مكتبات عامة او شخصية
كتاب التحرير الطّاووسي (أصله، ومتنه)
يُعدّ كتاب (حلّ الإشكال في معرفة الرجال) أصل كتاب (التحرير الطاووسيّ)، مِن أشهر الكتب الرجاليَّة المؤلَّفة في القرن السابع الهجريّ؛ وذلك لجلالة قدر مؤلِّفه، ومكانته العلميَّة، وبراعته في هذا الفنّ، فهو العالم الفقيه، الرجاليّ الكبير، والأديب الشاعِر السَّيِّد أبي الفضائل جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر ابن طاووس الحسنيّ الحِلِّيّ المتوفَّى سنة (673هـ)، وكانت له مُشاركات مهمّة وإسهامات مُفيدة في تطوِّر وإنضاج علم الدراية والرجال، فهو أوَّل مَن وضع اصطلاحات علوم الحديث الجديدة للإماميَّة، مِن صحيحٍ، وحسنٍ، وموثّقٍ، وضعيفٍ، وكانت له المشاركة الواسعة في تحقيقها وضبطها متنًا وسندًا وروايةً، وترتيبها وتهذيبها، فنجد تلميذه الأرشد تقيّ الدين ابن داوود، يقول في حقِّه، مُشيرًا إلى فضلِه ومكانته العلميَّة. وقال ابن داود في مؤلَّفه "الرجال" سيِّدنا الطاهر الإمام المعظَّم، فقيه أهل البيت جمال الدين أبو الفضائل مات سنة ثلاث وسبعين وستمائة، مُصنَّف مجتهد، كان أورع فضلاء زمانه قرأتُ عليه أكثر(البشرى) و(الملاذ) وغير ذلك من تصانيفه، إلى قوله: وله غير ذلك تمام اثنين وثمانين مجلّدا مِن أحسن التصانيف وأحقّها، وحقَّق الرجال والرواية والتفسير تحقيقًا لا مزيدَ عليه، ربّاني وعلّمني وأحسن إليَّ، وأكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشاراته وتحقيقاته جزاه الله عنّي أفضل جزاء المحسنين. وأشار الشيخ آغا بزرك في "الذريعة" بأنَّ تلميذه النابه عين الفضلاء وقدوة العلماء جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهِّر الحِلِّيّ المعروف بالعلَّامة الحليّ ممَّن استفاد أيضًا من كتابه هذا – التحرير الطاووسيّ - في كتابه خلاصة الأقوال. وجاء في مقدمة كتاب التحرير الطاووسي ما نصَّه: أنَّ السَّيِّد جمال الدين ابن طاووس قد عمَد في مؤلَّفه (حلّ الاشكال) إلى جمع ما في الأصول الخمسة الرجاليّة؛ النجاشي، والفهرست، ورجال الشيخ، ورجال الضعفاء لابن الغضائريّ، وكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشيّ، وكان السَّيِّد قد حرَّر كتاب الاختيار وهذَّب أخباره متنًا وسندًا ووزّعها في طيّ الكتاب حسب ما رتّب فيه تراجم الرجال، كلٌّ في ترجمته. فجاء الكتاب في ترتيبه وتهذيبه وفوائده من أفضل الكتب الرجاليّة المعروفة. أمَّا نسبة الكتاب إليه، فقد اتّفقَّ جلّ أصحاب المعاجم والتراجم على نسبته إليه، كالشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العامليّ الذي صرَّح بأنّ نسخته عنده، والميرزا الأفندي في رياض العلماء، وأيضًا في تعليقة أمل الآمل، والسَّيِّد محمَّد مهدي بحر العلوم في الفوائد الرجاليّة، والسَّيِّد الخوانساريّ في روضات الجنّات، والشيخ النوريّ في خاتمة مستدرك الوسائل، والشيخ آغا بزرك في الذريعة والطبقات، وغيرهم كثير، ويقفُ في مقدمتهم الشيخ المعظَّم والعالم المكرَّم خاتمة المجتهدين، وخلاصة العلماء العاملين، صاحب كتاب معالم الدين، الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني العامليّ (ت1011هـ)، الذي لمّا ظفر بهذا الكتاب وكان قد ورثه من أبيه الشهيد ، ورآه مشرفًا على التلف انتزع منه ما حرَّره السَّيِّد ابن طاووس ووزّعه في أبواب كتابه هذا من خصوص كتاب الاختيار من كتاب الكشيّ وسمَّاه بـ (التحرير الطاووسيّ)، وقال في مقدمته: هذا تحرير كتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشيّ في الرجال، انتزعته من كتاب السَّيِّد الجليل، العلَّامة المحقِّق، جمال الملّة والدين، أبي الفضائل أحمد ابن طاووس الحسنيّ ـ قدَّس الله نفسه وطهَّر رمسه ـ، والباعث لي على ذلك: أنّي لم أظفر لكتاب السَّيِّد ـ رحمه الله ـ بنسخة، غير نسخة الأصل التي أغلبها بخطّ المصنِّف، وقد أصابها تلف في أكثر المواضع، بحيث صار نسخ الكتاب بكماله مُتعذرًا، ورأيُت ـ بعد التأمل ـ أنَّ المهم منه هو تحرير كتاب الاختيار، حيث إنّ السَّيِّد رحمه الله جمع في الكتاب عدّة كتب من كتب الرجال بعد تلخيصه لها، ولمّا كان أكثر تلك الكتب مُحرَّرًا مُنقَّحًا، اقتصر فيها على مجرد الجمع، فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتب؛ لأنّ ما عدا كتاب ابن الغضائريّ مِنها، موجود في هذا الزمان بلطف الله سبحانه ومنِّه، والحاجة إلى كتاب ابن الغضائريّ قليلة؛ لأنّه مقصورٌ على ذكر الضعفاء. وأمّا كتاب الاختيار من كتاب الكشيّ للشيخ ـ رحمه الله ـ فهو باعتبار اشتماله على الأخبار المتعارضة من دون تعرض لوجه الجمع بينها، فهو محتاج إلى التحرير والتحقيق، ومع ذلك فهو ليس مبوَّبًا، فتحصيل المطلوب منه عَسِرْ، فعنى السَّيِّد رحمه الله بتبويبه وتهذيبه وبحث عن أكثر أخباره متنًا وإسنادًا، وضمَّ إليه فوائد شريفة، وزوائد لطيفة، ووزَّعه على أبواب كتابه، وحيث تعذَّر نسخ الكتاب آل أمر تلك الفوائد إلى الضياع، مع أنَّ أغلبها - بتوفيق الله تعالى - سليم من ذلك التلف، والذاهب منها شيء يسير قليل الجدوى فرأيتُ الصواب في انتزاعه من باقي الكتاب وجمعه كتابًا مُفردًا يليق أن يوسم ب (التحرير الطاووسيّ لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشيّ) نفع الله تعالى به. وكان فراغه من (التحرير الطاووسيّ) ضحى يوم الأحد سابع شهر جمادى الأولى سنة991هـ. ثمّ ممَّن عثرَ على هذه النسخة بعينها - كما عن الشيخ أغا برزك الطهرانيّ في الذريعة - أو نسخة أخرى من كتاب (حلّ الاشكال)، الملَّا عبد الله بن الحسين التستريّ الأصفهانيّ(ت1021هـ) المُعاصر للشيخ حسن آنف الذكر، وكانت مشرفة على التلف أيضًا، فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب "الضعفاء" أي كلّ ما نقله السَّيِّد ابن طاووس عن كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائريّ، ثمّ أدخل تلميذه عناية الله القهبائيّ (حيّا سنة 1016هـ) تمام ما استخرجه التستريّ في كتابه مجمع الرجال، مُصرِّحًا بأنّ رجال ابن الغضائريّ هو الذي أخرجه المولى عبد الله التستريّ عن رجال السَّيِّد أحمد بن طاووس، وذكر خطبته أيضًا، والكتاب مطبوع، وكذلك كتاب مجمع الرجال للقهبائيّ. ويُعدّ ما استخرجه الشيخ عبد الله التستريّ عن كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائريّ، الطريق الوحيد إلى كلِّ ما يُنقل عن ابن الغضائريّ في تلك الرسالة المجرّدة عن كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال. ولا نعلم على وجه الدّقة، كيف وصلت نسخة كتاب (حلّ الإشكال) إن كانت عين نسخة صاحب المعالم إلى الشيخ عبد الله التستريّ، فهل وصلت إليه بطريق الإعارة، أم بطريق الشـراء، أم أنَّ هناك نسخة أخرى من الكتاب المذكور وقعت بيد الشيخ عبد الله التستريّ فجنى فوائدها، ومن ثمَّ فليس ببعيدٍ حصوله عليها بأحد الطرق المذكورة كونهما كانا متعاصرين، ومكثا في النجف الأشرف مدة من الزمن، واشتركا في التلمذة على الشيخ المحقِّق المقدَّس أحمد الأردبيليّ المتوفَّى 993هـ، زعيم الطائفة الإماميَّة في عصـره في النجف. وبقيت هذه النسخة - كما ذكر العلَّامة الطهرانيّ - إلى عصـر العلَّامة المجلسيّ، ولكن لا توجد بعد ذلك أيّة معلومات عنها أو عن النسخ الأُخرى لهذا الكتاب. والغريب من محقِّقي كتاب (التحرير الطاووسيّ) على اختلاف طبعاته، عدم إشارتهم أو تعرضهم في مقدمة التحقيق، إلى ما استخرجه الشيخ عبد الله التستريّ من الكتاب نفسه عن كتاب (الضعفاء) لأحمد بن الحسين الغضائريّ، الذي عُدّ الطريق الوحيد لما وصل منه إلينا.