نفس كريمة أثرًا لا يُمحى ما بقي في التاريخ ذكر لذلك اليوم العظيم. قد تمرّ الأعوام، وتنطوي الأزمنة، وتدول دول، وتُنسى أحداث جسام يذهب ضحيّتها آلاف من البشر مضرّجين بدمائهم بعد تمزيق أشلائهم، ولكنّها أحداث لا تلبث أن تزول أسبابها، وتبرد حرارتها، ويعفي الزمن آثارها، فإذا هي منسيّة في زوايا التاريخ، وما ذلك إلّا لأنّها أحداث خاصّة قّصد بها مقاصد خاصّة، وأطماع فرديّة بعيدة عن الحقّ والعدل، بعيدة عن فائدة الجماهير، إلّا مأساة سيّد الشهداء وشهيد المبدأ، فهي أبدًا خالدة راسخة على مدى الدهر والعصور؛ لأنّها مأساة عامّة تمثّل المثل العليا التي نادت بتطبيق مبادئ العدل والمساواة بين الأفراد والشعوب، ولأنّها حركة انبعثت من حسرات الأُمّة المظلومة، التي نالها من آل أُميّة أنواع العذاب وألوان الاضطهاد. هذا الحسين، وهذا السرّ في تجديد ذكراه في كلّ عام، هذه الذكرى التي تمرّ علينا والعالمان العربيّ والإسلاميّ يجتازان محنة تتعلق بصميم وطنهم وكيانهم وحياتهم، محنة تتطلب منّا التعاون والتآزر في سبيل الدفاع عن حقوقنا ومصالحنا، التي يهدّدها الاستعمار الصهيونيّ. فيجب علينا –في هذه الفترة الحاسمة - استلهام روح قائدنا العظيم؛ لتخليص إخواننا الفلسطينيّين من الخطر المحدق بهم، وذلك بصورة إيجابيّة فعليّة لا كلاميّة، فإنّ وقت الكلام قد مضى، ولنتذكّر في جهادنا دائمًا الطريق التي رسمها لنا سيّد الشهداء، طريق التضحية والثبات على المبدأ. فإلى الأمام أدعوكم يا أحرار العرب لإنقاذ فلسطين من الاستعمار، متّخذين من ذكريات أبطالنا حافزًا لنا على المضيّ في الطريق التي رسموها لنا، طريق الحياة بحرّيّة واستقلال.