المراقد والمقامات الدينية
مسجدُ الشيخ السهلاني
منذ تأسيسها كانت المساجد، وما تزال، مراكزَ إشعاعٍ ومنارات هدىً في الأرض، يكفيها علواً وشرفاً ومقاماً سامياً رفيعاً أنَّها أضيفت لذات الله سبحانه وتعالى ((إنما يعمُرُ مساجدَ اللهِ مَن آمنَ بالله واليوم الآخر)). التوبة 18. يكتسبُ مؤسِّسُها وبانيها ومعمرها عظيمَ الثناءِ من الله تعالى، ويوصَفُ مَن سعى في خرابِها وهدمها بأبشعِ الصفاتِ وأقبحِها وأشنعِها كقولهِ عز وجل: (ومن أظلم ممَّن منعَ مساجدَ الله أنْ يُذكَرَ فيها اسمهُ وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلَّا خائفينَ لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم) البقرة 144. ومن هذه المنارات مسجدُ الشيخ السهلاني الذي يقع في منطقة الأصمعي، وهو حي معروف من أحياء البصرة، بني المسجد على مساحة ثلاثة آلاف متر مربع من ضمنه حرم بمساحة 400 متر مربع فضلاً عن قاعةٍ وديوانٍ لاستقبال الضيوفِ والشخصيَّاتِ التي ترد المسجد، ومكتبةٍ عامرةٍ بمجموعةٍ من الكتبِ من بينِها مجموعةُ مؤلفاتِ الشيخ المؤسس رحمه الله ، كما يحوي المسجد مجموعة صحيات وحوانيت تحيط به تسد بعض احتياجاتهِ من تعمير وما شابه. أَسَّسَ المسجدَ الشيخُ محمد جواد السهلاني رحمه الله مع مجموعةٍ من الخيرين في بداية الستينات، لأنه لاحظ أنَّ منطقة الأصمعي تحتاج إلى مكان يجتمع فيه الناس للصلاة والعبادة لخلوها من المساجد، فبادر بتوفيق من الله تعالى وبمساعي الخيِّرينَ إلى إنشاء هذا المشروع المبارك الذي كانَ له الدورُ الكبيرُ والفعَّالُ في نشرِ الوعيِ الدينيِّ والفكريِّ والثقافيِّ وحلِّ النزاعاتِ والقضايا الاجتماعيَّةِ في البصرةِ بعامة ومنطقة الاصمعي بخاصة. نبذة عن حياة المؤسس: المؤسس هو العلامة الشيخ محمد جواد بن الشيخ علي بن الشيخ عبد الرضا السّهلاني، ، ولد في النجف الاشرف في عام 1330 هجري – 1911 ميلادي وتوفي عام 1429هجري، وكرّس حياته في مجال العلم والارشاد والدعوة الى الله ، ذاق مرارة اليتم وهو في سن الخامسة من عمره الشريف ، وتولى رعايته جده المرحوم الشيخ عبد الرضا السهلاني، عاش في بيئة النجف الاشرف وتتلمذ على يد بعض افاضلها وشب بين اقرانه امثال السيد موسى بحر العلوم والشيخ عبدالغني الخضري والسيد هادي فياض، توجه في مطلع الخمسينيات الى مدينة البصرة بناءً على توجيهات المرجعية آنذاك والمتمثلة بمرجعية السيد ابو الحسن الاصفهاني اعلى الله مقامه فاستوطن مدينة المعقل وكيلا عن المرجعية العليا في النجف الاشرف ناشرا لعلوم ال محمد في مدينة البصرة، وقد تعرض خلال هذه الفترة لجملة من الاضطهادات والمضايقات، منها بعد عام 1958م عندما واجه العراق فترة عصيبة من المد الشّيوعي، ووقفت الحوزة العلميّة في النّجف الأشرف في مقابل هذا التّيار، وجنّدت كل طاقاتها وإمكاناتها ضدّه، كان للشيخ السّهلاني نشاطات واسعة ودور كبير في تحقيق هدف الحوزة العلمية والمرجعية العليا في النجف الاشرف، مما حدا بالسّلطات إلى مضايقته، فأصدرت أمراً بإبعاده إلى (داقوق) في محافظة (كركوك) وفرضت عليه الإقامة الجّبريّة هنالك، وتدخّلت المرجعيّة للإفراج عنه ورجع ولكن إلى كربلاء أخذاً بنصيحة الإمام الحكيم "قدس سره" ، وبعد أن خفّت حدّة التّوتّر رجع إلى البصرة مزوداً بكتاب للإمام الحكيم "قدس سره" في وجوب مؤازرته ومعاضدته والإلتفاف حوله . كما تعرض في زمن النظام البعثي الى الكثير من المضايقات وهاجر اثرها الى الكويت واستقر لمدة سنتين قبل ان يهاجر الى سوريا ويستقر فيها من عام 1983الى سقوط النظام البعثي عام 2003 وخلال هذه الفترة ساهم في نشر علوم ال محمد من خلال القاء الدروس الدينية وعقد الندوات العلمية والصحفية ونشرت له بعض اللقاءات والدراسات في الكثير من المجلات والصحف ، كان رحمه الله مركزا يقصده طلبة العلم للنصح والارشاد فلم يبخل يوما عليهم بذلك ، فقد كان مهتما بتقديم تجربته وخبراته الى كل من قصده وطلب منه النصح والمساعدة، وكان منزله في سوريا ملتقى العلماء والمفكرين. للشيخ السهلاني اهتمامات متعددة فلديه دراسة في علم المنطق وعلم العروض ولديه اهتمامات بالقانون، وخاصة قانون الاحوال المدنية ، كما كان مهتما بالأدب والشعر، وبالرغم من كل ذلك