متاحف

سوق الصفارين... إرث يقاوم الاندثار

سوق الصفارين... إرث يقاوم الاندثار

في قلب الحلة، كان سوق الصفارين ينتصب بقامته المديدة، منذ أكثر من (300) عام، حيث يمتزج عبق الماضي بنكهة الحاضر، ولكنه اليوم ينازع البقاء، ويفتقد بريقه، وضجيجه، الذي أرخ لهذه المدينة، وتراثها الأصيل. من الشواهد الحضارية، والأثرية التي يزخر بها تاريخ الحلة (سوق الصفارين)، أحد الأسواق الشعبية الحرفية القديمة، إذ يعد علامة فارقة من شواخص الحلّة، وحين نسترجع أوراق الذاكرة، نجد أن البابليين كانوا من اوائل الذين نقلوا النحاس من مادته الخام إلى استعمالاته الحياتية، بعد أن تمكنوا من صهره، وتطويعه . اختلفت الآراء في تحديد نشأة هذا السوق, ويبدو جلياً أنّ نشأة هذا السوق كانت منذ تمصير مدينة الحلّة، وترجع تسميته إلى مادة النحاس (الصفر)، الذي تصنع منه الأواني المنزلية، وأباريق الشاي، والكاسات، والملاعق ، والقدور، والطسوت، ومقتنيات العروس، وحلي الطفل وحاجاته، وكان من أكبر الأسواق وأهمها في الحلة، وقد لا تجد حلياً واحداً لم يمر بهذا السوق، الذي يقع في محلة (جبران)، وهو امتداد لسوق النجّارين، وسوق الحدّادين, ويبلغ طوله خمسونَ متراً تقريبا، من مقام صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)، إلى سوق (الجللجية)، وتمتد الدكاكين على جانبيه، ثُمّ ينعطف شمالاً إلى عشرين متراً, إذ تنتشر الدكاكين الأخرى، حيث مسجد الصفارين، فيتسع تارة إلى أربعة أمتار، ويضيق أخرى. كانت مهمة (الصفّار) تطويع النحاس، لعمل الأواني، والقدور، والدلال، وغيرها، لتحيلها من مادة صماء إلى أعمال فنية رائعة، ثم استبدل بالألمنيوم (الفافون)، بدءا من النقش الدقيق وانتهاء بالنقوش الكبيرة، بأدواته التي لا تتعدى(المطرقة, السندان, المقص, الفرجال, السنبة), بأحجام وأشكال مختلفة، ولا يحتاج الصفّار إلاّ إلى ثلاث مواد هي النحاس, والفحم, واللحام، حيث يُصّب النحاس في قوالب مستديرة، وبأقطارٍ مختلفة, ثم يطرق حتى يكون بالسُمك والقُطر المطلوبين, ويسمى بـ(صفر الگلة)، وكانت الأوزان المتعامل بها، آنذاك هي (الچارك, والحگة, والوگية والمن)، ويُجَهِّز صاحب (الگلة) الصفّارَ بما يحتاجه من أشياء تتعلق بمهنته . ثُمَّ يضع الصفار الفحم المُكَسّر على فوهة(الكورة)، حيث يستعمل نوعين من النار, ناراً لأجل (الحمي) فقط، والوقود المستعمل في انتاج هذه النار هو الخشب، وعصارة التمر، وأنواع أخرى من الحطب، أمّا النارُ الأخرى فيوقدها الصفّار لأجل اللحام، ثم يقوم بوضع مادة مؤلفة من الماء، و(النشادر)، ويضع فوق تلك المادة مادة اللحام, ثم تنقل تلك القطعة على الكورة بعد وصل أجزائها، وتختلف نتاجات الصفّارين باختلاف تخصصاتهم, فهناك صفّار مختصّ بعمل الأباريق، وآخر مختصُ بصناعة القدور الكبيرة، أو المتوسطة، أو الصغيرة, و آخر مختصُ بصناعة (الطشوت)، أو (المواعين) بمختلف أحجامها. لم تتوقف منتجات هذه السوق على مستلزمات البيت مثل القدور، و(سماور الشاي)، وأدوات الحمام، والأواني، و(اللگن)، و(الجرار)، و(المغارف)، و(الچفاچير)، و(الهاونات)، وغيرها وحسب بل تتعداها إلى مستلزمات المصانع والمعامل مثل (الصفرية)، أو الحاجات الكمالية كالألواح النحاسية، وحاملات الشمع (الشمعدان)، وعُلب العطور، التي غالباً ما تُزين بالزخارف النباتية وتُطَعّم بالمينا وغير ذلك، في زمن ازدهار السوق ( 1920-1980)، أما اليوم فإن الناس يقتنون هذه الأشياء للزينة، أو الاحتفاظ بها كتحف. للصفارين تقاليدهم الأصيلة، التي توارثوها مع مهنتهم، فكان السوق يعطل في وفيات الأئمة(عليهم السلام)، كما أن لهم موكبهم الخاص، وطقوسهم المميزة في أيام عاشوراء المقدسة، وتجمعهم الألفة، والمحبة، والتعاون، في المسرات، والأحزان، وكانت سرية الخيالة تأتي بخيولها، وتقطع بها السوق ذهاباً وإياباً، لكي تدجنها على الضجيج، والأصوات العالية، فتعتاد على ذلك، فلا تنفر، أو تجفل وتهرب في المعارك، كما أنهم يعرفون محترف الصنعة من طرقه، فإن كان طرقه نشازا، عُد جديدا على المهنة، بل يستطيعون، بالخبرة، تمييز الطرقة عن الطرقة فبمجرد سماع الصوت، ورغم الضجيج الذي يصل إلى ( 70 ديسبل) يخبرونك هل هذا الصفار يطرق على دلة، أم طشت، أم إبريق. كانت هذه الحرفة شاهدا ابداعيا في سفر تراثنا الحضاري، الذي كان وما زال مثار اهتمام وانتباه السائحين في العالم، ولكنها أخذت اليوم بالانحسار، والاندثار، بسبب الصناعات النحاسية المستوردة، وقلة مادة النحاس في السوق، وتحول أغلب محاله إلى تجارية، أو لنجارة الأخشاب، وقد غلفه صمت موحش، وذبلت أنامل الإبداع، وانسحبت الأجساد المتعبة تتلفت خلفها أسفاً، وانكفأت تجتر ذكريات السوق، وصخبه الجميل، وازدحامه بالمتبضعين، والباحثين عن الجمال والابداع والفن التراثي الساحر، ونامت المطارق، والأزاميل، في سبات لا يعرف له نهاية.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...