تاريخ الحلة
الحِلَّةُ بين حكم دولة القرة قوينلو والقوى القبليَّة خلال المدة (813-826هـ/1410-1422م)
يُعدّ مقتل السلطان أحمد الجلائريّ نهاية لعهدٍ، وبداية لعهدٍ جديدٍ، خضعت الحِلَّةُ خلاله إلى حكم دولة (القرة قوينلو)، وهم قبائل رعوية تركمانيَّة سُميت بـ: البارانيَّة نسبة إلى زعيمهم (باران)، واسم القرة قوينلو في اللغة التركية تعني: سود الغنم؛ إذ يبدو أنَّ أغنامهم كان يغلب عليها اللون الأسود، ويقال إنَّهم كانوا يضعون صورة خروف أسود على راياتهم لذلك سُميت بـ(الخروف الأسود) التي يرجع الفضل في تأسيسها إلى (قرا يوسف)، الذي أرسل ابنه الشاه محمَّد واليًا ونائبًا على بغداد، وكذلك هو حال مدينة الحِلَّة التي عانت الكثير من سيطرة هذه الدولة التي كان أمراؤها معروفين بالزندقة والاستهتار بالشـريعة الإسلاميَّة، وعانت المدينة من غياب الأمن واجتياح الطاعون والمجاعات لها، وللمدن الأخرى التي بقيت تحت سيطرة الشاه محمَّد عشـر سنوات كان هذا الشاه فيها مشغولًا بملذاته. تفتقر المصادر التاريخيَّة لمعلومات كافية عن مدينة الحِلَّة خاصة والعراق عامَّة خلال مدة حكم الشاه محمَّد 814 - 824هـ/1411- 1421م، عدا ما ورد عن تفشـي مرض الطاعون في سنة 814هـ/1411م، الذي اجتاح مدن العراق حتَّى وصل إلى الموصل، كما شمل بلدانًا أخرى مجاورة، وقد وصفه عباس العزاويَّ بكتابه تاريخ العراق بين احتلالين بقوله: وكان [الطاعون] عامًّا في بلاد كثيرة كفارس ومصـر... وتواتر في الأطراف، وكادت البلدان تخلو من أهليها... فَجرَّ على القطر ويلات . كان من الطبيعيّ وفي ظلِّ الاضطرابات وعدم الاستقرار السياسيّ أن تنظِّم القوى الاجتماعيَّة قواها وتحاول ملء الفراغ الحاصل في السلطة والتنافس فيما بينها، ومن هذه القوى، القبائل القاطنة داخل المدينة والتي في ضواحيها، إذ حدث نزاع في سنة 824هـ/1421م، بين بطون قبائل ربيعة في الحِلَّة، وتطوَّر ذلك النزاع حتَّى استعانت إحدى هذه البطون بقبيلة خفاجة التي كانت (ومازالت) تسكن ضواحي الحِلَّة، وكان رئيسها آنذاك (عذرا)، هو عذرا بن علي بن نعير أمير آل فضل توفي سنة 831هـ / 1437م، الذي دخل الحِلَّة وسيطر عليها بعد محاصرتها قليلًا، وتمكن من الاستيلاء عليها سنة 824هـ. الشيخ يوسف كركوش ذكر كركوش، إنَّ المعركة حدثت بين بطون ربيعة سنة 822هـ/ 1421م، دون الإشارة إلى مصدره. تأريخ الحلة، 1/101. ويمكن عد هذا الرأي ضعيفًا وترجيح رأي الغياثيّ الذي حدَّد هذه المعركة سنة 824هـ/1421م ؛لأنَّه أقرب زمانيًّا إلى الحوادث، وقُتل عددًا من سكانها ممَّا اضطر سكانها الهرب إلى الجانب الشرقيّ من الفرات، وبذلك شهدنا وجهًا آخر من وجوه الصـراع، فلم تقتصـر الصـراعات بين الأمراء الأجانب للسيطرة على المدن ونشـر الخراب فيها، بل تجاوز ذلك إلى اشتراك القبائل المحليَّة في هذا الاضطراب الشامل. وهكذا خضعتْ الحِلَّة لقبيلة خفاجة التي ليس بإمكان السلطة الحاكمة في بغداد القيام بعمل ما تِجاهه؛ بسبب الضعف الذي جعلها عاجزة عن المحافظة على هيكلها وكيانها؛ إذ إنَّ دولة القرة قوينلو خصوصًا بعد وفاة قرا يوسف سنة 823هـ/1420م ضعفت وتفرق أمراؤها، ممَّا ساعد على استمرار قبيلة خفاجة بممارسة دور المتحكم الأوَّل في شؤون الحِلَّة، حتَّى أرسل السلطان أُويس الثانـي ـ الذي كان في مدينة (تَسْتُرْ) نائبًا، اسمه: أبو علي الأنباريّ - جرائحي كان لديه محل للجراحة في بغداد، بعثه السلطان أُويس الجلائريّ أميرًا على مدينة الحِلَّة سنة 824هـ/1421م، مع أخ له