أعلام

أبو المعزّ القزوينيّ علاّمة الفيحاء وأديبها

أبو المعزّ القزوينيّ علاّمة الفيحاء وأديبها

إنَّ تاريخ الحِلَّة هو مرآة الزمان للشعوب التي تعدّ نفسها من الحضارات بما قدَّمه أبناؤها مِن جهودٍ سعيًا منهم لرقيّها، وليس هذا منطلِقًا من دوافع المغالاة، فلقد ألبس اللهُ العليمُ الحكيمُ الحِلّةَ، جلباب العلم والأدب منذ نعومة أظفارها، فكتب عنها الكثير ومدحها المؤالف والمخالف، وأثنى عليها القاصي والداني، وهو ممَّا تستحقّه هذه المدينة التي وطأ أرضها أميرُ المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فتشرَّفت بتراب نعله، وكثيرٌ من أحفاده البررة، أبناء سيِّد الثقلين، وسلطان الدنيا والآخرة أبي الزهراء البتول محمَّد صلى الله عليه وآله، فتركوا على أرضها تراثًا عظيمًا، لا يُدركُ كنهَه وأثرَه وتأثيرَه إلّا الله والراسخون في العلم، فساهمَ كلُّ مَن كان له حظّ عظيم في بناء صرحها العلميّ والأدبيّ، مشاركًا في إنقاذ المجتمع البشريّ من دياجير الجهل، بأن أنار لهم سراج العلم والفضيلة، ومِن أولئك الرجال الأفذاذ: أبو المعزّ السيِّد محمَّد القزوينيّ فهو العالم الجليل أبو المعزّ السيِّد محمَّد مهدي الحسينيّ القزوينيّ علّامة الفيحاء وأديب الفرات، فقيه كبير متبحّر في الفقه والأصول والكلام والتفسير، وهو شيخ الأدباء والمتكلمين، ووجهًا بارزًا مِن وجوه الكتّاب والمؤلِّفين. كتب الدكتور جودت القزوينيّ في مقدمة تحقيقه لكتاب (طروس الإنشاء وسطور الإملاء) نبذةً عن حياته جاء فيها: أنّه وُلِدَ في مدينة الحِلّة عام 1262هـ (1845م)، ينتمي إلى الأسرة القزوينيَّة التي ينتهي نسبها إلى الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، وكان أفراد هذه الأسرة في العراق أرباب علم وزعامة دينيّة وأدب جمّ وثراءٍ عظيم، كان لدورهم في الحِلّة بأن جعلوها مرتعًا خصبًا للعلم والأدب ممَّا زاحم عليها من توافد العلماء والأدباء والشعراء، إذ كانت هذه الأسرة العلويّة الشريفة من رعاة الحركة العلميّة والأدبيّة في العراق عمومًا آنذاك. وأمّه كريمة الشيخ علي ابن الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء. كان السيِّد رحمه ‌الله موسوعة علم وأدب، فإذا تحدّث فحديثُه محاضرة وافية تجمع الفقه والتفسير والأدب واللّغة والنقد والتاريخ مضافًا إلى الفصاحة واللّباقة وعذوبة الحديث وقوّة الذاكرة، تزيّنُه سماتُ العبادة والورع، فمِن مميّزاته أنَّه كان يأمرُ بتقسيم الحقوق وهي عند أهلها دون أن يتسلّمها بيده، ويحرص كلَّ الحرص على مصلحة الأمّة والرأفة بالضعيف، فلا تأخذه في الله لومةُ لائم. كتب عنه الشيخ محمَّد علي اليعقوبيّ في كتابه (البابليّات)،؛ لأنّه تتلمذ عليه ولازمه مدّةً لا تقلُّ عن عشر سنوات لذا فقد أعطى صورةً صادقةً عنه، وهو متأثّر به كلّ التأثر، فذكرَ أنّه وُلِدَ في الحِلّة سنة ١٢٦٢هـ 1845م وفيها نشأ، وحين راهق