مكتبات عامة او شخصية
مكتبةُ مَركَز تُراث البصرة مَعينٌ للثقافة البصريّة
لا يخفى أنّ العلمَ والكتبَ والمكتبةَ متلازمةٌ، وهي التي قادت البشريّةَ الى التطوّر والنموّ والرَقيّ في الحياة الماديّة والمعنويّة، بل نجد الحضارات كلّها منذ القدم تهتمّ بالجانب العلميّ والعلماء، ومنها الجانب الطبّيّ، الذي يُساعد الانسان على الحصول على صحّة جسده، وأهتمّ ـ كذلك ـ بصحّته وغذائه الروحيّ عن طريق الارتباط بالعقائد السماويّة، ومنذ زمن نبي الله ادريس 1 ، الذي ذكرت المصادرُ الإسلاميّةُ أنّه نزلت عليه ثلاثين صحيفةً، وأنّه أوّل من خطّ بالقلم 2 ، ولا شكّ أنَّ الخطَّ أو الكتابة ما كانت في زمانهم بالكيفية التي عُثر عليها فيما بعدُ من قِبل المُنقّبين على الحجر، وعاش النبيُّ إدريسَ عليه السلام في الألفيّة الرابعة قبل الميلاد 3 ، ويعدُّ مؤسّسَ الحضاراتِ في بلاد الرافدين ومصر، ومنها الى مناطق أخرى شاسعة. وكذا يعدّ النبيُّ ادريسَ أوّلَ معلّم للبشريّة، وعبقريّ الهندسة 4 . وكانت أماكنُ العبادة منذ القدم أماكن لدراسة وتعلّم الأحكام الدينيّة والأمور العباديّة، فضلاً عن أنّها كانت أماكن لتعلّم الأمور الطبيّة، التي هي من صميم حاجة الانسان، فكانت الأدْيرةُ والكنائسُ أماكنَ للتعليم، وفيها مكتباتٌ ومدارسُ خاصّة، وهذا ما انطبق على المساجد في العصور الإسلاميّة إلى عصرنا الحالي. ومن ذلك نفهم أمرين: أهمّية العلم في حياة البشريّة، وأهميّة الكتاب والمكتبة لحفظ ذلك العلم من الضياع، وقد ورد عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: (إحتفظوا بكتبكم؛ فإنكم سوف تحتاجون إليها) 5، وهذا ما عَكَفَ عليه العلماءُ منذ ذلك الزمان؛ إذ عكفوا على حفظ وتدوين الأحاديث النبويّة والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، ثمّ بدأوا بتدوين مختلف العلوم بعد أن بدأت في التطوّر والازدهار، منها: مدرسةُ البصرة، ومدرسةُ الكوفة، والمدرسةُ المستنصريّة، وبدأ العلماء في حفظ الكتب وتبويبها وتصنيفها؛ ليسهل على القارئ والمتعلّم الوصولُ الى الكتاب والمعلومة، ومن هنا، نفهم الدورَ الكبيرَ في حفظ التراث الإسلاميّ وحفظ تراث أولئك العلماء الذين أفنَوا أعمارهم في الدرس والتدريس، ومن هنا ندركُ الحاجةَ الى المراكز الثقافيّة والبحثيّة في حفظ التراث الاسلاميّ وإظهار ما تمّ التعتيم عليه أو محاولة طَمسه، ومن المراكز المباركة التي أخذت العتبةُ العبّاسيّةُ على عاتقها إنشاءَها والعنايةَ بها، هو: مركز تُراث البصرة، الذي يضمّ بين جنباته عدّة وحداتٍ للبحث والتحقيق والإعلام، ويضم ـ ايضاًـ مكتبةً أُنشئت منذُ التأسيس، ومرّت بمراحلَ للتطوير، وحَوَت مختلفَ الكُتب والدوريّات. وهنا، لابدّ أن نلقيَ الضوءَ على أبرز الموضوعات والتصنيف الذي أحتوته المكتبةُ، فكانت المخطوطاتُ والكُتبُ البصريّةُ وكتبُ تاريخ البصرة من ضمن الكتب التي حرصت المكتبةُ على اقتنائها وإغناء مكتبة المركز بها؛ باعتبارها العنوانَ الرئيسَ لإنشاء المركز، وهو البحث عن تراث البصرة وحفظه، ففي المكتبة (278) مصوّرَة مخطوطة بصريّة، فضلاً عن المخطوطات غير البصريّة، وأيضاً الموضوعات الأخرى لا غنى لأيّ مكتبة عن اقتنائها؛ لحاجة البحث إليها، فكانت علومُ القرآن وتفسيرُه من مقتنيات المكتبة، فضلاً عن كتب سيرة النبيّ وأهلِ البيتِ عليهم السلام، للبحث عن رجالات البصرة، وإظهار دورهم في حفظ الروايات وتدوينها ونقلها. ومن ضمن تصنيفات المكتبة الأخرى احتواؤها على كتب الرجال، التي لا غنى عنها عند البحث في التاريخ الاسلاميّ، وكذا احتوت المكتبة على مختلف كتب التراجم والعقائد والفقه والأصول، فضلاً عن الكتب اللغويّة، التي تعدّ إحدى الركائز المهمة للمكتبات عموماً، فاحتوت على دواوين شعريّة، ودراسات أدبيّة، ودراسات شعريّة، وقصص، وروايات. ومن ضمن تصنيفات المكتبة الأخرى غناها بكتب التراث الاسلاميّ، فاحتوت على كتب التاريخ الاسلاميّ بمختلف مراحله وعصوره، ومنه الدولة