أعلام

الشَّاعرُ المُؤرِّخ أبو البَقاء هِبةُ الله بن نَمَا الرَّبعيِّ (كَان حَيّاً 575هـ)

الشَّاعرُ المُؤرِّخ أبو البَقاء هِبةُ الله بن نَمَا الرَّبعيِّ (كَان حَيّاً 575هـ)

عُرفت المدن الإسلامية بفئة من العلامات الخيِّرة، ومن تلك العلامات الأسر العلمية أو الدِّينية أو العَسكريَّة أو التِّجاريَّة وغيرها، فكَما يُتَوارثُ المَال يبدُو أنَّ وِراثةَ العِلمِ جَاريةٌ أيضاً، وَهِي خَيرُ الإرثِ والتُّراثِ، ومِن أشهَر الأُسر الحلِّية وأقدَمها، أسرةُ آل نَما الرَّبعي الحـلّي. تَنتمي هذه الأسرةُ إلى قبيلةِ رَبيعَة العَربيَّة ويُنسَبُون إلى جدِّهم الأعلى لَقباً، وهُو نَما بن عليِّ بن حَمدُون المُعاصرُ للشَّيخ الطُّوسِي، كَما يذكر الشَّيخ البحراني، وَقال عَنهم العلَّامة يحيى بن سعيد في الجَامع للشرائع: (آل نما، طائفة كبيرةٌ في الحلَّة، فيهم العلماءُ والفقهاءُ والمحدِّثون). عُرف هبة الله بن نما الرَّبعي كُنيةً بأبي البَقاء، ولقباً بألقاب شتَّى أشهرُها الرَّئيس العفيف، وكان قَد وُلدَ في الحلَّة نهايةَ القرنِ الخَامس للهجرةِ في بيتِ علمٍ وأدبٍ وفِقهٍ، وكَانت دَارهُ مجلِساً للدرس والمُباحثة، وكَان عَالماً واسعَ العِلم جَيِّد الفهم، مَوضِعَ اجلالٍ واحترَامٍ واعتمادٍ عندَ العُلماءِ والذَّواتِ والأمرَاء، فَقد نبغَ في عُلومٍ مُختلفةٍ منها اللّغة والأدب والفقه والتاريخ، وتُنبِّئُنا عن ذلكَ كلِّهِ، المُطالعة الوافية لكتابهِ الأشهر: (المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسديَّة). إذ يكشف هذا الكتابُ، عن حذقٍ وسعهِ اطِّلاعٍ في ميادينِ العلومِ السَّابقة، وهو ما يشهد أقرانُهُ ومُعاصِرُوه، وممّا يجبُ الالتفاتُ إليه، انَّه كانَ من أُسرة عُرفَت بالشِّعر، فَقد كَان عَلَماً شِعريّاً من أعلام "آل نما"، هو ما يمكن كشفهُ بقراءةِ هذا الشِّعر ومعالجتهِ فَنِّياً ونَقدياً، وقد ذَكرهُ حَفيدُه مُتغنِّياً به: وجَدُّ أبي الحَبْرُ الفقيهُ أبي البقـــــــــا فما زال في نقــل العـلوم مقدمـــــــــا يودُّ أناسٌ هَدْمَ ما شَـيـَّد العُــــــــــــلا وهيهاتَ للمعـروفِ أن يتَـهـدَّمـَــــــــا وَقد تتلمذ أبو البقاءِ على يدِ بعضِ أعلامِ عَصره، ومنهُم: • أبو الغنائم محمد بن علي النرسي، الذي كان قارئً للقرآن، حتَّى شُبِّهَ بـ (أُبي)، وكان مُحدِّثاً مَعرُوفاً توفي 510هـ. • القاضي أحمد بن قدامة الأنباري النحوي، قَال عنه ياقوت: صنَّف كِتاباً في النَّحو، توفي 486هـ. • أبو الحسن محمد بن الورَّاق النَّحوي، كان ذا باعٍ في علومِ القُرآن والنَّحو، ثقةً صدوقاً مُقدَّماً عند الخلفاء، توفي 470هـ. وغيرهم من الاعلام الذين رحل لطلب العلم عندهم في بغدادَ وغيرها من الأمصار. يُعدُّ كتابهُ (المناقب المزيدية في تاريخ الملوك الأسدية)، واحداً من أهم الكُتب الَّتي تُؤرِّخ لأيَّام العرب القدماءِ، حتَّى أيام الإمارة المزيديَّة، الَّتي كان فيها هبة الله شاعراً مجداً محسناً، وحين نتتبع هذا الكتابَ، نجدُ أن أغلبَ شِعر شَاعرنا في بَاب المعارَضات الشِّعرية، فقد يرَى شعراً لأحد الشعراء الفحول في واحد الأمراءِ، فيُعارضُه ويكتبُ في سيفِ الدَّولة شِعراً مثلهُ، ومنها قَولُه في مَدح الأميرِ ملكِ العَرب سَيف الدَّولة الأسدي: يَرُمُّ الحَفلُ حينَ يقولُ عَنهُ وقَد خَفَّت لِهيبتِهِ القلوبُ كَما زأرَ الهزبرُ فلاذَ مِنهُ ثعَالبُ جُلّ صَولتِها الضَغيبُ فَليسُوا بادئي قولٍ ولولا تهلًّلَهُ لهابُوا أن يُجيبُوا