تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. الوثبة الحسينيّة
الوثبة الحسينيّة بقلم: الأُستاذ خليل رشيد مجلّة الغريّ: العدد9 - 10، السنة الثامنة 1946م ، 1947م، الصفحة 265. الوثبة الحسينية وللحرّيّة الحمراء باب بكلِّ يد مضرّجةٍ يدقّ عشّاق الحرّيّة، هواة العدل والإنصاف، بمثل هذا اليوم وقف ابن عليّ حسين الطهر والفضيلة قبالة أشياع يزيد الرجس والرذيلة، مندّدًا بأعمال الخليفة الأُمويّ وبطانته، بمثل هذا اليوم وقف حسين المجد والشرف، متوسّطًا تلك الجموع الزاخرة، التي يناضل من أجل حرّيّاتها، ويسعى في سبيل إسعادها، وهي شاهرة في وجهه سيوف البغي والعدوان، فلم يأبه ذو النفس الأبيّة بتلك السيوف المشهورة في وجهه، ولا بالجموع المحتشدة لقتله، حيث ساءه أن يرى - وهو ابن عليّ - صرح العدل والإنسانيّة، والأخلاق، والمساواة، والحقّ، وما ينضمّ تحت الدين ينهار بالمعاول الأُمويّة، ساءه أن يرى الحقّ مضاعًا، والأمن مشوّشًا، والظلم سائدًا، ولا من مذكّر، ساءه أن يرى الخليفة تُضرب من دونه الخمائل والستور، وتقف عند بابه الحجّاب والنوّاب، تردّ ذوي الظلامات والحاجات عن رفع ظلامتهم وحاجتهم، ساءه أن يری تركيز بيت مال المسلمين بيد حفنة من ذوي الجاه والسلطان، تلعب به كيف تشاء، وتضعه حيث تريد، ولا من رادع أو وازع، ساءه أن يرى حرمان الطبقة الكادحة، وهي الشعب كلّه حتّى من العيش، تلك الطبقة التي تنسج القزّ والحرير لتلبس غيرها وتعرى هي، تلك الطبقة التي تبني القصور الفخمة، وتشيّد البنايات الضخمة، لتنام هي في العراء، تلك الطبقة التي تزرع ما لذّ وطاب من الخيرات، وتقدّمه للطبقة الخاصّة، لتأكل هي الذرة والدخن. أجل روّاد الحقيقة، وثب ابن عليّ - روحي فداه - في وجه تلك الطغمة الغارقة في البذخ والترف والنعيم، والمستغلة لأتعاب الملايين الغارقة في الجهل والفقر والمرض، ليظهر للملأ أن ليس هذا من الدين في شيء، حيث قال عزّ من قائل: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وقال تعالى شأنه: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وقال جلّت قدرته: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ٢٤ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. أجل أيّها الجمع الكريم، وثب الحسين - روحي فداه - في وجه السلطة الزمنيّة الحاكمة، ليقلع الفساد من جذوره، وينتشل ذلك المجتمع المريض من تلك الهوّة، التي حدرته إليها بنو أُميّة، وذلك بتحطيم العرش الأُمويّ وبثل تاج يزيد غير مبال بالتضحية في سبيل إسعاد البشريّة، وإنقاذ الإنسانيّة من المخلب الأُمويّ، جاعلًا دمه الزكيّ شعارًا للحرّيّة، وأحسن من وصف وثبة الحسين كاتب لا أذكره الآن حيث يقول: (فاتّخذ الحسين من نفسه لغمًا انفجر تحت الصرح الأُمويّ)، فليس بالكثير أن تساقط العيون دموعها، وتصاعد الصدور زفراتها لمثل هذا المنقذ العظيم، ألا ولمثل هذا فليعمل العاملون.