المدارس الدينية
مدرسة ابن إدريس الحلّي(ت598هـ)
برزت مدرسة الحلة العلميّة، منذُ بواكير تأسيسها واشتهرت، بسبب تشجيع أمرائها للثقافة والفكر، وتقريبهم للعلماء، وحبّ أهل الحلة عامة للعلم، والأدب، والشعر، وكذلك لاستقرار المنطقة السياسيّ، وازدهارها الاقتصاديّ، وقربها من النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، والكاظميّة المشرّفة، وسلامتها من دمار المغول بفضل حكمة علمائها، ثم أصبحت مدينة الحلّة مقراً للحوزة العلميّة الشريفة، التي يقلدها جميع الشيعة في كلّ أصقاع العالم، وباتت الحلة كعبة للعلم يحجّ إليها العلماء، وقد توافد عليها الطلاب من كلّ حدب وصوب، لنيل علومها، والأخذ عن علمائها، وحوزتها، وكانت حلقات الدرس تعقد في دور العلماء، والمشاهد المقدسة، والمدارس، وذكر أنّ أول مدرسة نظاميّة بنيت في الحلة هي المدرسة الزينبيّة، وكان يدرّس فيها مختلف العلوم الدينيّة ولا سيما الحفظ والقراءات، كما كان في هذه المدينة المباركة، مدرسة أخرى لا تقل أهميّة عن سابقتها في احتواء طلبة العلم الذين حظوا بمنهجيّة التجديد بزعامة العلامة ابن إدريس الحلي: محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الفقيه الإمامي أبو عبد اللَّه العِجْلي، الحلِّي، شيخ مشايخ علماء الحلة, ورئيس فقهائها الأجلّة في عصره, صاحب المؤلّفات والآراء القيّمة, والنقد الوجيه. نشأ قدس سره في الحلّة، ودرس على الشيخ أبي علي الطوسيّ، والشيخ عماد محمد بن أبي القاسم الطبريّ، والشيخ العربيّ بن مسافر العبادي الحلّي، والشيخ حسن بن رطبة السوراوي، وأخذ عن الفقيه راشد بن إبراهيم بن إسحاق البحرانيّ، والسيد شرف شاه بن محمد الحسينيّ الأفطسيّ، وروى عن عبد اللَّه بن جعفر الدوريستي كُتب الشيخ المفيد (ت 413 هـ)، وعن السيد علي بن إبراهيم العلويّ العريضيّ، والحسين بن هبة اللَّه بن رطبة السوراويّ، وإلياس بن إبراهيم الحائريّ، وآخرين. وتتلمذ على يديه نخبة من العلماء الأجلّاء منهم الشيخ نجيب الدين بن نما الحليّ، والشيخ شمس الدين فخار بن معد الموسويّ، والسيد محمد بن عبد الله بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ، والشيخ طعمان أو طومان بن أحمد العامليّ، وعلي بن يحيى الخيّاط، وجعفر بن أحمد بن الحسين بن قمرويه، والشيخ محمّد بن علي بن شهر آشوب المازندرانيّ، والشيخ جعفر بن أحمد الحائريّ، وأحمد بن مسعود الحلّي، والحسن بن يحيى الحلي، وجعفر بن نما. كان متبحّراً في الفقه، محقّقاً، ناقداً، متّقد الذهن، ذا باع طويل في الاستدلال الفقهيّ والبحث الأُصوليّ، باعثاً لحركة التجديد فيهما، وكان يقول: لا أُقلد إلا الدليل الواضح، والبرهان اللائح، وقد تجاوزت شهرة ابن إدريس حدود مدينته، وعُرف بين علماء الفريقين في عصره، وتبادل معهم الرسائل بشأن بحث بعض مسائل الفقه ومناقشتها، وقدم فقها أدبيًّا، فعرض في كتابه (السرائر) نماذج عديدة لتوظيف العلوم اللغويّة، والأدبيّة، في الفقه، كما وضع مناهج أصوليّة، وقواعد اجتهاديّة في الفقه الإسلاميّ ليقدم عرضًا رائعًا لتطبيقات الدرس الأصوليّ في علم الفقه، ونجح في الاجتهاد، على الرغم من إنكاره حجّية خبر الواحد، إلاّ أنّه أثرى الحركة الفقهيّة في استخدام واسع للعقل، وما تقتضيه أصول المذهب وتوظيفات بالغة الكثرة للآيات القرآنيّة. اشتهر ابن إدريس بلقب صاحب (السرائر) نسبةً إلى أحدِ مؤلّفاته القيّمة والَّتي منها كتاب (التعليقات)، و(رسالة في معنى الناصب)، و(خلاصة الاستدلال)، و(منتخب كتاب التبيان)، و(مناسك الحجّ) وغير ذلك، وكانت مؤلّفاته طافحة بالعربيّة والأدب والعناية بتراث أهل البيت(عليهم السلام) . وذكر السيد هادي كمال الدين في كتابه (فقهاء الفيحاء): ,, حال تمكن ابن إدريس من تقديم الدرس, استقل بمدرسته الخاصة, التي كانت تقع وسط مدينة الحلة وهي الحسينيّة المسماة حالياً باسمه (ابن