تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. من وحي النور
من وحي النور بقلم: عليّ أحمد إطيمش مجلّة الغريّ: العدد 6، السنة السادسة 1944م ، 1945م، الصفحة 86 - 87. من وحي النور السلام عليك يا أبا الشهداء. كنت رمزًا للحقّ ومنارًا للفضيلة، كنت مناصرًا للحقّ ومناهضًا للظلم والعدوان، كنت راية العدل تخفق في الأرض، كنت حاملًا بين طيّات قلبك المبادئ الإسلاميّة السامية، والعادات العربيّة الحميدة، كنت بطلًا من الأبطال، بذلت نفسك ومهجتك في سبيل إنقاذ البشريّة من مهاوي الباطل والظلم والجبروت. أيّها البطل العظيم: لقد نصرت الإسلام، دين الحقّ والحرّيّة دين المساواة الفعليّة، وحافظت عليه من عبث العابثين وكيد الكائدين، لقد انتشر الدين الإسلاميّ في زمن جدّك الرسول الأعظم، ووالدك البطل الأشمّ، ولكن أبى المنافقون إلّا القضاء على هذا الدين السامي في مبادئه، والعظيم في تعاليمه، فأخذوا يكيدون له أنواع المكائد، ويحوكون له أنواع الدسائس، وغرضهم الوحيد في ذلك إطفاء نور الله، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. استمرّت هذه الفوضى الدينيّة والتفسّخ الأخلاقيّ، واشتدّ أثرها في زمن يزيد بن معاوية (لعنه الله)، الذي تولّى الحكم على الأُمّة الإسلاميّة في سنة (٦٠هـ)، إذ كان هذا الطاغية الجبّار خدين الباطل وقرين الشهوات، يدعو إلى انتشار تلك الفوضى، ويساعد القائمين بها. سادتي: لقد ساءت الحالة الاجتماعيّة والدينيّة، فأخذ الضعف الدينيّ يتسرّب إلى النفوس، ويتغلغل في قرارتها، وكادت العادات الجاهليّة أن تسيطر على العقول والألباب، فأخذ النفر القليل من المؤمنين ينتظرون من يزيل عن صدورهم كآبة المحنة التي أصبحوا فيها، فيحطّم عن رقابهم أغلال الذلّ الذي قُيّدوا فيه، ويملأ نفوسهم بالإيمان والاطمئنان الذي هم إليه راغبون، فقام الحسين بن عليّ شهيد المبدأ وأبو الشهداء بثورة فكريّة ودمويّة معًا ضدّ الطغيان والجبروت، ضدّ الباطل وأصحابه. قام الحسين بهذه الثورة الدمويّة، التي سجّلها التاريخ له بإعجاب وإكبار، بعد أن رأى الدين الإسلاميّ الذي أسّسه جدّه الرسول الأعظم سائرًا في طريقه إلى الزوال، رأى أنّ الدين الذي شُيّدت مبادؤه بدم المسلمين يُراد القضاء عليه من قبل فئة من المجرمين الأنذال أعداء الفضيلة وأنصار الرذيلة، والذين لم يشتهروا إلّا بالخزي والخساسة والعار. سادتي: خرج الحسين مع أهله وأصحابه من المدينة، وكلّه فخر وزهو بأنّه سيُقتل في سبيل المبدأ والدين، وسيموت دون الحقّ؛ لإعلاء كلمة الحقّ ونشر الفضيلة، خرج إلى العراق ليصدّ جيوش الظلم والعدوان، ويحاسبهم على الجرائم التي ارتكبوها باسم الخلافة الإسلاميّة، التي لم تُخلق لأمثالهم. وصل العراق والتقى بالأعداء في طفّ كربلاء، تحوطه زمرة من أهل بيته، ونخبة من أصحابه، جُبلوا على التضحية بأنفسهم إزاء هذا الواجب المقدّس