تاريخ الحلة

المسحّرجيّ

المسحّرجيّ

المسحراتيّ يعدُّ مِن أبرز الشخصيات الرمضانيَّة التي تمتلك حضورًا في الذاكرة الحِلِّيَّة منذ القدم، والذي يتميز بصوته الجهوريّ الذي يُوقظ الصائمين يوميًّا قبل ساعةٍ مِن موعد الإمساك وهو تقليد من العادات القديمة المتوارثة حتَّى يومنا هذا. المسحرجيّ، أو (أبو الدمام)، أو(ابو طبيلة) أو(المطبلجيّ)، وفقًا لتعدد مسماه في لهجات العراق فهو وإن تعددت مسمياته يبقى المعنى واحد وهو ما يدور حول إيقاظ النائمين من أجل التسحر والتهيؤ ليومٍ جديد من الشهر الفضيل، وفي المجتمعات الإسلاميَّة اختلفت تسمية العامل في هذه المهنة التي يكون مسك ختامها هو آخر يوم في رمضان، حيث يطلق عليها في بلاد الشام والأردن بـ (المسحراتي ) أمَّا في مصر ودول الخليج فيطلق عليها أو على المشتغل بهذه المهنة بــ( القريقعان )، أو ( أبو طبلية )، ويطلق عليه الليبيون (ساهر الليل)، كذلك في تركيا وفي بلدان العالم الإسلاميّ غير العربيَّة فله في كلِّ بلدٍ اسم خاص فيه ، وعلى الرغم من الاختلاف في تلك الشخصية العزيزة التي غابت عن ليالي الحِلَّة وأزقتها وحُصر في دائرة التراث إلَّا أنَّه ظلَّ مُتصلًا بذاكرة حميمة وحكايات ممتعة تمتد ما بين آخر الليل والفجر، تؤكد اشتياقنا وعمق تواصلنا مع شهر رمضان المبارك. وفي الماضي، كانت العائلات الحِلَّيَّة عادة ما تتناوب على استضافة المسحراتي على مائدتها لتناول السحور معها، أو منحه الحلوى والمال وما تيسر من خيرات. إنَّ مشهدَ المسحراتيّ تراٌث قديمٌ وجميلٌ، ويتمثل بـ: الطبلة والعود والصوت الجهوري الذي يُنادي به مع الدق على الطبلة (سحور، سحور، اكعد يا صايم)، ومِن تلك العبارات (يا نايم وحد الدايم)، و(قوموا إلى سحوركم، جاء رمضان يزوركم)، وهي عبارات ارتسمت في ذاكرتنا الرمضانيَّة على مرِّ الأجيال حتَّى بات سماعها يُشكِّل طقسًا جميلًا لا غنى عنه لدى الكثير، فلا يكاد يطلُّ الشهر الكريم، حتَّى ينتظر الكثير منهم بترقبٍ مرور مسحراتي الحي. وقد تختلف دقات الطبلة بين مدينةٍ وأخرى، إضافة إلى عبارة المناداة للسحور من قبل المسحراتي نفسه مُخترقًا سكون الليل بأناشيده وصوت طبلته. اعتاد الرجل الذي يمارس هذه المهمة أن يجوب القرى والمدن ليعلم المسلمين بموعد السحور، وهي ظاهرة عرفها المجتمع الإسلاميّ منذ اليوم الأوَّل لفريضة الصوم على المسلمين حيث كان بلال بن رباح مُؤذن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أوَّل مسحراتي في التاريخ الإسلاميّ، وهي المهنة التي قاسمه فيها الصحابي الضرير عبد الله بن أم مكتوم، حيث كان المسلمون يعرفون وقت السحور من آذان (بلال)، ووقت المنع بآذان (ابن أم مكتوم). وتطورت مهنة المسحراتي في العصر العبَّاسيّ، حيث كانت نساء بغداد يلقين بأوراق فيها قطع من النقود من الشرفات، ويحرقن أطرافها، فيرى (المسحراتيّ) القناديل الصغيرة تهبط مِن الشبابيك، فيسرع إليها، ويدعو لأهل البيوت. وفي عصر الفاطميِّين، أمر الخليفة، الحاكم بأمر الله، عماله فى الأقاليم بإيقاظ الناس، للسحور بالطرق على الأبواب وعلى الطبول في الشوارع، كما كان الجنود يمرُّون على المنازل ويدقُّون أبوابها ليوقظوا الناس للسحور. والمسحراتيّ على الرغم مِن اختفائه عن الأنظار في الأحياء الراقية من المدن إلَّا أنَّه ما زال