معهد القرآن الكريم للرجال
دراسات وبحوث
تَأمُّلات تَعبِيريّة فِي السِّيَاقَات القُرآنِيّة الحلقة الأولى- ج1
التاريخ : 15 / 5 / 2018        عدد المشاهدات : 114

       إنّ موضوع التوسّع في المعنى أو السِّعة في التعبير لكثير من الألفاظ الواردة في القرآن الكريم من الموضوعات المهمة التي تلفت الانتباه إليها، والمراد بها هو أن العبارة في القرآن الكريم تحتمل أكثر من معنى، فإذا كانت هذه المعاني كلها مرادة في التعبير- أي في آن واحد- صار عندنا ما نسميه بالتوسّع في المعنى. ولنضرب مثلا على التوسّع في المعنى من ذلك قوله تعالى: }فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا| (التوبة82) فقوله (قليلا) فيه اعرابان فإما أن يكون مفعولا مطلقا نابت عنه صفته فأصله ضحكاً قليلاً أو يكون ظرف زمان أي زمناً قليلاً. والعبارة تحتمل الاعرابين معا لذلك صار عندنا توسع في المعنى، ومن الآيات التي يتضح فيها التوسع في المعنى قوله تعالى: }يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا|(السجدة 16) فقوله (خوفاً وطمعاً) يحتمل ثلاثة إعرابات أحدها مفعول لأجله وثانيها مفعول مطلق وثالثها حال.. وما دام المعنى يستلزم هذه الإعرابات كلها صار عندنا توسع في المعنى. وهناك اسباب عديدة ادت إلى حصول التوسع في المعنى في القرآن الكريم سنذكرها ونفصّل القول في كل واحد منها مع بسط الأمثلة عليه.      

الحلقة الأولى:

- الجمع بين عطفين متغايرين:

الأصل في الكلام أن يعطف على اللفظ نحو أقبل محمد وخالد، وقد يعطف على المعنى ويدخل تحت هذا ما يسميه النحويون العطف على المحل كقولهم: ليس زيدٌ بقائم ولا قاعداً فقد قالوا إن (قاعداً) معطوف على محل (قائم) وذلك أنه خبر ليس وحقه النصب.

والعطف على المعنى من باب التوسع في المعنى وله ظواهر متشعبة؛ لذلك سنأخذ عينات من دون تصنيف. فقد جعلوا من هذا الضرب قوله تعالى: }فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ|(المنافقون10) فعطف (أَكُنْ) المجزوم على (أصدّقَ) المنصوب وهو عطف على المعنى، وقبل كل شيء لا بد لنا من معرفة السياق الذي وردت فيه هذه الآية قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ| (المنافقون 9-10) ومعنى الآية أن الله سبحانه وتعالى نهى عن الالتهاء بأمر الأموال والأولاد إلى حد الغفلة حتى يترك ذكر الله ومن يفعل ذلك فهو من الخاسرين. ولعل أول سؤال يخطر ببالنا هو: لم قال (لا تلهكم) ولم يقل لا يشغلكم؟ وجواب ذلك أن الشغل قد يأتي في الخير قال تعالى: }إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ| (يس55) وقال الرسول محمدa: "إنّ في الصلاة لشغلا أو كفى بالصلاة شغلا"، ثم أنظر إلى قوله (لا تلهكم أموالكم) ومعناه: لا تلتهوا، والتعبير في الآية فيه شيء من الغرابة؛ لأنه جعل الأموال هي الفاعل أي وقع عليها النهي فحينما نقول: لا يضربْ عليّ سامرا فالمنهي هو عليّ وعندما نقول: لا تضربي هنداً فالياء في (تضربي) الفاعل هي المنهي. فالمنهي في اللغة هو الفاعل وقد قال تعالى: }لا تلهكم أموالكم| فالمنهي هي الأموال؛ لأنها الفاعل والكاف مفعول به. ولكن لمَ استعمل هذا التعبير ولمْ يقل لا تلتهوا بالأموال والأولاد؟ وجواب ذلك هو أنه ذهب إلى السبب فأراد أن يحجز السبب أي سبب الالتهاء عن المؤمنين وكأنه قال يا أيها الأموال دعوا المؤمن وشأنه وهذا التعبير فيه تنبيه واضح للمؤمن. وهذا التعبير (لا تلهكم أموالكم) تعبير مجازي لأنه جعل الأموال أشياء مفكرة ولها إرادة وكأنها تنصب الشراك للمؤمن.

