تاريخ الحلة

دكة عاكف

دكة عاكف

في أواخر الحكم التركي عانت مدينة الحلة مآسي كثيرة، كان وراءها سوء الإدارة والبطش الذي استعملته القوات التركية لجباية الضرائب، فكان من آثارها إهمال الرعايا، وتفشي الأمراض، والجدب وجفاف شط الحلة، وملاحقة الفارين من الخدمة العسكرية الإجبارية، ولكن يبقى أقساها وأشدها ترويعا دكة عاكف التي ما يزال وقعها المؤلم في ذاكرة الحليين حتى أنهم تناقلوها كالأمثال وأرخوا بها مواليدهم وأيامهم. كان لعاكف بك القائد التركي الذي كان يشغل منصب قائم مقام مفرزة الخيّالة واقعتان في الحلة، الأولى بعدما راحت قوات الجندرمة التركية تدخلا البيوت والأماكن العامة للتحري والتفتيش عن الفارين من التجنيد الإجباري، وخاصة بعد تقهقر القوات التركية أمام القوات البريطانية، وتأزم الموقف في مدينة الحلة بعد مقتل أحد الجندرمة ومنع عشيرة القاتل من تسليمه إلى السلطة، وما رافق ذلك من استياء شعبي وعصيان في كربلاء والنجف وضعف الإدارة التركية، ونقص الجند في الحاميات، ووصل الأمر إلى طرد القائم مقام والموظفين عام 1915نتيجة سياسة التعسف والقهر الذي تمارسه السلطة في عموم البلد. سارعت السلطة التركية إلى ارسال الأميرال أي عاكف بيك إلى الحلة مع قواته، وحين دخلها أخذ يستدعي المختارين والرؤساء والتنفيذيين، طالباً معاضدة الحكومة التركية، وأمهل الحليين 24 ساعة لتسليم الجناة والفارين، وقد أستخدم معهم سياسة الترهيب والترغيب، ولما انقضت المدة ولم يحصل على مراده لعجز قواته، نشر جنده في المدينة واحاطت بسور الحلة في يوم 27 آب 1915، واعتلى الجند منارة الجامع الكبير في سوق الحلة. على إثر ذلك قامت معركة رهيبة بين أهل الحلة والقوات التركية، استطاع فيها أهل الحلة أن يواجهوا قوات عاكف المنتشرة في المنطقة القريبة من تلال رماد (الجبل) على الرغم من عددها الكبير وتفوقها في الأسلحة فقتل الكثير منهم وفر البعض الآخر، وانتشرت جثثهم على طول السوق الكبير حتى القشلة، كما هاجم أهالي محلة الجامعين الجند الباقين واجلوهم عن مواقعهم. وقفت مدينة الحلة في وجه عاكف بيك تسندها العشائر المتاخمة للحلة، ومما زاد حراجة موقف عاكف تربص الحليون بالنجدة الحكومية المنهكة القادمة من السدة إلى (مشهد الشمس)، فلجأ إلى العلامة السيد محمد القزويني أن يخرج بقواته دون اراقة الدماء، ووفى الحليون بالتزامهم، وبقيت الحلة خالية من الجند لتآزر الأهالي وحسن قيادتهم الدينية التي اقتصت منهم الإدارة العثمانية فيما بعد . أخذت القوات التركية بالتقهقر أمام القوات البريطانية، وتراجعت القوات التركية إلى سلمان باك وتحصنت فيها، وكان بيان والي العراق والقائد العام نورالدين بيك لتبرير الانسحاب من الكوت صادراً في 31 أيلول 1915 من بيت الشيخ عداي الجريان رئيس عشائر ال بو سلطان القريبة من الحلة، والذي له قاعدة شعبية واسعة في الحلة. أدرك أهالي الحلة ما يبيته الأتراك وخاصة بعد