المراقد والمقامات الدينية
مسجد أبو الطين
عرفت مدينة الحلة الفيحاء، وعلى طول تأريخها الممتد إلى أكثر من عشرة قرون، بكثرة المراقد والمزارات والمساجد، إذ لاتكاد ترى شارعا أو محلة أو زقاقا لايضم بين جنباته ذلك المعلم الذي يكون موضع تقديس ورعاية وإهتمام الحليين به، فهناك من يعنى بعمارته، وآخر يهتم بنظافته والعناية به، ومنهم من يوظف نفسه لخدمته، لايريد بذلك غير رضوان الله سبحانه. كانت المساجد قديما تؤدي وظائف عديدة، إضافة إلى مهمتها الأساسية وهي العبادة، فقد كانت دورا للقضاء والإفتاء، واستخدمت كحلقات للدرس والتعليم والوعظ، كما أنها احتضنت العلماء الذين أخرجوا الكثير من مؤلفاتهم فيها، وبعض هذه المساجد كان يضم مدرسة علمية، أو ضريحا، أو مقاما، أو مزارا يتبرك به، كما كان يعتكف فيها، أو تكون ملجأ لعابر السبيل والغريب، ومقصدا لقضاء الحوائج والقضايا الإجتماعية . بقي هذا الدور المهم الذي اضطلعت به المساجد حتى مطلع القرن العشرين، فاصبحت أماكن للإجتماعات الوطنية التي تدعو إلى الإستقلال والتحرر، وبث الوعي ومناهضة المستعمر، وقد تنطلق منها المظاهرات، أو تكون مراكز انتخابية كما في خمسينيات القرن الماضي، كما أنها كانت مكان اجتماع الناس في ليالي شهر رمضان، ومكانا لدراسة الصبيان في الكتاتيب، وهناك مساجد لها تاريخ سحيق، وأخرى لها مواقع استراتيجية ومساحات واسعة اشتهرت باقامة الفواتح، وهناك مساجد أصبحت مقرات للمواكب حسينية، بينما اشتهرت غيرها بأسماء بيوتات الحلة وعوائلها، وهناك مساجد مراقد وأخرى لأصحاب مهن، وغيرها، وكانت هذه المساجد موضع عناية الناس، حيث حرصوا على ديمومتها، وترميمها، أو إعادة بنائها، وهناك مساجد لديها أوقاف تعد موردا لترميمها، أو من الوجهاء والميسورين والمتبرعين، ومن هذه المساجد التي اشتهرت في مدينة الحلة مسجد أبو الطين . يقع مسجد أبو الطين في محلة التعيس القديمة، التي كانت عبارة عن بساتين للنخيل والحمضيات، وتسقى بالنواعير من شط الحلة الذي يعتبر حدا للمحلة من جهة الشرق، أما من الغرب فيحدها الشارع العام الرابط بين منطقة باب الحسين وباب المشهد الذي يفصل بين المحلة وحي شبّر، حيث كانت القوافل التجارية المارة بالحلة تحط رحالها عند تلال هذه المنطقة، وكان أهالي الحلة يسمون المكان (تل العيس) أي تل الجمال 0 يتصدر هذا المسجد بداية شارع التعيس، الذي يمتد في نهايته حتى مقام الخضر(عليه السلام)، وعرف المسجد باسم مؤسسه المرحوم جاسم محمد أبو الطين، وقد كان في السابق مجاورا لداره، ومخزنا لبضاعته من طين الخاوة (وهو نوع من الطين يشبه الكلس يكثر في المناطق المرتفعة والتلال، له لون أحمر داكن يجبل بالماء، ويعالج به من قشرة الرأس)، وكان الممّول لبيع الجملة والمفرد الوحيد في الحلة والفرات الأوسط، حتى اشتهرت عائلته باسمه واصبح لقبا لها، مع بضائع أخرى إنفردت هذه العائلة بتجارتها. يحدثنا القيّم على المسجد السيد قحطان شبر إن محلة التعيس كانت تفتقر إلى مسجد يخص أبناء المحلة، فعمد الحاج جاسم محمد إلى إلغاء هذا المخزن وتشييده مسجدا، ليبقى صدقة جارية حيث تقام به الشعائر الحسينية، والفواتح على مدار السنة، وكان بناؤه من الجذوع والحصران وحجر بابل القديم، حتى قام بتجديد عمارته السيد صاحب السيد جاسم بهية عام 1955، وكان المؤذن فيه الحاج حسن القريشي، وفي عام 2008 قام المتبرع الحاج شهيد حمود بوحي الخفاجي بتغليف واجهة المسجد بحجر الحلان مما أعطاه جمالية، كما قامت دائرة الأوقاف بإعادة بناء المسجد بعد هدمه مما أخفى صورته القديمة عام 2008، وزاد من سعة فنائه الداخلي الذي أخذ يتسع لإقامة الفواتح والمناسبات الدينية. كان هذا المسجد مقرا لموكب عزاء التعيس، حيث تقام فيه مجالس العزاء، وينطلق منه في العشرة الأولى من محرم الحرام متوجها إلى بيت الفاطمية، ومن بعدها يتوجه الموكب إلى حسينية إبن طاوس، ويشترك أبناء المحلة في دعمه والمشاركة في المراسم الحسينية المقدسة.