مكتبات عامة او شخصية
إجازة العلَّامة الحِلِّيّ للسيِّد محمَّد الدشتكيّ
عُرِفَ العلّامةُ الحِلِّيّ ـ قدس سره ـ (ت726هـ) بكثرة تلاميذه والرّاوين عنه، إذ كتبَ جُملةً من الإجازات بأنواعها لجُملةٍ من تلامذته، كان منها إجازة متوسّطة كتبها بتاريخ(15 جمادى الأولى سنة 724هـ) في بغداد، وذَكرَ ـ قدس سره ـ فيها أنّ المُجازَ بها هو (صدر الدين محمّد إبراهيم [كذا] الدشتكيّ). فمَن هو (صدرُ الدين) هذا ؟ وعلى أيِّ كتاب كُتِبَت هذه الإجازة ؟ ذَكَرَ السيِّدُ محمَّد عليّ الروضاتيّ (ت1433هـ) في (تكملة الذريعة:1/34) أنَّ ثمَّة نُسخةً مِن (خلاصة الأقوال) قد أجازَ العلّامةُ الحِلِّيُّ ـ قدس سره ـ عليها تلميذَهُ السيِّد صدر الدين أبا إبراهيم محمَّد بن إسحاق الدشتكيّ (كان حيًّا سنة 724هـ) بتاريخ منتصف جمادى الأولى سنة 724هـ في بغداد، وذَكَرَ ـ رحمه الله ـ أنَّ الدكتور عبد الله فيَّاض (ت1983م) قد نشَـرَ صورتَها في كتابه (الإجازات العلميَّة:88) عن نُسخَة الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ (ت1380هـ)، والأمرُ كما ذَكَر. لكن عند الرجوع إلى ما ذَكَرَهُ الشيخُ الطهرانيُّ في (طبقات أعلام الشيعة: 5/178) سنجدُ أنَّه ذَكَرَ تلك الإجازةَ على أنَّها مكتوبة على ظهرِ نُسخَةٍ مِن كتاب (قواعد الأحكام) للعلَّامة الحِلِّيّ، ذُكِـرَ في (فهرس فنخا: 25/426) أنَّها موجودة في المكتبة المركزيّة في جامعة طهران بالرقم 704/1، إلّا أنّ الدكتور عبد الله فيّاض قد ذَكَرَ في (الإجازات العلميَّة عند المسلمين: 88) بأنَّه حصلَ على صورة هذه الإجازة من الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ بعد أن علَّقَ عليها الشيخُ بما نصُّه: «كَتَبَ العلَّامةُ هذه الإجازة على ظهرِ نُسخَةٍ من (الخلاصة في الرجال) مِن تأليفاتِه، قرأهُ السيّدُ المجازُ عليه، ثمَّ استُنسِخت الإجازةُ عن خطِّ العلَّامة في آخر نُسخَةٍ ثانية، وانتُسِخَت عن الثانية ثالثةٌ هي الأصل للنُّسَخ الموجودة في موقوفة مدرسة السيِّد البروجرديّ، فهذه النُّسخَةُ منقولة عن خطِّ العلّامة بواسطتين». أقول: إمّا أن يكونَ الشيخ الطهرانيّ ـ قدس سره ـ قد كتبَ هذا التعليقَ سهوًا وغفلةً، وأثبته الفيّاضُ كما هو، أو أن يكون الشيخُ قد أرسَلَه صحيحًا - بأنّ الإجازة كانت على (قواعد الأحكام)- إلَّا أنَّ الدكتور الفيّاض قد سَها عن ضبطِ هذا التعليق، فكتبَ أنّ الإجازةَ كانت على (خلاصة الأقوال). وقد ذَكَرَ السيِّدُ الروضاتيُّ في (تكملة الطبقات: 210) أنَّ الشيخ الطهرانيّ قد أخطأ في وضع كلمة (أبو) بين (محمَّد) و(إبراهيم) - على أنَّ كُنيةَ المُجاز (أبو إبراهيم)- في إجازة العلَّامة له؛ لأنّها لم تَرِد في نصِّ تلك الإجازة، واعتمادًا على ذلك استظهرَ السيِّدُ الروضاتيُّ أنّ المُسمّى (محمَّدًا بن إسحاق الدشتكيّ) هو غير (محمَّد إبراهيم الدشتكيّ) المُجاز من قِبَل العلَّامة بهذه الإجازة، فقالَ السيِّدُ في (تكملة طبقات أعلام الشيعة:210) مُعلِّقًا على ما عنونَهُ الشيخُ الطهرانيُّ بـقوله:(محمّد أبو إبراهيم بن إسحاق الدشتكيّ) في (طبقات أعلام الشيعة: 5/178) بما نصُّه: «هذا مِن غرائب الأخطاء، فإنَّ الذي يُقرَأُ جَلِيًّا في نفسِ الإجازة هو قولُه: (صدر الدين محمَّد إبراهيم الدشتكيّ)، فإضافة (أبو) في البَينِ مِن الغرائب، وعلى ما ذَكَرنا فالمُجازُ بهذه الإجازة لا يُمكن أن يكون (محمَّدًا بن إسحاق الدشتكيّ) المذكور في المتن، وتكنيتُه بـ(أبي إبراهيم) أيضًا غلطٌ». أقول: لم يُخطئ الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ عندما جعلَ المُجازَ بهذه الإجازة (محمَّدًا بن إسحاق الدشتكيّ)، ولم يغلط في تكنيته بـ(أبي إبراهيم)؛ لأنّ لمحمَّدٍ بن إسحاق الدشتكيّ ولدًا اسمُه (إبراهيم)، كان من أهل العلم والفضيلة، ذَكَرَهُ الشيخُ معين الدين جُنَيد بن محمود بن محمَّد بن عمر العمريّ الشيرازيّ (كان حيًّا سنة 740هـ) في كتابه (شدّ الإزار في حطِّ الأوزار عن زوّار المزار: 321 رقم 227) بما نصُّه: «الأمير شـرف الدين إبراهيم بن صدر الدين محمَّد بن إسحق بن عليّ بن عربشاه، كان سيِّدًا فاضلًا، حسنَ الكلام، كاملَ العقل، ذا جاهٍ رفيعٍ، ومنصبٍ عالٍ، له قَدَم في الفقر والتّصوّف، قد سافَرَ مع والدِهِ، ورأى المشايخَ وقَرَأَ عليهم، منهم: الشيخ صدر الدّين أبو المجامع (ت722هـ) والشيخ علاء الدّولة السّمنانىّ (ت736هـ)، وغيرهما»، وهذا يدلُّ على أنَّه أدرَكَ زمانَ العلّامةِ الحِلِّيّ ـ قدس سره ـ. وذَكَرَه السيِّد عليّ خان المدنيّ (ت1120هـ) في كتابِه (الدرجات الرفيعة: 2/1156 رقم 42)، ونصَّ - بعد ذِكرِ اسمِهِ- على أنَّه جدُّه بقولِه: «إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق بن عليّ بن عربشاه، وهو الجدُّ الحادي عَشَـر لمؤلِّف الكتاب» يَقصدُ نفسَه. وقد رفَعَ السيِّدُ عليّ خان المدنيّ في (رحلة ابن معصوم: 72، 74) عمودَ نسبِهِ الشـريف إلى زيد الشهيد - جدِّه الثامن والعشـرين- ابن الإمام زين العابدين عليه السلام، ذاكِرًا فيه جدَّهُ (إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق الدشتكيّ)، فقالَ فيه ما نصُّه:«أنا عليّ، بن أحمد نظام الدين، بن محمَّد معصوم، بن أحمد نظام الدين، بن إبراهيم، بن سلام الله، بن مسعود عماد الدين، بن محمَّد صدر الدين، [بن منصور غياث الدين، بن محمَّد صدر الدين الثاني، بن إبراهيم شرف الدين، بن محمّد صدر الدين الأوَّل]، بن إسحاق عزّ الدين، بن عليّ ضياء الدين، بن عربشاه فخر الدين، بن أميرَ أنْبِه عزّ الدين أبي المكارم، بن أميري خطير الدين، بن الحسن شرف الدين أبي عليّ،..»، إلى آخر السلسلة الشريفة المتَّصلة بزيد الشهيد ابن الإمام السجّاد عليه السلام. وذَكَرَهُ الشيخُ الطهرانيُّ في (طبقات أعلام الشيعة: 5/3-4)، وقال فيه ما نصُّه: «كان والدُه صدر الدين أبو إبراهيم الدشتكيّ مجازًا عن العلَّامة الحِلِّيّ في (724هـ) بهذا الوصف مع الاطراء .. ويروي المترجَم له [أي إبراهيم] عن والدِه المذكور، عن الحِلِّيّ، ويروي عنه ولدُهُ السيِّد صدر الدين محمَّد الثاني، والدُ غياث الدين منصور الأوّل، الذي هو والد المير صدر الدين محمَّد الشهيد في (903هـ)، مِن الآباء الذين يروي كلٌّ منهم عن والدِهِ، كما ذكَرَهُ حفيدُه السيِّد عليّ خان المدنيّ». فيُفادُ من جُملةِ ذلك أنَّ (محمّدًا الدشتكيّ) المُجازَ من العلَّامة الحِلِّيّ في سنة 724هـ قد أعقَبَ وَلَدًا اسمُهُ (إبراهيم)، وهو يروي عن أبيه، عن العلَّامة. وجاءَ في الإجازة ما نصُّه: «قَرَأَ عليَّ السيِّدُ العالِمُ، الفقيهُ الكبيرُ، الفاضلُ الزاهدُ، الورعُ العلّامةُ، أفضلُ المتأخِّرين، لسانُ المتقدِّمين، مولانا ملكُ الأئمّة والفضلاء، صدرُ الدين محمَّد [أبو] إبراهيم الدشتكيّ - أدامَ اللهُ تعالى توفيقَه وتسديدَه، وأَجزَلَ من كلِّ غارِفَةٍ حظَّهُ ومزيدَه، وأدامَ بقاءهُ ورفعَتَه، وأفاضَ عليه بركاتِه ورحمتَه - هذا الكتابَ قراءةً مهذَّبةً مرضيَّةً، تشهدُ بفضلِه، وتدلُّ على نُبلِهِ، وتُعرِبُ عن فطانتِه، وتُنبئُ عن جودَةِ قريحَتِهِ، وبحثَ في أثناء قراءتِه، وتَبيَّنَ عند مباحثتِه عمّا أشكلَ عليهِ مِن فِقهِ الكتاب، فبيَّنتُ له ذلك بيانًا وافيًا، فأخذهُ أخذَ عارفٍ مُستًبصِـرٍ، وقد أجزتُ له روايةَ هذا الكتابِ وغيرِه مِن مصنَّفاتي وقراءاتي وجميعِ ما أمليتُهُ ورويتُه وأُجيزَ لي روايتُه مِن كُتُب أصحابنا السابقين - رضوان الله عليهم أجمعين-، فَليَروِ ذلك لمن شاءَ وأَحَبَّ، محتاطًا لي وله في الرواية، وأنا بريء مِن الغلط والتحريف والتصحيف. وكتَبَ العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن عليّ بن المطهَّر مصنِّفُ الكتاب في منتصف جمادى الأولى من سنة أربعٍ وعشرين وسبعمائة ببغداد، حامدًا لله على آلائِهِ، مصلِّيًا على سيِّد رسلِه وأنبيائه محمَّدٍ المصطفى وعترته الأطهار». فما وَرَدَ في نصِّ إجازة العلّامة الحِلِّيّ ما صورتُه هكذا: (محمَّد إبراهيم) مِن المُحتَمَل فيه أن تكون كلمة (أبو) الفاصلة بينهما قد سقطت سهوًا مِن قَلَم العلّامة ـ قدس سره ـ، وليس هذا ببعيد؛ إذ لا يُعلَم وجودُ هذا النحوِ من التركيب - محمّد إبراهيم- في أسماء الأعلام في تلك الحِقبَة من الزمن، بل هو تركيبٌ حادِثٌ دخيلٌ على اللغة العربيّة وليس منها في شيء، وإن قيل إنَّ (إبراهيم) هو اسمٌ آخرُ لـ(محمَّد) المُجازِ بها، فمردودٌ بأنَّهُ قد جَرَت العادةُ إن كان لأحدهم اسمان لَزَمَت الإشارةُ إلى ذلك، كأن يُقال: المعروف بفلان، أو المشتهر بفلان، وهكذا، فلا يُذكَرُ الاسمُ الثاني من دون هذه الإشارة الصـريحة إلى تعدّد الاسم، هذا أوَّلًا. وثانيًّا: ليس في أجداد السيِّد عليّ خان المدنيّ مَن اسمُه (محمَّد إبراهيم) بهذا النحو من التركيب، وكذا لا يمكن أن يكون المُجازُ بهذه الإجازة هو (إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق الدشتكيّ) المتوفّى سنة 788هـ؛ لأنَّه – على ما يبدو- متأخِّرُ الطبقة عن العلّامة، وبطريقٍ أوْلى تأخُّرُ طبقةِ ولدِهِ (محمَّد بن إبراهيم بن محمّد) عن العلّامة الحِلِّيّ ـ قدس سره ـ. ومِن الغريب ما ذكرَهُ العلَّامةُ السيِّدُ عبد العزيز الطباطبائيُّ ـ رحمه الله ـ (ت1416هـ) في كتابه (مكتبة العلَّامة الحِلِّيّ: 137، 138) مِن أنَّ المُجازَ بهذه الإجازة هو (محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد الدشتكيّ)، وهو مندفعٌ بما تقدَّم مِن أنَّه متأخِّرٌ عن طبقة العلَّامة الحِلِّيّ، فلاحظ. تبيَّنَ لنا مِن جُملة ما تقدَّم أنّ المُجازَ بهذه الإجازة هو (أبو إبراهيم، صدر الدين الأوَّل محمّد، ابن عزّ الدين إسحاق، ابن ضياء الدين عليّ، ابن فخر الدين عربشاه، الدشتكيّ الحُسينيّ)، ليس غيرُه، واللهُ العالِم. مخطوطة إجازة العلّامة الحِلِّيّ بخطِّه الشريف للسيِّد أبي إبراهيم محمَّد بن إسحاق الدشتكيّ على كتاب (قواعِد الأحكام)