شخصيات
السيِّد محيي الدين القزوينيّ
وجدنا من خلال تصفّحنا لسجل الزمن أنّ لكلّ عصر علماء وأدباء يسقون تراث من سبقهم من الخلف الصالح ويرفدونه بِما مَنَّ الله تعالى عليهم من عِلْمٍ وأدبٍ، وبهذا النمط المتألّق دامت المعرفة حيةً طريّةً، وقد حَفَلَ تاريخ مدينتنا العزيزة الحلّة الفيحاء بكثير من سقوا وخطّوا بأيديهم صفحات طويلة وكثيرة في العلم والأدب نذكرُ منهم : الشاعر السيد محيي الدين القزوينيّ، هو السيِّد أبو الرضا محيي الدين ابن الهادي ابن الميرزا صالح ابن السيِّد مهدي القزوينيّ الكبير، علمٌ من أعلام الأسرة القزوينيّة في الحِلَّة الفيحاء، وعالمٌ أديبٌ زعيم، وُلِدَ سنة 1300هـ، في الهنديّة (طويريج) قبل وفاة جدِّ والدِهِ السيِّد مهدي الكبير بأشهر معدودة، وكان والده قد تفأّل بالكتاب العزيز فجاءت الآية الكريمة: (يا زكريا إنّا نبشِّرك بغلامٍ اسمُه يحيى)، فأقبَلَ على جدِّه وأخبره بما رأى، فقال: صدَقَ الله العظيم، ليس مِن آبائه مَن اسمُه (يحيى)، سَمِّهِ بذلك. ونشأ في الحِلَّة فتعلَّم فيها القراءة والكتابة، وولَعَ منذُ الطفولَة بالفروسيَّة، ولمَّا بلغ الثالثة عشـر من عمره بعثه والده إلى النجف الأشرف جريًا على العادة لتلقّي العلوم والأدب من معدنِهما، فقرأ العربيّة والمنطق والمعاني والبيان والأصول والعلوم الرياضيّة والكلام والفلسفة على جُملَةٍ من أعلام عصرِهِ آنذاك، فلمّا نالَ حظًّا وافِرًا من هذه العلوم رجع إلى وطنه (الهنديّة) عام 1332هـ، حيثُ اتَّجه إلى الزراعة ومزاولةِ إدارة أملاكِه. ذكر الشيخ اليعقوبيّ في البابليّات: بأنَّه - رحمه الله- لم يكن من الشعراء المتفرِّغين لنظم الشعر، ولم يقُل منه إلّا القليل، على كثرَة ما كان يروي ويحفظ للقدماء مِن المحاسِن ومختارات الشواهِد؛ وذلك لانشِغالِه بالزراعة وانصـرافِه إلى إدارةِ أملاكِهم في الهنديَّة والعبّاسيّة، وكان كثير التردُّد على الثانية؛ لاكتفائِه بإخوتِه في إدارة شؤون الأولى، فكان - رحمه الله- قد نَظَمَ القليل مِن الشِّعر في مناسبات ومحافل خاصَّة، فجاء مطبوعًا في ما نَظَم، ممّا يكشِفُ عن إمكانيَّة كبيرة في نفسِه على النَّظم، وإليك مِن ذلك ما ذكرَه الشيخ اليعقوبيّ بقولِه: «قَدِمَ إلى النجف في شهر صفر سنة 1347هـ، وهي السنة التي تُوفِّيَ فيها والِده الهادي، وأخرجني معه إلى ناحية الحيرة لإنهاء بعض القضايا العشائريَّة التي انتُدِبَ لها من عشيرة (طفيل) - وهم أصهارُ والده في الهنديَّة- وقضينا ليلتَنا فيها عند الزعيم السيِّد هادي بن السيِّد علي زوين، وانتهت القضيَّةُ كما أراد، وكان كثيرًا ما يتمثَّلُ تلك الليلة ببيت الفرزدق (همَّام بن غالب): تالله ما حملت مِن ناقةٍ رجلًا مِثلي إذا الريحُ لفَّتني على الكورِ ثمَّ رغِبَ في تشطير البيت، فقلتُ عن لسانِه مُشَطِّرًا في الحالِ: تاللهِ ما حملت مِن ناقةٌ رجلًا مُشَمِّرًا للمساعي أيَّ تشميرِ مثل الفرزدقِ همّام بن غالب أو مِثلي إذا الريحُ لفَّتني على الكورِ ثمَّ قال: يجبُ عَلَيَّ تخميسُه، واندَفعَ يقولُ مُخَمِّسًا: أنا ابنُ مَن مدحُهُم في الذِّكرِ قد نَزَلا أنا ابنُ مَن للعُلى سنوًا لنا السُبُلا فَحَقَّ إن قلتُ فخرًا فيهِمُ وعلا تالله ما حملت مِن ناقةٍ رجلًا مِثلي إذا الريحُ لفَّتني على الكورِ» ومِن شِعرِه أيضًا ما قالَهُ في دار الفاطِمِيَّة في الحِلَّة، في عام 1341هـ: أَتَينا لدار الفاطميَّةِ نَرتَجِي مِن الله تفريج الهموم العظائمِ لعلّ إلهَ الخلق يردعُ ظالمًا ويُنعِشُ مظلومًا بِرَدِّ المظالِمِ وهذان البيتان مِن الشعر قد خمَّسَهُما جُملَةٌ من الشعراء، ذَكَرَ ذلك كلَّه الخاقانيُّ في كتابه(شعراء الحِلِّة)، وذَكَرَ أنَّ مِن جُملَةِ الذين خمَّسوهما السيِّد رضا أبو القاسم الطبيب بقوله: أعيذُك إنْ خطبٌ عَرا لم يفرجِ لغير بني مهديِّها لا تعرجِ فإنّا إذا رمنا لدى الناس نلتجي أتينا لدار الفاطميَّة نرتجي مِن الله تفريجَ الهموم العظائم فإنَّ إلهَ العرش أكرمَ فاطما فأنجبَ منها للأنام تمائما لهذا ولجتُ الفاطميَّةَ ناظما لعلَّ إلهَ الخلق يردعُ ظالما وينعشُ مظلومًا بردِّ المظالمِ وخمَّسهما أيضًا أخوه السيِّد جواد، فقال: همومٌ حوتها مهجتي لم تفرجِ فقد ضاقت الدنيا فلا كهفَ التَجِي فحيث بي اشتدَّتْ وقد سدَّ منهجي أتينا لدار الفاطميَّة نرتجي مِن الله تفريجَ الهموم العظائم أيا راكبًا عَلْيًا قلوصًا رواسما لدار بني المختار إن شئتَ عازِما توسَّل بآل المصطفى الطهر دائمًا لعلَّ إلهَ الخلق يردعُ ظالما وينعشُ مظلومًا بردِّ المظالِمِ وكذا خمَّسهما أخوه السيِّد مهدي القزوينيّ، بقوله: سرينا نجدُّ السيرَ في كلِّ سجسجِ تخبّ عوادينا إلى خير منهجِ فمِن مُرتَجٍ مِنّا وما بين مُلتَجي أتينا لدار الفاطميَّة نرتجي مِن الله تفريجَ الهموم العظائم فإنّي إلى الرحمن في الدهرِ طالما توسَّلتُ فيها فاجتنيتُ المغانِما فلا عجب أمّا حثثت الرواسما لعلَّ إلهَ الخلق يردعُ ظالمًا وينعشُ مظلومًا بردِّ المظالِمِ توفِّيَ السيد محيي الدين القزوينيّ(رحمه الله)، صباح الأحد 28 جمادى الآخرة سنة 1356هـ، وحُمِلَ نعشُه مِن الهنديَّة إلى النجف الأشرف في موكبٍ عظيمٍ، ودُفِنَ في تُربَة آبائه (رحمهم الله)، وكان لنعيِه أثرٌ عظيمٌ في قلوب الفراتيِّين، ورثاه جماعة من شعراء الحِلَّة والنجف وكربلاء.