إدريس), ومرقده فيها, وقال السيد هادي كمال الدين: ,,قبره في مدرسته التي تهدَّم سورها ولم يبق من آثاره شيء ,, . وجاء ذكره في كتابه (الحوزة العلميّة في الحلة) بقوله: ,, أصبح مكان المدرسة والقبر مهملاً ومحلاً لرمي فضلات مكائن الجرش أراد بعض الخيرين (الحاج حسان مرجان) إزالة النفايات وإعادة بناء المدرسة, وتمّ ذلك بمباركة وتشجيع المرجع الديني الأعلى للطائفة الشيعيّة آنذاك السيد محسن الحكيم وصدرت إجازة البناء باسمه سنة 1961م, وأرّخ الشاعر محمد علي النجار ذلك العمل : قسماً بمرقدك المقــــــــــــد س يا ابن إدريس المـجدّد لولا سرائرك النقــــــــــــي لم تكن تبقى مخلّــــــــــــــد بالهدم والتخريـــــــــب كا ن ضريحك الزاكي مـــهدّد حتى انبرى حسان مرجان الذي لحماك جــــــــــــــــدد أرخت: فــــــــــي مجهوده حسان حاز رضا محمــــــد 1381هـ وقال د. عبد الرضا عوض: ,, من خلال مراجعة وتقييم دور المدارس الحوزيّة في الحلة ودعمها للدرس العلميّ, كان هناك عدة منجزات قدمتها مدرسة الحلة العلميّة للمدة بين عام التأسيس (562هـ) وعام الركود العلميّ (951هـ), فقد كانت حصيلة إنجازات هذه المدرسة مقارنة مع المدارس الأخرى كمدرسة بغداد والنجف والريّ, فضلاً عن حادثة الصراع الفكريّ بين الشيخين الكركيّ والقطيفيّ في القرن العاشر الهجريّ, بعد مغادرة الأول وقبول منصب الشخص الأول في سلّم الاستشارة لدى الشاه الإيرانيّ, تؤرخ هذه الحادثة لظهور وجهتين ومنحيين, فالمجتهدان اللذان كانا في النجف وقتها افترقا, وقد وصل الصدام بينهما إلى حدّ إصدار الفتاوى المتضادة والتساجل العلنيّ, فكان من رأي الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفيّ (ت951هـ) وهو يمثل تياراً مضاداً, بأنّ العمل لدى الحكام والسلاطين حرام, حتى لو كان الحاكم شيعياً, بينما ارتأى الكركيّ ما ارتآه, وقبل المنصب ومارسه, فكان من ضمن الأسباب أفول مدرسة الحلة العلميّة, لكن كان لهذه المدرسة مزايا ومنجزات فاقت بقيّة المدارس آنفة الذكر, نجد منها ما يلي: تأليف المتون الفقهيّة على أصعدة ثلاثة , مقتضب, ومتوسط, ومسهب، وتأليف موسوعات فقهيّة ودورات كبيرة خاصّة في القرنين السابع والعاشر الهجريين، واهتمام فقهاء الشيعة بأصول الفقه, فقد شهدت الكتب الأُصوليّة تطوّراً ملحوظاً كمًّا ونوعاً، وظهور لون جديد من التأليف في فقه الشيعة, وهو جمع المسائل الخلافيّة بين فقهاء الشيعة, ويعد العلامة الحلّي أول من فتح الباب على مصراعيه في هذا المضمار، كذلك ظهور موسوعات فقهيّة في الفقه المقارن, أشهرها وأجمعها كتاب «تذكرة الفقهاء» للعلامة الحلّي، وظهور كتب رجالية منها: «حلّ الإشكال في معرفة الرجال» للسيد جمال الدين أحمد بن طاووس, وصنف على غراره تلميذاه, العلامة الحلّي, والشيخ الحسن بن داود، وتربيع الحديث, وهو من جهد السيد أحمد بن طاووس وإدخاله حيز التطبيق في الفقه، وظهور لون خاص من الفقه باسم «القواعد», وأول من ألف فيه هو الشهيد الأول (ت786هـ/ 1384م)، والعناية بفقه القرآن, فقد ألف الشيخ الفاضل المقداد السيوريّ كتاب «كنز العرفان», وأعقبه الحسن بن محمد بن الحسن الاستربادي بكتابه «معارج السؤول في المدرج المأمول»، والعناية بالأحكام السلطانيّة والفقه الحكوميّ «الرسميّ», وظهور مساجلات تحريريّة بين العلماء في مسائل صارت موضعاً للابتلاء بعد ظهور الدولة الصفويّة, مثلما حدث للشيخين علي الكركيّ وإبراهيم القطيفيّ ,,. وذكره الباحث جبار جاسم مكاوي في ندوة حسينيّة ابن إدريس في الحلة: ,, عند إكمال البناء سنة 1962م، حاول القائمون عليه (آل مرجان) إعادة النشاط إلى المدرسة وتدريس العلوم الدينيّة فيها, وتمّ تجهيزها بمكتبة عامرة سميت (مكتبة الحكيم العامة), لكن سياسة الدولة حالت دون ذلك, وبقيت تعقد فيها حلقات للدرس متباعدة أو ندوات عامة يقوم بها وكلاء المرجعية ,,.