فراغ المدينة من الموظفين الحكوميين، وكان لرجال الدين دورهم الفاعل والمؤثر في العناية بشؤون الحلة واعمار سورها، وأخذوا يعدون العدة والتحصينات لمواجهة الخطر القادم. أرسلت الحكومة العثمانية قائم مقاما جديدا إلى الحلة يعرف بالعصيمي فلم يجد تعاونا من أهل الحلة، فأرسلت مصطفى أفندي المميّز وكان لا يبالي بالأهالي واتبع سياسة من سبقه في الإساءة والعجرفة فتشاجر مع احد الأعيان من أهل الحلة، وهو الحاج علي الشيخ حسن، فأمر أتباعه أن يذهبوا إلى دار القائم مقام، ويخرجوه من داره في محلة الأكراد قرب جامع الهيتاويين، وأجبروه على مغادرة الحلة، وقد أعتبر الكثير من المؤرخين هذه الحادثة السبب الرئيس لدكة عاكف الثانية، إذ أخذ هذا القائم مقام يحرّض الوالي التركي على الهجوم على الحلة، وخاصة بعد أن شغل المقدم الحاج كمال قاسم آمر تجنيد الفرقة 37 التي مركزها الحلة، منصب قائم مقام الحلة وكالة، وهناك حادثة اخرى عجلت بوقوع واقعة عاكف الثانية والتي أثارت حفيظة الوالي التركي خليل باشا، وهي تعاون اهل الحلة في اطلاق سراح الشيخ متعب (الشخصية التي تنكر بها الضابط الإنكليزي ليجمن)، ورفقائه من سجن الحلة (وهاجموا الثكنة ونهبوا ما كان هنالك من أوراق رسمية ونقود، وسلبوا الضباط ونهبوا ما عندهم واخذوا أموال التجار)، حسب التقرير الذي رفع إلى الباب العالي، وكانت الحملة العسكرية (أوردي الانتقام) أي جيش الانتقام، موجهة إلى الحلة والديوانية حيث شُنق الشيخ حسين آل الشيخ مع الآخرين من أهل الحلة في دكة عاكف. غادر عاكف بك بغداد في 6 تشرين الثاني 1916، وبعد يومين وصل مدينة المسيب، وأخذ يحشد قواته بشكل منظم للتحرك إلى سدة الهندية، وسار إلى الحلة في 14 تشرين الثاني 1916، فالتجأ البعض من أهل الحلة إلى العشائر القريبة من الحلة ،فارسل الى رؤسائهم طلبا للأمان، وأنه لا يريد بهم شرا، وإنما غرضه المرور بالحلة للتزود بالمؤن والسير لإمداد الجيش العثماني المحاصر في السماوة، وقد ترافق قدوم عاكف مع وفاة السيد محمد القزويني الذي له ثقل سياسي واجتماعي في نفوس أهل الحلة ،وكان لا يتورع من الكتابة إلى سلاطين العثمان و ولاتهم مطالباً بإصلاح أمور الناس وشؤون البلد. انتدب أهل الحلة وفد المقابلة القائد التركي عاكف بيك ترأسه رفعت الجادرجي، وقد التقوا بعاكف بيك خارج أسوار المدينة وعادوا بمطالبه. اجتمع رؤساء الحلة وزعماؤها في دار السادة آل القزويني، واختلفوا فيما بينهم، وبرز هنالك رأي ان الأول يرفض إجابة طلب عاكف بيك، وقالوا بمقاومته وصده عن دخول الحلة، أما الرأي الثاني فرجحوا مسالم تهو السماح بدخول جيشه إلى الحلة، ظناً منهم أنه سيفي بعهده، وبعد نقاش طويل بين رؤساء الأحياء الشعبية، استطاع السيد محمد علي القزويني إقناع الأهليين باستقبال الجيش التركي. حين ما قارب الجيش التركي مدينة الحلة، نادى المنادون في الأسواق والمحلات العامة يدعون أهل الحلة إلى الخروج