فهوَ في أسلوبه الشِّعري، يُرجعنا إلى أيَّام المجد في الشِّعر العَربي، حينما كانت الكلماتُ فخمةً عاليةً مفعمةً بالحماسِ والتَّصوير مع سهولَتها وعذوبَتها. ولهُ قصيدةٌ يُعارضُ بها المرَّار بن سَعيد الفقعسي، وهو شاعر اسلامي مَعروف، أدرك ملك بني أمية، إذ يقول أبو البقاء في مدح سيف الدولة: شوامخ لا تعتليها النسورُ و لا تتساندُ فيها الوعولُ فكانت له ثمرات العُلى و فرغ مناسبها و الأصولُ وله قصيدةٌ يذكر فيها شرف سيف الدَّولة ونجدته وفائه للسلاطين، وهي من علامات الشَّرف بين الملوك، لذا نجده يقصُّ خبرَ وفاء المزيديِّ للسُّلطان غياثُ الدِّين أبو شجاع محمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان، إثر نزاعه مع الأمير أياز التركي: ثم استغاث غياث الدين منه بذي بسالةٍ عنه لم تبعُدْ ولم تغبِ على أياز وقد أبدى الشِّقاقَ له فَصار صيرورهٌ منه إلى العطبِ والظَّاهر من شِعر أبي البقاء، أنه بمثابة التَّسجيل الفَنِّي والذَّاكرة السِّياسية، فقد سجَّل وقائعَ الحروبِ والـمُلك، فكأنَّهُ يحملُ همَّاً بالِغاً في حفظِ هذه الأحداث ونقلِهَا للأجيَال، ولَيس أفضل من المزاوجة بين الشِّعر والنثر لحفظ هذا التراث. ومن شعره في الحكمة الَّتي عُرفت بها: ثقة الشَّريف بما تجمع فيه من مجدهِ عن ثأوهِ يُغنيهِ فتراهُ في جُلسائهِ مُتواضعًا إذ كانَ شَائعُ مَجدهِ يَكفِيهِ وتَرى الوضيعَ إذا تسنَّم رتبةً أو نالَ مِن دُنياهُ مَا يُغنيهِ مِثلَ المريبِ منافِسًا في قدرهِ مُتعلِّقاً من جهلهِ بالتِّيهِ مُتمسِّكا بالكِبرِ يحسبُ إنَّهُ زينٌ له من شَينهِ يُنجيهِ فيزيدهُ ضِعةً ومَقتاً كِبرهُ في الأجنَبينِ وأهله وذَويهِ ومن معارضاته الرائعة، قصيدته التي يقف بها أمام شاعر كبير مثل عبيد الله بن قيس الرقيات، حين يمدح ابن الزبير، فنجد هبة الله يمدح اللأمير الشجاع صدقة بن منصور، بأجمل من قول ابن قيس الرقيات، حين يقول: يَرُمّ الحفلّ حين يقولُ عنه وقد خفّت لهيبتهِ القلوبُ كما زأر الهزبرُ فلاذ منهُ ثعالبُ جل صَولتها الضغيبُ فليسوا بادئي قولٍ ولولا تهللهُ لهابوا أن يجيبوا فهو يكشف لنا في شعره بأنه من الشعراء الفحول شعراً وشاعريةً وأسلوباً وفناً، بديل المقدرة الكبيرة على مضارعة الشعراء، وإجادة المعنى وتحصيله باسهل الطرق وأيسرها، وهو من العلامات التي تدل على المهارة الشعرية والمكلة الفنية المتسيِّدة. ومن تسجيلاته التاريخية الشعرية المميزة، عندما سجَّل لواحدةٍ من الوقائع المميَّزةِ، وهي "وقعةُ عانة" الَّتي كانَت داخلة في حدودِ مُلْكِ مَلِكِ العَرب سيفِ الدَّولة، فهو يصفُ كيفَ عَبرت خَيل المزيديِّ نَهر الفُرات، واقتحمت الحِصن واهلكَت الجُند التُّركَ الَّذين كانوا فيه، ما بينَ غَريق وقَتيلٍ وأسِير: و يومَ عانةَ لما أن غَدا بُلك في أمره لَبِكٌ من شدَّةِ الرَّهبِ إذ كَان أصحَابُه الأشقَون يومئذٍ لِنار فَيلَقِه المنصُورِ كالحَطَبِ شَابوا الفراتَ بقانٍ من دِمائِهم حتَّى بدا فِيه لونٌ من دَمٍ سَرِبِ فَهُو لا يسجل التَّاريخ فقط، وإنَّما يقفُ شاهداً وشَاخصاً بوجه كل محاولات طمس هذا التاريخ أو تزييفهِ، مؤرِّخاً للأيَّام النَّيِّرة في تاريخ العَرب والحلِّيين، أبان حكم الدَّولة المزيدية وأميرهم الشهم الشجاع سيف الدَّولة صدقة بن منصور المزيدي الاسدي، وهو لا يسجل تاريخ سيف الدَّولة وحسب وانما يشرع في إحياء ذكرى ملوك العرب المتقدمين وشعرائهم العظام.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...