اسمه ناصر الدين علي، وكان أبو علي فارسًا شجاعًا حمل رسالة، لم نطلع على نصِّ هذه الرسالة ولم نجد أي إشارة ولو مختصرة عنها في المصادر التي تمَّ الاطلاع عليها، إلى عذرا من السلطان أُويس الذي خَصَّصَ مالًا لعذرا مقابل حفاظه على الحِلَّة، إلَّا أنَّ المصادر التي تمَّ الاطلاع عليها لم تحدد مقدار المال الذي حصل عليه زعيم قبيلة خفاجة، وكان هذا المال قد جمع من خلال بيع ما كان موجودًا من التمر العتيق المخزون داخل مدينة الحِلَّة. اشتراك القبائل المحلية بالصراع غادر عذرا بعد أن أخذ ما كان مقررًا له من الأموال، وسلَّمَ المدينة إلى أبي علي الأنباريّ الذي سار بأهلها سيرة حسنة، واستمر واليًا عليها لمدة أكثر من ثلاثة أشهر؛ إذ حكمها حتَّى شهر ذي القعدة سنة 825هـ/22 تشرين الاول 1422م. من خلال ما ذُكر يمكن تحديد المدة الزمنيَّة التي استمرت بها قبيلة خفاجة في السيطرة على مدينة الحِلَّة، فإذا ما عرفنا أنَّها دخلت الحِلَّة في 17 محرم سنة 824هـ/1421م واستمرارًا حتَّى نهاية حكم أبي علي الأنباريّ لها. فيمكن تحديد مدة حكم قبيلة خفاجة للحِلَّة بسبعة أشهر تقريبًا، وعلى الرغم من أنَّ الِحلَّة تعرضت لكلِّ هذا الاضطراب السياسيّ والانتقال من ولاءٍ إلى آخر، إلَّا أنَّ الشاه محمَّد في بغداد لم يحرك ساكنًا أزاء كلّ ما حدث في المدينة، ولم يكن له موقف تجاه تلك التطورات. أصبحت الحِلَّة عُرضةً للانتهاك في أيِّ وقتٍ وأبوابها مفتوحة لكلِّ ذي قوةٍ وشوكةٍ، فوجد أهل الحِلَّة بشكلٍ خاصٍّ، وأهل بغداد بشكلٍ عام ضرورة إيجاد حلّ يُنقذهم ممَّا هم فيه من عدم الاستقرار، فاتفقوا أنَّ لا مناصَ أمامهم إلَّا أن يقرروا أمرهم بأنفسهم؛ لهذا التجأ بعض وجهاء بغداد والحِلَّة إلى مراسلة السلطان أُويس، الذي كان متقدمًا من البـصرة باتجاه بغداد يريد احتلالها، أمَّا الشاه محمَّد الذي كان يحكم بغداد فقد وصلته أخبار الذين راسلوا السلطان أُويس، فاستاء كثيرًا وأمر بإلقاء القبض عليهم وكان عددهم (12) رجلًا، أربعة منهم كانوا من أهل الحِلَّة وهم: السيِّد فخر الدين الأعرج، وعبد الملك، وناصر الدين بن خواجة مخزوم، وعلي بن خواجة مخزوم، وتمَّ قتلهم من قبل الشاه محمَّد سنة 825هـ/1422م. وتجدر الإشارة إلى مقتل عدد من وجهاء بغداد منهم: خواجة مسعود (وزير الشاه محمَّد) وبعض أكابر بغداد وأمرائها مثل: أمير حسن بن زكريا، وغياث الحرباوي، وخواجة شيخ علي الصغير وغيرهم. إنَّ قتل هؤلاء الوجهاء أزعج أهالي الحِلَّة وبغداد، وأرباب دولة الشاه محمَّد، الأمر الذي أدى إلى أن يخرج عن طوعه أحد كبار دولته، وهو أمير الديوان المسمى: درسون، إذ ترك بغداد دون الحصول على إذن من شاه محمَّد، برفقة أربعمائة فارس متوجهًا إلى الحِلَّة، التي كان فيها أبو علي الأنباريّ، فخرج منها عندما عرف بقدوم درسون ليسلمها إليه في ذي القعدة سنة 825هـ/1421م، دون مقاومة تذكر. شاه محمد برفقة أربعمائة فارس متوجهًا الى الحلة ويبدو أنَّ الأنباريَّ قد تخاذل في الدفاع عن المدينة برغم قلّة قوة الأمير درسون؛ ربَّما لعدم وجود قوة أو قبيلة تسانده، فضلًا عن عدم مساعدته من قِبل السلطان أُويس الذي كان مشغولًا بحروبه في تَسْتُر وما جاورها آنذاك. وبرغم سيطرة الأمير درسون على الحِلَّة إلَّا أنَّه لم تكن لديه المؤهلات والقوة الكافية للمحافظة عليها في ظلِّ الاضطرابات المستمرة، لذا لم يبقَ فيها أكثر من ثمانية أشهــــر، ما بين شهر ذي القعدة سنة825هـ/ تشرين الأول 1421م، إلى رجب سنة 826هـ/حزيران 1422م.