البلوغ هاجر إلى النجف الأشرف مع أخويهِ الكبيرين السيِّد ميرزا جعفر، والسيِّد ميرزا صالح، فدرس المعاني والبيان والمنطق على الكبير منهما، وشطرًا من الأصول على الفاضلَين الشيخ محمَّد، والشيخ حسن الكاظميّين والشيخ علي حيدر، ثم رجع إلى الحِلَّة واشتغل بالتدريس فهذّب جملةً من شباب الفيحاء، وأعاد الكَرّةَ بالهجرة إلى النجف لاستكمال الفضيلة مع أخويه المذكورين، فاغترفَ من منهلِ الشريعة ما به ارتوى حتّى أصبح معقدَ الأملِ، ونالَ رتبةَ الاجتهاد بشهادة المجتهدين وزعماء الدين، وبعد وفاة والده السيِّد مهدي قدس الله نفسه وأخويه الكبيرين قامَ بأعباء الزعامة الدينيَّة في الحِلّة الفيحاء فكان المرجع في الأحكام الشرعيَّة، وموئلًا للمرافعات وفَصل الخصومات وصلاة الجماعة في المسجد العام مواظبًا على التدريس في الفقه والأصول وتربية الناشئة التربية الصالحة. وقام بإصلاحات عامَّة منها تشييد مراقد علماء الحِلّة التي كادت أن تنطمس معالمها، كمراقد آل طاووس في داخل البلد وخارجه، ومرقد الشيخ المحقِّق أبي القاسم الهذليّ الحِلِّيّ، وابن إدريس صاحب السرائر، وابن فهد، والشيخ ورَّام المالكيّ النجفيّ، وآل نما، ومقام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في آخر بساتين (الجامعين) على طريق (الكفل) في المنطقة المعروفة اليوم بـ(الشاوي)، وتاريخ الفراغ منه في جملة (ظَهَرَ المقامُ) وهي جزء من التاريخ الشعري أي سنة ١٣١٧، وبالقرب منه مرقد السيِّد عبد الكريم ابن طاووس صاحب (فرحة الغريّ)، ومنها تجديدُ عمارة مشهد الشمس وكان السيِّد المترجَم له يقيم فيه الجماعة منتصف شوّال من كلِّ عامٍ، فتُعطّل الأسواق والأعمال بأمره للحضور والصلاة هناك احتفاءً بذكرى ذلك اليوم الذي رُدّت الشمس فيه للإمام علي عليه السلام. وخلّف كثيرًاً من الآثار العلميَّة مِنها؛ منظومة في المواريث، ورسالة في علم التجويد والقراءات، ورسالة في مناسك الحجّ، وأرجوزة حديث الكساء وغيرها، وذكروا في الترجمة ألوانًاً مِن أدبِه نثرًا ونظمًا تدلّنا على مواهبه. كان رحمه الله عَمَدًا من أعمدة الأدب العربيّ وقطبًا مِن أقطابها وشاعرًا مجيدًا، وهذا واضح من رِقّة عاطفته، حين يرثي أخاه الميرزا جعفر بقطعة أدبيّة أرسلها إلى أخيه الآخر وهو الميرزا صالح، جاء فيها: ومِن عَجبٍ أنّي أبيتُ ببلدةٍ أحاولُ أن أستافَ تربتَهُ التي وينهضُ لي وجدي لمرقدِه الذي لِكَيْما أُطيلَ العَتبَ لو كان مُصغِيًا فلمّا نشقتُ الطيبَ مِن أيمنِ الحِمى يخيّلُ لي كلُ (الغري) له ثرىً بها لشقيقِ الروحِ قد خُطَّ مَضجَعُ هي المسكُ، لا واللهِ بل هي أضوَعُ به ضُمّ بدرُ التّمِّ، بل هو أرفعُ وأشكو له بلوايَ لو كان يسمعُ كبوتُ فلا أدنو ولا أنا أرجعُ وفي كلِّ نادٍ منه للعينِ موضعُ وقال في جدّه الحسين عليه السلام: بنفسي بناتُ المصطفى بعد منعةٍ وتُسلبُ حتَّى بالأناملِ يغتدي ومذ أبصرتْ فوقَ الثرى