العبّاسيّة، والدولة العثمانيّة، وتاريخ دول الخليج، وايران، والعراق، والتاريخ الجغرافيّ، والرحلات، فضلاً عما احتوته المكتبةُ من موضوعاتٍ وتصنيفاتٍ أخرى، منها: دوائرُ المعارف، والمعاجمُ، والموسوعاتُ، وكتب الأنساب، والفهارس، فضلاً عن المعارف العامّة، والمجلّات، ورسائل الماجستير، وأطاريح الدكتوراه التي تخصّ البصرة. وهنا، ينبغي أن نبيّن الدورَ الذي قام به المركزُ في مجال المطبوعات والنشريات خلال فترة وجيزة، ورُغم الصعوباتِ والتحدّياتِ التي واجهته؛ فقد كان في مرحلة تأسيس، إلّا أنّه استطاع أن ينجز (158) بينَ كتاب وكرّاس خلال ستّ سنين فقط، فضلاً عن مجلّة (الخطوة) الثقافيّة، التي يُصدرها، التي أصدر منها لحدّ الآن تسعةَ عشر عَدداً، ومجلّة تراث البصرة المُحَكَّمَة، التي نالت تحكيم مختلف الجامعات العراقيّة، وصدر منها (عشرة) أعدادٍ الى الآن، وهناك أعدادٌ وبحوثٌ مكتملة يجري العملُ عليها. في الختام، نسأل الله أن يوفّق ويُسدّد كلّ من كان له جهدٌ في هذا العمل المبارك في حفظ التراث الاسلاميّ والبصريّ. الهوامش : 1- في التوراة هو "أخنوخ" بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم كما في سفر التكوين: 4، وهو من أجداد نوح. وإنما قيل لَهُ إدريس لأنّه أوّل من درس الوحي المكتوب، ينظر: ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ١/ ٢٣٣، باب ذكر إدريس عَلَيْهِ السَّلام. والحكماء اليونانيون يسمّونه هرمس الحكيم، ينظر: ابن الأثير، الكامل، 1/ 59 . 2- ابن قتيبة الدينوري، المعارف، 20-21؛ اليعقوبي، تاريخ، 1/ 11؛ ابن رستة، الأعلاق النفيسة، 191؛ الطبري، تاريخ، 1/ 116؛ البيهقي، المحاسن والمساوئ، 270؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد، 4/ 239؛ ابي هلال العسكري، الأوائل، 423؛ البلخي، البدء والتاريخ، 3/ 423؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 23/ 275؛ ابن الجوزي، المنتظم، 2/ 142. وبقيّة المؤرّخين كلّهم ذكروا ذلك الخبر. وذكر أنّه أوّل من خطَّ بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمئة سنة وثماني سنين. وقد قال طائفة من الناس أنّه المُشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل الرسول محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخطّ بالرّمل، فقال: "قد كان نبيٌّ مِن الأنبياءِ يخُطُّ، فمَن وافَق خطَّه، فذاك"، ابن كثير، البداية والنهاية، 1/ 111 . 3- شهدت الألفيّة الرابعة قبل الميلاد تغييرات كبيرة في ثقافة الإنسان. إنّها تمثّل بداية العصر البرونزيّ، وكذا تمثّل بداية عصر الكتابة. في هذه الألفية تم إنشاء مدينة سومر، وبدأت مملكةُ مصر تنمو في المساحة. بدأت الزراعة بالانتشار على نطاق واسع، وفي هذه الفترة شهدت بلادُ الرافدين مع الهيمنة السومريّة الناشئة تطويرَ نوع الكتابة "بروتو - المسمارية"، والنظام الستّيني الرياضيّاتي، وعلم الفلك، وعلم التنجيم، والقانون المدني، والهيدرولوجيا المعقدة، والمراكب الشراعية، وعجلة الخزاف، والعجلة، والمشغولات النحاسيّة العائدة إلى العصر البرونزيّ المبكّر، ففي في عام 3500 ق.م. تمّ اختراع المحراث في الشرق الأدنى، وفي عام 4000 قبل الميلاد تم اختراع دولاب تصنيع الخزف في سومر، ينظر: Roberts, J: "History of the World.". Penguin, 1994؛ Federico Lara Peinado, Universidad Complutense de Madrid: "La Civilización Suemria.". Historia 16, 1999 4- وهو أوّل بني آدم، أُعطي النبوة بعد آدم وشيث، وكانت ولادته على بعض الروايات في بابل، ثمّ إنّه أخذ بالدعوة للتوحيد في أصقاع مختلفة من الأرض، ومنها: مصر وما جاورها من بلاد الشام، ومنها: فلسطين، وللنبي إدريس دورٌ كبيرٌ في نشوء حضارة بلاد وادي الرافدين والحضارة المصريّة، يُنظر: الراوندي، قصص الأنبياء، 84؛ وليد المحمّد، قصص الأنبياء والحضارات، 1/ 86-88؛ رؤوف سبهاني، تاريخ الأديان القديم، 38 . 5 - الكليني، الكافي، 1/ 52 .