اقتداءً بعميدهم وسيّدهم الحسين بن عليّ ، الذي وقف أعظم وقفة عرفها تاريخ البطولة في ميادين الحرب عندما تلتقي الأسنّة بالأسنّة، والسيوف بالسيوف. وكأنّ أبا تمّام ما قصد غير الحسين بن عليّ في ثباته وإقدامه، ثمّ بمصرعه وشهادته عندما قال: وأثبت في مستنقعِ الحربِ رِجله وقال لها من تحتِ أخمصك الحشر تردّى ثِياب الموت حمرًا فما أتى لها اللَّيل إِلّا وهي مِن سندسٍ خضر وهناك بعدما هوى جسمه الخضيب بدمائه الزكيّة على رمضاء كربلاء، وتناوشته سيوف أعدائه ومقاتليه، بعدما تحاموه ساعة من الزمن؛ تهيّبًا منه وخيفة ممّا رأوا من شجاعته وبسالته، التي أعاد بها ذكرى أبيه أسد العرب الجبّار. نرى الشريف الرضيّ يتمثّل كلّ ذلك فيقول: لِلَّهِ ملقًى على الرمضاءِ عصّ به فم الرّدى بين إِقدامٍ وتشميرِ كأنّ بيض المواضي وهي تنهبه نار تحكّم في جسم من النور فكانت الخاتمة المؤلمة والفاجعة المحزنة، ألا هي قتل الحسين الذي ضحّى بنفسه، وعياله، وأولاده، وأصحابه في سبيل المبدأ، في سبيل إعلاء الحقّ، وبسط العدل. إنّ هذه الفاجعة المؤلمة والمصيبة العظمى التي حلّت بالمسلمين بقتل الحسين الشهيد تلقي علينا درسًا بليغًا من الشجاعة والتضحية والثبات في سبيل المبدأ والموت، في سبيل الحقّ والعدل، تلقي علينا درسًا على المسلمين أن يفهموه ويسيروا على نبراسه في ظلمات هذه الحياة، وليعلم المسلمون أنّ ثورة الحسين فيها أبلغ الدروس لذوي الشعور الحيّ، والعقيدة الصحيحة؛ لأنّ الحسين ضحّى بنفسه في سبيل إسعاد المجتمع الإسلاميّ الذي نحن من أفراده، والذي نعيش الآن تحت رايته، فيجب علينا نحن معشر المسلمين المحافظة على هذا المبدأ القويم، والمنهاج المنير الذي سنّه لنا أبو الشهداء وشهيد المبدأ. سادتي الكرام: اعتادت الأُمم أن تقيم المهرجانات في رأس كلّ سنة جديدة، ولكنّنا نخالفهم في هذا، إذ إنّنا نستقبل عامنا الجديد بالحزن الشديد، فنقيم المآتم؛ لتجديد ذكرى شهيد المبدأ، وتعداد ما قام به من الأعمال التي أنقذت البشريّة والعالم الإسلاميّ من هوّة الظلم والعدوان. قُتل الحسين، وبقيت ذكراه خالدة مدى الدهر، وهي في تجدّد مستمرّ، وهلك يزيد، ولم تبقَ من ذكراه إلّا صفحة سوداء ملؤها الخزي والعار بارتكابه أعظم جريمة حدثت في تاريخ الإسلام، فقد سوّدت هذه الجريمة النكراء تاريخ بني أُميّة، وألبستهم ثياب الخزي والعار إلى يوم يُبعثون. سادتي الأماجد: اعتقد بنو أُميّة أنّ الحسين قد مات وماتت مبادئه السامية، وهيهات ما اعتقدوا، وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فنم يا شهيد الفضيلة، ويا أبا الشهداء قرير العين مرتاح الضمير، فإنّ الدين الإسلاميّ الذي أرقت دماءك الطاهرة من أجله، وبذلت مهجتك في سبيله، سيبقى خالدًا مدى العصور والأيّام بفضل مبادئك السامية، ونهضتك الجبّارة. والسلام عليك يوم وُلدت، ويوم قُتلت، ويوم تُبعث حيًّا.