أعلام
الشيخ محمود سماكة الحلّيّ
كانت منظومة المعارف الإلهيّة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وما زالت ترفد بني الإنسانيّة بآيات العطاء وصناديد العقيدة وجهابذة العلم وأساطين المعرفة وسفراء الكلمة الطيّبة، لتلقي بظلال شجرتها الأخلاقيّة السامقة على المتفيّئين شوقاً لعلوّ الرتبة وصفاء المنهل العذب، حتى ترسّخ ذلك الوجود بقوّة وتمكّن في عالم المعرفة والعلوم بشتّى أنواعها ومختلف آفاقها، مستحوذة على مفاتن الإعجاب والوقوف بتأمّل وإكبار لعظمة هذا العطاء. فكان رجالاتها على الدوام وفي شتّى الأعصر قامات شامخة في حمل الفكر الذي لأجله خلق الله تعالى الإنسان ليحيى على إنسانيّته، يعمِّرُ الأرض وينشر الكلمة الطيّبة على وجه البسيطة. ومن هذه القامات الشامخة العالم الجليل الفاضل، والفقيه المدّقق، والزاهد العابد الورع عن حطام الدنيا، والظهور بمظهر الفقيه المُشار إليه بإشارة المكانة والرفعة والسموّ .. الشيخ محمود سماكة الحلّيّ هو: محمود ابن الشيخ عبد الحسين بن مرتضى بن يونس الربيعيّ الحلّيّ رضوان الله تعالى عليه. ولد ونشأ وترعرع في مدينته الفيحاء، ناهلًا ممّا ورثته المدينة المنيفة من خزانة المعارف والعلوم العقليّة والنقليّة، وما خلّفه الأكابر من عظماء وجهابذة الأصول والفقاهة في الحوزة العلميّة الحليّة، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجريّ، حتى إذا اشتد عوده العلميّ ووضع أقدامًا راسخة على جادّة الفقه والأصول، قرّر الارتحال إلى مهوى العلماء، ومريديّ الجوار الشريف بحضرة باب مدينة العلم النبويّة الشامخة حضرة المولى الأعظم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، في أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجريّ، وكانت النجف حينها تعجُّ بالفحول والأوحدين من الفقهاء الكرام والمراجع العظام، يتسيّدُ ساحتهم آية الله العظمى الفقيه محمّد حسين الكاظميّ (قدس سره)، الذي استقطب وجوده الوافدين لطلب العلم والمعرفة من خارج العراق، حيث كانت مرجعيّته عامّة دانَ لها المؤمنون في العراق وإيران والقطيف والإحساء ولبنان وسوريا والكويت والبحرين وغيرهن. انتقل الشيخ العلّامة محمود سماكة إلى أروقة الحوزة العلميّة النجفيّة ومعه انتقلت معالم القداسة والنسك والإخلاص في شخصه وسيرته، حتى أصبح ذلك متعارفًا عليه بين أقرانه ومعارفه هناك من شتّى المشارب والاتجاهات. قال عنه العلّامة الشيخ حرز الدّين " الشيخ محمود ابن الشيخ عبد الحسين سماكة الحلّيّ كان عالمًا فاضلاً، جليلاً، تقيًا، زاهدًا، مترسّلاً في تعيُشه، يكره حبّ الظهور، منكرًا للمنكر، عاصرناه في بلدنا النجف عند هجرته إليها، وأقام فيها سنين عديدة في العصر الزاهر الحافل بالعلماء وأهل التحقيق". لقد كان الشيخ محمود سماكة (رحمة الله عليه) فقيهًا متقنًا لمقدّمات فقاهته، كما أتقنها في أصوله، وامتاز بنبوغه الملفت للنظر في علم الهيئة والهندسة والحساب، فضلًا عن إحاطة رائعة بعلوم العربيّة والمعاني والبيان، وقال الشيخ محمّد جعفر الطبسي في (معجم فقهاء الخطباء) " كان المدرّس الأول في علم الهيئة والرياضيات ". تتلمذ الشيخ الحلّيّ (قدست نفسه الطاهرة) على ثلّة من أهل العلم والفضل والمعرفة، منهم: السيد محمّد هاشم الشرموطيّ النجفيّ(ت 1308هـ)، في علم الهيئة والحساب، حيث قرأ عليه شرح تشريح الأفلاك، وشرح الخلاصة في الحساب، واللّذان استنسخهما قبل عودته إلى مدينته المباركة، كما حضر درس الفقيه الشيخ محمود بن محمّد بن ياسين بن ذهب النجفيّ الظالميّ (ت 1324 هـ)، والشيخ علي الخاقانيّ العالم الفقيه والأصولي المدقّق صاحب الرجال، (ت 1334هـ) ، والسيّد عبد الكريم الكاظميّ العالم الربّاني المعروف، (ت 1308هـ)، والشيخ موسى شرارة العامليّ عالم دين ومصلح دينيّ من جبل عامل، (ت 1304هـ) وأضرابهم. وحينما عاد إلى مدينته المباركة الحلّة الفيحاء قام بفتح حلقة الدرس فيها، إيمانًا منه بأنّ زكاة العلم نشره، فاجتمع عليه كثير من الأفاضل لينهلوا من معارفه وعلومه، وهنا يتجسّد التفاني في عطاء الإنسان العالم وإخلاصه لدينه، فكان رحمه الله يُدرِّس كلّما طُلِبَ ذلك منه، من المقدّمات إلى مطالب الأصول المتقدّمة. ويمكن الاستدلال على شهرته العلميّة الذائعة وثاقب فكره النيّر من خلال حادثة ملفتة للنظر، تمثّلت بحضور بعض أئمّة مساجد العامّة وجمع غفير من طلبتهم لديه في علوم الحساب والهيئة والأصول. وقال الطبسيّ: "عاش الفقيه محمود سماكة محبوبًا مُحترَمًا مُهابًا عند أهالي الحلّة الفيحاء، عشقوا فيه صفاته النبيلة وإنسانيّته التي تقطر تفانيًا من أجل بني الإنسان، يصفه أقرانه ومن زاروهُ في الحِلّة بأنّه " ليّنُ العريكة، محمود السيرة، محبوبًا بين الناس ". ويُعدُّ مجلسه من المجالس الأدبيّة المعروفة في مدينة الحلّة، حيث قصدها طُلاب الذائقة الشِّعريّة والمساجلات الجميلة والنكات والطُرَف الرائقة. وكان إمام الجماعة في محلّة الجامعين، نشر من معاني الفضيلة والصفاء ما جعله قبلة لمريديه، يقتفون خطاه المقترنة بذكر الله العظيم، ومحبّة أوليائه الطاهرين (عليهم السلام)، انتقل بعدها إلى محلّة الورديّة بطلب من أهالي المحلّة، واشترى له دارًا، وفيها أنجب أولاده الحجّة الشيخ محمّد سماكه، والحجّة الشيخ علي سماكه (رحمهما الله) ، وبقية أولاده وبناته. توفّي شيخنا العلّامة الفقيه الشيخ محمود سماكة الحلّيّ (رضوان الله عليه) في العام 1337 هـ، في مدينته المباركة الحلّة، وحمل جثمانه الطاهر إلى مدينة أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه)، حيث صلّى عليه المرجع الدّينيّ الكبير السيّد كاظم اليزدي (رضوان الله عليه)، ودفن في الرواق الطاهر في الصحن العلويّ المقدّس ليكون قريبًا من مولاه الذي يرتجي ضمانته وشفاعته، بعد تحقيق أمله بأن يكون عبدًا مملوكًا للمولى الأعظم أبي تراب (صلوات الله عليه).