لم يهمل الجانب العملي، ولذلك اسس جامعا للصلاة والعبادة ايمانا منه بأهمية هذا الجانب في حياة المجتمع كما كانت له محاولات في انشاء عدة اماكن للعبادة في مناطق مختلفة من البصرة . اوصى الشيخ السهلاني ان يدفن في الجامع الذي اسسه اعتزازا منه بذلك ولشدة تعلقه في بيت الله الذي اسسه للذكر والعبادة فكان كما اوصى ودفن في مقدمة الجامع بعد وفاته عام 2008ميلادي. وبعد عودته عام 2003 لم يبق كثيراً حيث اختاره الله تعالى إلى جواره الكريم، فانتقل إلى الرفيق الأعلى عام 2008 م، بعد أن ترك إرثاً كبيراً من العلم والجهاد وبعض المصنفات. أنشطةُ المسجدِ: كانت انشطة المسجد كثيرة في بداية تأسيسه، أهمها إنَّ المسجد كان يحتضنُ مهرجاناً شعرياً أدبياً فكرياً كبيراً كلَّ عامٍ ولمدةِ ثلاثةِ أيامٍ في شهر رمضان المبارك أيام استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) يحضرهُ الكثيرُ من العلماءِ والمفكرينَ والأدباء والشعراء والشخصيات البارزة في المجتمع، وكان المسجد يتبنى إصدار كتابٍ يضمُّ فقراتِ هذه المناسبةِ من كلماتٍ وقصائدَ للمشاركين. و كان النشاط في الجامع في ذلك الوقت يُمثلُ تحدِّياً كبيراً للسُّلطةِ آنذاك في تلك المرحلةِ الصعبةِ، لكن المؤسفَ أنَّ الأنشطةَ قلَّتْ تدريجياً لعدةِ أسبابٍ منها الضغوطات التي مُورستْ على سماحة الشيخِ السهلاني وعائلته من قبل أجهزة السلطة فقد أُبعد- كما ذكرنا - من البصرة الى مدينة (داقوق) لمدة ثلاثة أشهر، ونتيجة استمرار المضايقات والضغوط اضطره ذلك الى الهجرة خارج البلد. أعلام المنبر الحسيني: من أنشطةِ المسجدِ إحياء مناسبات أهل البيت(عليهم السلام) خصوصاً ذكرى استشهاد أبي الأحرار وسيِّدِ الشهداءِ الإمام الحسين(عليه السلام) في شهر محرم الحرام. فقد جاء وقرأ في مسجد الشيخ السهلاني العديد من الشخصيات والخطباء المرموقين أمثال عميد المنبر الحسيني الخطيب الدكتور الشيخ أحمد الوائلي ((رحمه الله)) زمن الستينات لمدة سنتين أو ثلاث سنين ثم الخطيب السيد عزيز الشرع والسيد داخل السيد حسن والشيخ يوسف دكسن وآخرون. واستمر المسجد بنشاطاتهِ رغم كلِّ الصعوباتِ والمضايقات التي مرَّ بها أيام الحكومات السابقة، وهواليوم أحد مراكز الإشعاع في البصرة، له الكثير من الأنشطة الدينية والاجتماعية وله تأثيره الكبير في المجتمع البصري. ومما تجدر الاشارة اليه إنَّ الكثيرَ من الشخصياتِ الدينيَّةِ صَلّتْ في هذا المسجدِ المباركِ منهم الشهيد السيد مهدي الحكيم "رحمه الله" نجل المرجع الديني الامام الحكيم "قدس سره" حيث جاء مشاركاً بكلمة في المهرجان الأدبي الذي كان يقام في المسجد. التطوُّرُ العمرانيُّ والطابعُ الجماليُّ:- شهد المسجد منذ تأسيسه عدة مراحل للتطور العمراني فكان في بداية التأسيس يضم الحرم والمكتبة والديوان والصحيات، وأضيفت له القبة في مدخله والطوارم والقبة فوق الحرم وبنيت المنارة بشكل تدريجي، حيث يبنى الطابوق وينزل عليه الكاشي والزخارف وهكذا الى أن يكتمل البناء، ومن الأمور البارزة في بنائها، أنَّ المهندسَ المعماريَّ الذي أشرفَ على بنائها تعهد بأنَّ هذه المنارة إذا لم تصب إصابةً مباشرةً فأنه يضمن استمرارية البناء لمدة 5000 خمسة آلاف عام. ومن الجدير ذكرهُ أنَّ المساجدَ بشكلٍ عامٍ اتَّصفتْ بطابعِها الجماليِّ الأخّاذ، وامتازَ مسجدُ الشيخ السهلاني بخاصة بباحتهِ الواسعةِ ومأذنتهِ وقبابهِ التي أضافتْ منظراً من الهيبة والجلال والجمال الروحي، فالمساجد عموماً تُضفي بمآذنِها وقبابها ظلالاً جميلة يستشعرها القلبُ أكثرَ ممَّا تراها العين، وعلى الرغم من الطابع الأخّاذ الذي امتاز به مسجد الشيخ السهلاني إلَّا إنَّهُ يتَّصفُ بالبساطة والتواضع، وهكذا حال بيوت الله التي بنيت وأسست للعبادة والذكر بقلوب واجفة خاشعة تتنافى مع الفخامة والإسراف في الزخرفة والزينة. إنَّ تعلُّقَ القلوبِ بالمساجدِ علامةٌ من علاماتِ الهداية والايمان؛ لذا كان الاهتمام بها وعمارتها وتعظيم شؤونها وتعلق القلب وسروره برؤية قبابها ومآذنها التي تشق بارتفاعها طريقاً نحو السماء هو من علامات الإيمان وأمارات الهداية التي صرَّحت بها الآية المباركة ((إنَّما يعمرُ مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)).