لاستقباله، والتقى موكب أهل الحلة يتقدمهم كبارهم من علماء الدين والوجهاء والمتنفذين، بعاكف بيك وجيشه في مشهد الشمس، وقدم السيد محمد القزويني اعتذاره نيابة عن أهل الحلة عما جرى، فلم ينطق القائد عاكف بك بشيء، فأحس الحاضرون بالخديعة، وخاصة بعد أن منعوا من العودة إلى ديارهم، وألقي القبض على بعضهم، وأخذ عاكف بالنيل منهم، ووصفهم بالعصاة الجفاة، وانه جاء ليؤدبهم بل ليمحي الحلة من الوجود بناء على أوامر خليل باشا، فأرسل فوجا انتشر في المدينة وفي الثكنات والمخافر والمؤسسات الحكومية ماعدا باب النجف. وألقي القبض على أعداد كبيرة من الأهالي بقوائم أعدها موظفو الحكومة مسبقا، وبعضهم أعتقل عشوائيا من المدينة والقرى المجاورة، ثم شكّل محكمة عسكرية لمحاكمتهم، فقضت المحكمة بشنق 127 رجلا ونفي 231 آخرين. كانت عمليات الشنق تجري على دفعات يوما بعد يوم، ويقال أن عاكف بيك أراد أن يشنق نفس العدد الذي قتل من جنوده في العام الماضي، حتى أنه شنق شخصاً كان أخرس وأطرش وأعمى، يبيع الفرارات، وسبب إعدامه لاستهزائه من القوات العثمانية لاستفزازهم بكل شجاعة إتمام العدد، وكان كل من هؤلاء الأبطال عندما يقدم للمشنقة يبتسم و تكون أخر كلمة يتفوه بها ( نموت ويحيا العراق)، وقد بلغ عدد ضحايا بطش الأتراك من أهل الحلة في هذه الواقعة أثناء القتال أو من دون سبب الفاً وخمسمائة قتيل وعددا كبيرا من الجرحى، بينما كانت خسائر الجنود من القوات التركية خمسة وثلاثين بين قتيل وجريح، أما الذين شملهم سخط عاكف بيك، وحكمت عليهم تلك المحكمة الصورية بالنفي إلى ديار بكر فهلك الكثير منهم جراء الإعياء والجوع والضرب المبرح. يذكر الأستاذ أحمد الناجي أنه عندما وصلت أخبار هذه الأفعال الوحشية العثمانية إلى زعماء عشائر الفرات، جمع الشيخ مبدر آل فرعون أحد رؤساء آل فتلة، الرؤساء والأعيان في مدينة النجف الأشرف، وخطب فيهم من دداب سياسة الأتراك في العراق، وقد جاء فيها ( انظروا إلى ما يفعله الأتراك بمدينة الحلة منقتل النفوس المحترمة، وهتك الأعراض المصونة فو الله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها، إن ركنتم لهذه الأفاعيل الهمجية )، ولما علم أهل الحلة الذي خرجوا بعائلاتهم إلى قرى الريف المجاورة، بما فعله عاكف بك وقواته في بلدتهم عزموا على مقاومته، وتطوع معهم جمع غفير من النجفيين ورجال العشائر، وقصدوا الحلة وعسكروا في قرية الطهمازية، ثم هجموا على الحلة، وجرت بينهم وبين عسكر عاكف معارك متتالية أوقفت عاكف من التمادي في طغيانه، وبقى أهل الحلة خارج مدينتهم حتى سقوط بغداد بيد الإنكليز، وانسحاب الجنود الأتراك من مدينة الحلة. يقول الشيخ محمد علي اليعقوبي في قصيدته ( نكبة الفيحاء ) ذاكراً هو الدكة عاكف: فتكت بها الأتراك فتك أمية بالغاظرية في بني المختار قتلوا نهبو انتهاك محارم وحريق أوطان وهدم ديار

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...