مكتبات عامة او شخصية
مكتَبَةُ السيّدِ رَضِيّ الدّينِ عليّ بنِ طاووس
اهتم العلماء، والأدباء، والأمراء في مدينة الحلة منذ تمصيرها سنة (495هـ) بجمع الكتب، وتدوينها، وفهرستها، فكانت أول خزانة للكتب في الحلة، هي خزانة ممصر الحلة صدقة بن منصور، وتلتها خزانة العلامة الحلي، وآل طاووس، وغيرهم، ولعل من أهم تلك المكتبات، خزانة السيد رضي الدين علي بن طاووس (قدس سره) . استطاعَ السيّدُ ابنُ طاووس(ت 664هـ) في معايشتِهِ لعالمِ الكتبِ أن يعرف الكثيرِ من الكتبِ وعُمُرُه ثلاث عشرة سنة، إذ أعطاهُ جدّه ورّامُ كتابَ (التعليق العراقي) للحِمصيّ، الذي كانت لَهُ مكانةٌ كبيرةٌ عند الشيخ ورّام، وأوصاهُ بحفظه، وتوجد منه أكثر من خمسٍ وعشرين نسخة خطية في مكتبات العالم، واستطاعَ ابنُ طاووس أن يجمعَ الكثيرَ من الكتبِ التي كانَ يحتاجُها في مصنّفاتِهِ الواسعةِ والكثيرة، ولذلك تكوّنَت عندَهُ مكتبةٌ كبيرة قلّ نظيرُها، وَرِثَ بعضَها عن جدّهِ، وقال: إنّه قرأَ جميعَ هذه الكتبِ أو دَرَسَها، ومِن حُسنِ حَظّ المكتبةِ الإسلاميةِ أن يَمتَلِكَ خزانةَ كتبٍ غنيّةً بالذخائرِ والنفائسِ ممّا لَم يَكن له وجودٌ في خزانةٍ أخرى غالبًا. كانت هذه المكتبة مِن أهم الأمورِ التي حفل بها تاريخُ السيّدِ ابنِ طاووس الثقافيّ والعلميّ المتدفّق عطاءً، والذي لا يقتصرُ بمعطياتِه الثمينة على فَترَةٍ زمنيّةٍ محدّدة عاشَها السيّد في القرن السابع الهجري، فهي مكتبةٌ عظيمةٌ ضَمّت من ذخائرِ الكتبِ ونفائِسِ الآثارِ ما يُمَثّلُ ثروةً علميةً ضخمة، إذ كان السيّد علي بن طاووس (قدّس سرّه) مستعدًا لِدَفعِ مبالغَ كبيرةً لشراءِ الكتبِ النّفيسةِ، وقد جاء في مقدمة (سعد السعود) أنّه وَضَعَ مئةَ دينارٍ لِوَرَثَةِ عليّ بن الحسن بن المرتضى لأجلِ شراءِ كتابِ (ديوان النسب)، وهذا المبلغُ مُعتنًى به جدًا آنذاك، بالأخصّ إذا ما عَرَفنا أنّ السعرَ المتوسط للكتاب آنذاك كان دينارًا واحدًا. ولم تقتصر خزانة كتب السيّد على صنفٍ معين من العلوم، بل كانت كنزا جامعا لكتب التفسير، والحديث، والدعوات، والأنساب، والطب، والنجوم، واللّغة، والشعر، والرمل، والطّلّسمات، والعُوذ، والتاريخ، وغيرها، وقد بلغت في سنة (650هـ) عند تأليفه كتاب (الإقبال) 1500 مجلدًا، وافاد منها عند تأليف كتبه، حسب ما جاء في كتابيه (فتح الأبواب) و(اليقين) نقلا عن الذريعة، وقد ضاعَ الكثيرُ من المصادرِ التي كانت عندَه مع مرور الزمن، واقتصرت معرفتُنا بها عن طريق الإشارات الواردة في مؤلّفاته، وهذا ما يزيد من قيمة هذه المؤلّفات. وكان صاحب الخزانة كثيرَ الاهتمام فيها والشغف بها، حتّى أنّه وضع فهرسًا لها أسماهُ: (الإبانةُ في معرفةِ أسماءِ كتبِ الخزانة)، وهو من الكتب المفقودة اليوم للأسف، كما وضع لها فهرسًا آخر أسماه: (سعد السعود) فَهرس فيه كتبَ خزانتهِ بتسجيلِ مختارات ممّا تضمّنته تلك الكتب من معلومات، وفوائد، وقد طُبع الموجود منه، وهو الأوّل من أجزائه، وقد اختصّ بالكتب السماويّة، وعلوم القرآن، ولا ندري هل فُقد الباقي منه، أم أنّ المؤلّف لم يتمّه؟ وقد أشار رضيُّ الدين بن طاووس في بعض مؤلّفاته إلى هذه الخزانة، ولكن باختصار وإيجاز، فهو يقول مثلًا: في خزانة كتبنا في هذه الأوقات أكثر من سبعين مجلّدًا في الدعوات ويقول: ;إنّ عنده كتبًا جليلةً في تفسير القرآن;، وكذلك في الأنساب، والطب، والنّجوم، وغيرها من العلوم، وفي اللّغة، والأشعار، والكيمياء، والطّلّسمات، والعوذ، والرقى والرمل، والنبوّة، والإمامة، والزهد، وتواريخ الخلفاء والملوك وغيرهم، وكتب كثيرة في كلّ فنّ من الفنون. ومكتبته تلك كانت الأساسَ في جميع مصنّفاته، لذا صارت مؤلّفاته محلّ أنظار العلماء والباحثين في العالم، لأنّ كثيرًا من الكتب التي نقل عنها فُقدت بعدهُ، وبقي ما نقله السيّد ابن طاووس فحسب. وقد جاء في (فلاح السائل) أنه أوقف، أواخر أيّام حياته، هذه الخزانة على ذكور أولاده، وذكور أولادهم، وطبقات ذكرها بعد نفادهم، ثمّ انقطعت عنّا أخبارُها بعد وفاة صاحبها، فما نجدُ لها أثرًا، أو نسمعُ عنها ذكرًا فيما روى الرواةُ وألّف المؤلّفون. وكان لكتب الأدعية حظٌّ وافر في مكتبة ابن طاووس، وقال الشهيد في مجموعته التي نقلها الجبعي عن خطّه: كان جَرى مُلُكه على ألفٍ وخمسمئة كتاب في سنة 650هـ حسب ما جاء في الذريعة . وذكر في كتاب ( كشف المحجة) الذي ألّفه لولده محمّد سنة ( 649هـ)، وخاصة كتب الأدعية بما لفظه: وهيّأ الله - جلّ جلاله- عندي مجلّدات في الدعوات، أكثر من ستين مجلدًا، فالله الله في حفظها، والحفظ من أدعيتها فإنّها من الذخائر التي يتنافس العارفون على حياطها، وما أعرفُ عند أحدٍ مثل كثرتها وفائدتهاوذكر في كتابه (اليقين) الذي هو من أواخر تصانيفه أنّه بلغت عدّة كتب الأدعية عنده سبعين كتابًا، فظهر أنّ جميع ما أورده السيّد من الأدعية، والأعمال، في عشرة مجلّدات في كتابه (التتمات) كلّها منقولة من تلك الكتب الكثيرة التي لم تتهيّأ لأحد قبله، وليس فيها من منشَآت السيّد إلّا في عدّة مواضع صرّح فيها بأنّه لم يجد في كتب الأدعية دعاءً خاصاً به، فأنشأ دعاءً من نفسه، وأكثر تلك الكتب كانت عنده مروية بطرائق معتمدة، مصحّحة ومؤرّخة، فذَكَرَ خصوصيّة ما وجده بطريق معتبر، ومالم يجد له طريقاً معتبراً اكتفى فيه بعموم الحديث فيمن بلغهُ ثوابٌ على عمل، حسب ما صرّحَ به في مواضع من كتبه. إنَّ للسيّد ابن طاووس (قدّس سرّه)، بتأليف أجزاء كتاب (التّتمّات)، وما جمعه من تلك الكتب، حقّاً عظيما على الشيعة جميعاً، وكلّ من ألّف بعده كتابًا في الدعاء فهو عيالٌ عليه، ومغترف من حياضه، ومتناولٌ من موائده، فكان حقًّا علينا تقدير عمله، حسب ما جاء في الذريعة. وللأسفِ الشّديدِ لم تحظ مكتبةُ السيّد (قدّس سرّه) بالاهتمام اللائق في الدراسات والبحوث إلاّ قليلاً، ومنها مبحث الشيخ محمّد حسن آل ياسين تحت عنوان (السيّد علي بن طاووس، حياته، مؤلّفاته، خزانة كتبه)، الذي نُشرَ في المُجلّد الثاني من مجلّة المجمع العلمي العراقي، حيثُ ذكرَ فيه أسماء الكتب التي نقل عنها السيِّد ابن طاووس في تصانيفه مع ذكر المؤلّف، وقد أحصى (488) كتابًا في(فتح الأبواب) فقط. واليوم قامَ الباحثون بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ بجمعِ كُتُبِ مكتبة السيِّد (قدّس سرّه)، والتي بَلَغَت قُرابةَ ثمنمئة عنوان من الكتبِ التي جَمَعَها السيّدُ ابنُ طاووس، التي بَلَغَت الآلافَ.