أعلام
إمام القُرّاء بالبصرة، يحيى بن يَعمُرَ العدوانيّ، النحويّ البصريّ
إنّ التراثَ البصريَّ حافلٌ بالأعلام والشخصيّات العلميّة والأدبيّة والفكريّة في ميادين العلم كافّة، وقد كان لهم قَدمُ السَّبق في إثراء التراث الإسلاميّ والمعرفة الانسانيّة بشكل عامّ، والكثيرُ منّا يجهلُ هؤلاء الأعلام وما قدّموه، فحريٌّ بنا أن نسعى جاهدين إلى إبراز تراث هؤلاء؛ فإنّ الأمّة التي لا تحتفى بعلمائها، يصيبها الجهلُ والظلامُ، والتراثُ ما هو إلّا تراكمٌ معرفيٌّ في سبيل التقدّم والتطوّر، فكيفَ بنا أن نتقدّم وقد سبَقَنا الكثيرُ من الأعلام في ميادينهم؟! فينبغي الرجوعُ الى معارفهم، ومواكبةُ التطوّر العلميّ؛ من أجل الوصول الى تصوّر علميٍّ صحيح. ومن هؤلاء الأعلام، الذين كان لهم الدور الأبرزُ في ميادين علوم القرآن، والفقه، والنحو، ولُغات العَرب، هو: يحيى بن يَعْمُر العدوانيّ، النحويُّ البصريّ. كان تابعيّاً لقي عبدَ الله بنَ عبّاس وعبدَ الله بنَ عمر، ولقيَ غيرهما. وُلد بالبصرة، وانتقل إلى خُراسان، أخذَ النحوَ عن أبي الأسود الدؤليّ، ويقال: إنّ أبا الأسود لمّا وضعَ بابَ الفاعِل والمفعولِ به، زاد فيه رجلٌ من بني ليث أبواباً، ثمّ نظرَ، فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه، فأقصرَ عنه، فيمكن أن يكون الرجلُ يحيى بن يعمر المذكور؛ إذ كان عِدادُه في بني ليث؛ لأنّه حليفٌ لهم، وكان شيعيّاً من الشيعة الأولى، القائلين بتفضيل أهل البيت عليهم السلام ( 1). وكان يعدُّ من كبار العلماء، وإمامَ القُرّاء بالبصرة، وعنه أخذ عبدُ الله بن أبي إسحاق القراءة، وأبو عمرو بن العَلاء ( 2). روى عن: أبي ذرّ، وعمّار بن ياسر، وابن عبّاس، وأبي الأسود الدؤليّ، وقرأَ عليه القرآنَ، روى عنه: عبدُ الله بن بريدة، وقتادةُ السدوسيُّ، ويحيى بنُ عقيل، وعطاء الخراسانيّ، وسليمان التيميّ، وإسحاق بن سُوَيد العدويّ، وآخرون. وقيل: إنّه أوّلُ من نقَّطَ المصحف، وكان أحدَ الفُصحاء، أخذَ العربيّةَ عن أبي الأسود، وكان الحَجّاجُ قد نفاه الى خُراسان، وتولّى القضاء بمرو أيّام قُتيبةَ بنِ مسلم. وكان إذا انتقل من بلدٍ إلى بلد، استُخلف على القضاء بها، قال خليفة: تُوفّي يحيى بن يعمر قبل التّسعين ( 3). وكان السبب في نفيه من أرض العراق، أنّ الحجّاج قال له: أخبرني عنّي أألحنُ في الكلام، قال: نعم تلحنُ لحناً خفيّاً، تزيد حرفاً وتنقصُ حرفاً، وتجعلُ (أنّ) في موضع (إنّ)، و(إنّ) في موضع (أنّ)، قال: قد أجّلتُك ثلاثاً، فإنْ أجدْك بعد ثلاث بأرض العراق، قتلتُك، فرجع إلى خراسان ( 4). وكان ينطق بالعربيّة المحضة، واللغةُ الفصحى طبيعةٌ فيه غيرُ متكلّف، وأخبارُه ونوادرُه كثيرةٌ، وتوفّي سنة تسع وعشرين ومائة( 5). ونذكر هنا قصّةً جرت بين يحيى بن يعمر والحجّاج؛ لما فيها من الفائدة الكبيرة من الناحية العقائديّة والاستدلال العقليّ، وهذه الحادثة كانت في عيد الأضحى، وقد أرسل للشعبيِّ، فقال: >يا شعبيُّ، هذا يوم الأضحى، وقد أردتُ أن أضحّي فيه برجل من أهل العراق، فأحببتُ أن تسمع قوله، فتعلم أنّي قد أصبتُ الرأي فيما أفعل به. ثمّ أمر بنَطع ( 6)، فبُسط، وبسيّاف، فأُحضر. وقال: أحضروا الشيخَ، فأتوا به، فإذا هو يحيى بن يعمر العدوانيّ، فاغتممتُ غمّا شديداً، وقلتُ في نفسي: وأيّ شيءٍ يقول يحيى ممّا يوجب قتلَه ؟!( 7) ، فقال له الحجّاج: أنت تزعم أنّك زعيمُ العراق؟ قال يحيى: الزعمُ كذبٌ، ولكنّي أقول: إني فقيه من فقهاء أهل العراق. قال: فمن أين فقهُك، زعمك الحسن والحسين من ذريةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ لتأتينّي بالمخرج أو لا ضربنّ عنقَك، فقال له: فإن أتيتُ بالمخرج فأنا آمن؟ قال له: نعم، قال له: اقرأوا { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} ( 8)، إلى قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى} ( 9)، قال يحيى: ومن أينَ كان عيسى من ذرّيّة إبراهيمَ ولا أبَ له من صلبه؟ قال: من قِبَلِ أمّه. قال يحيى: فَمَن أقربُ رَحِماً، مريمُ من إبراهيمَ أم فاطمةُ من محمّد، أمُّ الحَسَن والحُسين منه، أمُّ عيسى من إبراهيم؟ قال الشعبيُّ: فكأنَما لقمَه حجراً، فقال: أطلقوه قبّحهُ الله، وادفعوا إليه عشرةَ آلافِ دِرْهَم، لا بارك اللهُ له فيها. قال الحجّاج: فواللهِ، لكأنّي ما قرأتُ هذه الآيةَ قط< ( 10). ونكونُ بهذه الأسطر قد بيّنّا بعضَ الشيء قيمةَ هذا العالم الجليل، التي ـ بالتأكيد ـ لا تغطّي كافّة جوانب حياته المليئة بالعطاء، هذا العالم الذي نهلَ من مدرسةِ أهل البيت عليهم السلام، والذي تعلّم العربيّة وعلومَها من أبي الأسود الدؤلي، الذي هو بدوره كان أحدَ أبرز تلاميذ الإمام عليٍّ عليه السلام. الهوامش ( 1)وفيّات الأعيان، لابن خِلِّكان، 6/ 173. ( 2) أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، 10/ 304-305. ( 3) تاريخ الإسلام، للذهبيّ، 6/ 502-503. ( 4) أنساب الأشراف، للبلاذري، 13/ 265-266. ( 5)وفيّات الأعيان، لابن خِلِّكان، 6/ 175. ( 6) النَّطْعُ: هو بِساطٌ من الأَدِيم. ينظر: تاجُ العروس، للزبيديّ، 11/ 482. ( 7) تاريخ الطبريّ، 5/ 187؛ الكامل في التاريخ، لابن الأثير، 4/ 499. ( 8) سورة الأنعام، الآية 83. ( 9) سورة الأنعام، الآية 84-85. ( 10) أنساب الأشراف، البلاذريّ، 13/ 265؛ شرح الأخبار، القاضي النعمان، 3/ 92-95؛ وفيّات الأعيان، لابن خِلِّكان، 6/ 174؛ مرآة الجنان، اليافعيّ، 1/ 213؛ حياة الحيوان الكبرى، الدّميريّ، 1/ 190. د. أشرف عبد الحسن
صور من الموضوع ...
نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.