لِحُماتها فعارٍ عليه الخيلُ تعدو، وعافرٌ غدتْ تمزجُ الشكوى إليهم بعتبها (أحبّاي لو غير الحِمامِ أصابكم غدتْ في أعاديها تُهانُ وتُضربُ لها عن عيونِ الناظرين التنقّبُ جسومًا بأطرافِ الأسنةِ تُنهَبُ على الأرضِ من فيضِ النجيعِ مخضّبُ عليهم وتنعى ما عَراها وتَندِبُ عتبتُ، ولكن ما على الموتِ معتبُ) ومن عيون شعره المشهورة أرجوزة حديثِ الكساء، وهو من الأحاديث الشريفة المروية في كتب الفريقين والصحاح المعتبرة، وأوّل نظمه له: روت لنا فاطمةٌ خيرُ النسا تقولُ: إنّ سيّدَ الأنامِ فقال لي: إنّي أرى في بدني قومي، عَلَيَّ بالكسا اليماني قالت: فجئتُه وقد لبّيتهُ وكنتُ أرنو وجهَهُ كالبدرِ حديثَ أهلِ الفضلِ أصحابِ الكسا قد جاءني يومًا من الأيامِ ضعفًا أراهُ اليومَ قد أنحلني وفيه غطّيني بلا توانِ مسرعةً وبالكسا غطيته في أربعٍ بعدَ ليالٍ عشرِ إلى آخر الأرجوزة. تتلمذ السيِّد أبو المعز على والده السيِّد مهدي القزوينيّ في النجف الأشرف في الفقه كثيرًا، وعلى الأستاذ الملا محمَّد المشهور بالفاضل الأيروانيّ، والشيخ لطف الله المازندرانيّ، وقد أجازه كلّ من الأوَّل والثاني. وممَّن تتلمذ عليه الشيخ محمَّد علي اليعقوبيّ صاحب "البابليّات". قال عنه الشيخ حرز الدين في كتابه ” معارف الرجال: ” (... من العلماء الفقهاء المحقِّقين الأجلَّاء، مُسَلَّمُ الاجتهاد والحكومة، وكان إمامًا في الأدب والأخلاقيّات وكثيرًا ما جلسنا جِلسة الأخِلاّء...). وقال الشيخ القمِّيّ في كتابه” الكنى والألقاب”: إنَّه (كان بعكس أبيه قليل التأليف والتصنيف، لا يكاد يرتضي ما صنَّفه حتَّى يغيّره بعد الملاحظة والمراجعة، ... له آثار إصلاحيّة ... ولما خلت الحِلّة من أعلام هذه الأسرة، واستأصل الموت شأفتهم، كتب إليه الحلّيون، فحثّوه على المجيء، فلبّى دعوتهم، فهاجر إلى الحِلّة سنة 1313هـ فاستقبله جمهورهم على مسافة ميلين، وكان يومًا مشهودًا كيوم وفاته، وأخذت العلماء والشعراء يفدون عليه ليهنّئوه). وقالَ الشيخُ علي كاشف الغطاء في كتابه (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة): " (عالم فاضل، ضمَّ إلى الفضل الكرم والأدب، وأضافَ إلى الشرف بالنسب الشرفَ بالحسب، واسطة عقد السادة، ومعقد أكاليل السيادة، وطراز عمائم الأفاضل من بني هاشم الأماثل، شريف تلوح المكارم في أساريره، وتقيٌّ يكاد يحكي وجهُهُ ما في ضميره، وناسِك يراقب الله في كلِّ محلّ، وظريف لفظه أين حلّ وارتحل، ناثر شاعر، حسن البديهة، مكثر من الشعر). اختاره الله ودعاه إليه فلبَّى النداءَ فجر يوم الخميس خامس محرّم الحرام أول سنة ١٣٣٥ه‍ ـ 1916م في مسقط رأسه ـ الحِلّة ـ ونارُ الحرب العالميّة الأولى مستعرة في وادي الرافدين بين الإنكليز والأتراك، حُمِلَ إلى مدينة النجف الأشرف ودُفن مع أسرته في مقبرتهم الواقعة في محلّة العمارة.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...