ويلحظ أنه جاء بـ (لا) مفصولة بين الأموال والأولاد فقال:}لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ| وذلك سببه أنه لم يرد الجمع بينهما إنما أراد كل واحد منهما على حدة؛ لأن كل واحد منهما هو داعٍ من دواعي الالتهاء ولو أنه حذف (لا) سيظن ظان أنه يريد الجمع بينهما كقولنا لا تحمل البنزين والنار فالجمع بينهما هو أساس البلاء. ولكن لمَ قدم المال على الأولاد؟ وهل يحبُ الرجل أمواله أكثر من الأولاد؟ وجواب ذلك أن الاشتغال بالأموال يأخذ وقتا طويلا من الإنسان فقد يخرج الرجل من بيته وأولاده نيام ويعود ليلا وهم كذلك فتنمية الأموال تأخذ وقتًا كثيراً. وهذا التقديم أعني تقديم المفضول (الأموال) على الفاضل (الأولاد) سيكون نظيراً لتقديم الصدقة على الصلاح، لأنه عندما قدّم النهي عن الالتهاء بالمال قدّم الصدقة.

وحينما وردت الأموال والأولاد في القرآن الكريم فإنه يقدم الأموال على الأولاد قال تعالى: }الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا|(الكهف 46)، وقال تعالى: }أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا|(الكهف 39)، وقال تعالى:

}إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ|(التغابن15)، إلا في قوله تعالى: }قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا|(التوبة24). فقد قدم الأبناء على الأموال ولا شك أن كفة الاباء والاخوان والزوجات والعشيرة والأبناء أرجح وأثقل من كفة الأموال لذلك قدم الابناء. وعندما يذكر القرآن الكريم الجهاد يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس إلا في موضع واحد قدم فيه الجهاد بالنفس على الجهاد بالأموال في قوله تعالى: }إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ| (التوبة111) .

ولننظر في قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ| فلم قال (عن ذكر الله) ولم يقل عن الجهاد أو عن الصلاة...؟؟ وجواب ذلك أن عبارة (ذكر الله) شملت جميع العبادات والفرائض؛ لأن كل عمل يقدم عليه المؤمن وليس فيه ذكر الله فهو ليس عبادة فـ (ذكر الله) عبارة عامة شاملة لأنواع الطاعات كالصلاة والزكاة والتسبيح والابتهال والتأمل في عظمة المخلوقات.

ولننظر مرة أخرى في قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ| يلحظ أنه قال في مبتدأ النهي (لا تلهكم) ثم قال بعد ذلك (ومن يفعل ذلك) ولم يقل (ومن تلهه) وسبب ذلك أنه يريد التأكيد بأن هذا من فعل الإنسان فهو له مريد وليس مسلوب الإرادة لذلك قال (ومن يفعل ذلك) ولم يقل: ومن تلهه, ثم قال (ومن يفعل ذلك) بصيغة الفعل المضارع ولم يقله مثلا بصيغة الماضي أي: ومن فعل ذلك؟ وجواب ذلك أن استعمال الشرط بصيغة الفعل المضارع قد يفيد افتراض تكرر الحدث وتجدده قال تعالى: }وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ| (لقمان12) فجاء بـ(يشكر) بصيغة المضارع و(كفر) بصيغة المضي؛ وذلك لأن الشكر يتجدد ويكثر وليس كذلك الكفر فإن الكفر يحصل ابتداءً ويبقى صاحبه عليه إلا إذا شاء الله. فالشكر عمل يومي متجدد بخلاف الكفر الذي هو الاعتقاد قال تعالى: }وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا| (النساء93)، وقال تعالى: }وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ| (النساء92) فجاء في القتل الخطأ بالفعل الماضي لأنه خطأ لا يتكرر وهو قليل بخلاف القتل العمد وهو الاصرار على قتل المؤمن. فقد جاء به بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار والتجدد لأنه يتكرر وقوعه.

 


أ.م.د. وفاء عباس فياض


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :