متاحف

سقّاء الحلة

سقّاء الحلة

الحلَّة واحدة من المدن العراقيَّة، التي تغفو على ضفة الفرات، فهو منبع وجودها وازدهارها, ولحاجة الناس إلى إيصال الماء إلى بيوتهم، كان بعض الرجال فيها يمتهنون جلب الماء من ضفة شط الحلة وبيعه، وكانت هذه المهنة تعرف بـ(السقّاء ). كان السقَّاء، منذ عهد قريب، يأتي بالماء إلى البيوت بحمله (القربة)، وعادةً ما يكون الوعاء مصنوعاً من الجلد، والجلد المفضَّل فيه هو جلد الماعز، ولأن مَحلات الحلِّة الشعبيَّة لا تبعد كثيرًا عن شطِّها, يحمل السقَّاء ذلك الوعاء على ظهره، ويعلِّقه على كتفه بواسطة حبل مفتول من الجلد، ممتدّ على طول الوعاء، إلى أن يصل البيوت، والمحلات، والمقاهي، والمساجد التي تحتاج إلى الماء، أو التي قد عقد السقَّاء معها اتفاقًا، وفي بعض الأحيان تتمُّ عملية جلب الماء بواسطة الحمير، أو البغال، حيث تربط القرب أو الجِرار على ظهر الدابَّة بصورة تجعلها محميَّة من السقوط أو الانسكاب، وتكون وجبات جلب الماء، على الأغلب، إلى المساجد في ثلاثة أوقات، في الصباح، وعند الظهر، وفي المساء، أمَّا البيوت والمنازل فأغلب ما يُجلب إليها الماء عند الظهر، ومن الطبيعيّ أنَّ فصل الشتاء يختلف عن فصل الصيف في استهلاك كمِّية الماء. وعادةً يرتدي السقَّاء لباسا خاصّا، هو عبارة عن جلد يضعه على ظهره, ليحتمي من رطوبة الماء المتسربة إلى جسمه من الوعاء الذي يحمله، وحزاما عريضا يشدُّه على وسطه, ليحمي به ظهره بسبب ثقل الماء. وكان هؤلاء الرجال يشكِّلون موضع ثقة عند سكَّان المدينة، فكان السقَّاء يدخل إلى المنازل في وقت لا يكون أربابها فيها، وإنَّما يكونون مشغولين بتدبير المعيشة وأمورها لأهليهم، فلا بدَّ من أن يكون السقَّاء قد كسب ثقة ربِّ المنزل لتكرار وجوده بين أهلها. أمَّا الأجور التي يتقاضاها (السقَّاء)، فهي تتناسب مع ذلك الظرف، فهي إمَّا أن تكون يوميّاً أو أسبوعيّاً، وبعد تقاضي الأجور يقوم السقَّاء بتفريغ جوده أو الجراب الذي على ظهره في الحبوب، أو الكيزان، أو الأوعية، وفي بعض الأحيان يُكلَّف السقَّاء برشِّ الأزقة والمقاهي بالماء في أوقات الحرِّ الشديد، أو أثناء تنظيفها مقابل أجور يحصل عليها من أهل المحلَّة. ويعرف الناس وجود السقَّاء بواسطة صوته المرتفع منادياً: (سقّه الماء... سقه الماء)، ويتخلل هذا النداء بعض الأهازيج والأشعار، والحقيقة أنَّ بساطة هذه المهنة، وقلَّة أجورها, جعل الناس في ذلك الوقت يعطفون على السقَّاء ويكرمونه ويعدُّونه واحداً من أفراد عائلتهم، فعندما يقبل العيد أو تحل مناسبة معيَّنة أو فرح، تقوم العائلة بتحضير هديَّة مناسبة له ولأولاده، وغالبا ما تكون تلك الهدية كسوة أو طعام . كانت هذه المهنة شائعة في أغلب المدن العربية والإسلامية، وكان السقاؤون ينامون النهار خلال شهر رمضان وينشطون ليلاً، وإن ما يحصلون عليه من مبالغ في هذا الشهر يضاهي ما يحصلون عليه في ثلاثة أشهر لقاء تقديم الماء بعد الإفطار، وكان هناك نوعان من السقائين : النوع الأول يحمل الماء من النهر بوساطة دلوين تشدهما قطعة قوية من الخشب تستقر على الكتفين، ولكل سقاء منهم شاطئه، حيث يقوم بإعداد مواقع له لكي يغرف الماء بسهولة من النهر ويجلبه إلى البيوت، ولكن أغلب هؤلاء السقائين يعملون في المساء عادة، لأن عملهم يتكرر باستمرار، ويعانون كثيراً من الجهد المبذول، كما أنهم يتحاشون حرارة النهار في نقل المياه، أما النوع الثاني منهم فهم السقاؤون الذين يجوبون الأسواق والشوارع حاملين قربهم المزينّة، منادين على بضاعتهم من الماء، وعادة ما يكون الماء مهيّلا وفيه حلاوة قليلة جداً، وتكون القرب محمولة على الجانب، أما الأواني المستخدمة في ذلك فهي من النحاس الأصفر اللماع، وكانوا يقطعون مسافة بعيدة في عمق النهر للوصول إلى تيار الماء القوي، وذلك لنقاوة الماء ونظافته، وكانوا حريصين دائمًا على الابتعاد عن الأماكن التي تُرمى فيها الاوساخ . انتهت هذه المهنة في بعض المدن العراقيَّة بعد أن أُسيل الماء إلى البيوت عبر الأنابيب، وانقرضت في مدينة الحلَّة، في الأربعينيات من القرن المنصرم، ولكنّ جذورها بقيت في قلوب الناس، لأن السقائين كانوا لا يمنعون الماء عن طالبه، وهذا ما نراه في ملئهم (حبوب) السبيل، لسقاية الناس، يشرب منه السابلة بقصد القربة إلى الله سبحانه في سيد الشهداء العطشان الإمام الحسين (عليه السلام)، وليبقى السقاء إرثًا أصيلًا امتدّ مئات السنين.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...