يمارس مهنته التي ورثها عن أجداده وآبائه في الأحياء العتيقة الشامخة المُعطرة برائحة الحِلَّة؛ إذ يسير بطبلته من أوَّل أيام رمضان المبارك وحتَّى انتهاءه بتلك المعزوفة الرمضانيَّة الشيقة والمحببة لدى الأطفال والكبار. وضربات المسحراتيّ بطبله التي تدوي في سكون الليل مُناديًّا (اگعدوا يالصايمين .. اكعدوا اتسحروا)، في هذا الوقت نسمع التمجيد مِن المآذن، وهو دعاء يتلوه المؤذن بأطوار مختلفة وألحان شجية مؤثرة داعيًّا ومُذّكرًا ومُحرضًا على السحور، فتستعد النسوة لطبخ السحور. وكان للمُسحراتي ثلاث جولات: إحداها يوميَّة تشمل كلّ الحي لإيقاظ الناس وقت السحر، والثانية يومية تشمل بعض الأحياء بالتناوب لجمع الطعام والمساعدات، ويصطحب معه في هذه الجولة مُساعدًا ليحمل سلة وبعض الأطباق لوضع ما تجود به العائلات مِن أطعمة، ويضطر لوضعها مع بعضها في طبق واحد أحيانًا، لذلك يتردد على ألسنة الناس المثل الشعبي الذي يقول (مثل أكلات المسحر) لمَن يضع في طبقه عدة أنواع من الطعام دفعة واحدة من ( زلابية وبقلاوة )، فيما يسهر قريبًا منهم بائع الزلابية الذي وصفه ابن الرومي ذات يوم وكأنَّه في هذا اليوم. وَمْستقِرٍ على كرسيِّهِ تَعبِ رُوحي الفداء له من منصبٍ نصب رَأيتهُ سَحرًا يقلي زَلابيةً في رقةَ القشر والتجويف كالقصب كأنما زَيتُهُ المقليُّ حينَ بدَا كالكيمياء التي قالوا ولمْ تصبِ يُلقيِ العَجينَ لُجَيْنًا من أنامِلهِ فَيستحيلُ شبابيكًا من الذهبِ وأصبح الحِلِّيُّون اليوم يجودون بالمال بدل الطعام. أمَّا الجولة الثالثة للمسحراتي فكانت أيام العيد لجمع العيديات من الناس، وترافقه في هذه الجولات طبلته التي هي بمثابة هويته الخاصة. مهنة المسحرجيّ مهنة لها أصولها التي تتناسب مع خصوصيتها ويستعمل المسحرجيّ آلات صوتيَّة خاصة، والطبلة ليست الآلة الوحيدة فقد يعمد البعض إلى استخدام الدف والدمام والصنجات في حين أنَّ البعض الآخر يستخدم البوق وأحيانًا تتمُّ المزاوجة بين الآلتين معًا أو استخدام أدوات بدائية كالصفيح أو الضرب بالأطباق المعدنية أو دق الأجراس، ومِن علامات تنبيه الناس الى السحور قوله: (استعدوا للسحور، استعدوا للسحور) أو بطريقة الاحترام حيث يتبرع بعض الناس بقوله وهو في السطح العالي للدار: ( احترام .. احترام أمة محمَّد، احترام)، يكررها ثلاث مرات أو أكثر. يخرج بعض المسحرجيَّة لوحدهم، لكن منهم مَن يخرج بصحبة شخص آخر يحمل كيسًا من أجل جمع بعض الطعام، اأو حتَّى الإكراميات النقديَّة التي يقدمها الأهالي شكرًا منهم، وقد يخرج البعض لمشاهدتهم حتَّى مِن غير الصائمين كالأطفال الصغار، وقد يكون منظر المسحرجيّ كطقس رمضانيّ تقليدي دافعًا لهم كي يعقدوا العزم على الصيام عندما يتمكنوا منه. ومِن أشهر المسحرجيَّة في الحِلَّة المرحوم خضير أبو جدر وإخوانه، ويحيى وميري أبو علاوي، وحسن أبو كسور، وأولاد الريحاني، وجبَّار، وعبَّاس العبد، وحجي تركي، وعبد الحسين أبو شبح، وسيِّد رياض محسن، وأحمد الشايب، وحيدر جرجيس، وغيرهم، وتتأجل جائزة (أبو طبيلة) الماليَّة لقاء خدمته هذه لأهل المحلة حتَّى نهاية رمضان وطلوع هلال العيد في مساء آخر يوم من أيام شهر الصوم، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركة.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...