معهد القرآن الكريم للرجال
دراسات وبحوث
الدعاء سر العبادة
التاريخ : 25 / 10 / 2016        عدد المشاهدات : 267

في أيّ دين من الأديان هناك إيمان بوجود إله خالق قدير مدبّر تتوجه إليه النفوس والأرواح في ضراعة ورجاء ويُلتمس منه قضاء بعض الصعوبات التي لا يمكن لبشر أن يقضيها بمفرده بقواه البشرية، وعلى مرِّ العصور كان هذا الإيمان سبباً لظهور الأديان والاعتقادات مع عدم النظر إلى صحة هذه الأديان وخطئها ومن ضمن ركائز كلّ دين أو عقيدة هو التوجّه للمعبود بطريقة أو بأخرى، أما في الدين الإسلاميّ الحنيف فقد تبلورت فكرة التوجّه للمعبود ومناجاته إلى أبعد مدياتها فكان الدعاءُ اتصالا مباشرًا من المخلوق إلى الخالق وقد جاء في القرآن الكريم ذكر الدعاء وكيف يجب أن يكون حال الداعي وكل ما يجب أن يعرفه الإنسان عن موضوع الدعاء، فوصف الله سبحانه وتعالى الدعاء بأنّه هو العبادة نفسها }وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ{ (غافر 60) وقرنها في موضع آخر بالصلاة }رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ{ (إبراهيم 40) ووصفه سبحانه وتعالى بأنّه التضرّع والطلب من الله كقوله في الآية }فدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ{ (القمر10-12) وجعله عزّ وجل سبباً لكشف الضُّرِّ والسُّوء كقوله تعالى}أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ{ (النمل 62).

وقد جرى ذكر الدعاء في آيات كثيرة من القرآن وفصّلت السُّنة النَّبويّة كيفية الدعاء وآدابه وشرائطه والأزمنة والأمكنة والحالات التي يُستحبّ الدعاء فيها وجاء التأكيد على الدعاء لأنّ النّبيّ والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم عدّوه مخّ العبادة ورأس مال المؤمن وسلاحه وترسه، قال رسول الله  (صلى الله عليه واله وسلم): (إنّ الله تعالى يستحيي من العبد يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين) (مطلع الصباحتين ومجمع الفصاحتين ص 310). وأكّد أميرُ المؤمنين (عليه السلام) على أهمية الدعاء لدفع شر أو لجلب نفع حتى وإنْ لم يقع الإنسان في البلاء حيث قال (عليه السلام) (مَا مِنْ‏ أَحَدٍ ابْتُلِيَ‏ وَإِنْ عَظُمَتْ بَلْوَاهُ بِأَحَقَّ بِالدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْبَلَاء) (بحار الأنوار ج‏90، ص:381) وذلك أن البلاء إما حاصل وإما متوقَّع الحصول. والدعاء مهم لرفع البلاء الحاصل ودفع السوء النازل أو جلب نفع مقصود أو تقدير خير موجود ودوامه ومنعه من الزوال (عدة الداعي) وأهل البيت (عليهم السلام) وصفوا الدعاءَ بالسلاح، والسلاح مما يستجلب به النفع ويستدفع به الضرر وسمّوه أيضًا ترساً والتّرس جُنّة يُتوقّى بها من المكاره، قال (صلى الله عليه واله وسلم) : (أَلَا أَدُلُّكُمْ‏ عَلَى‏ سِلَاحٍ‏ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَيُدِرُّ أَرْزَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ، فَإِنَّ سِلَاحَ الْمُؤْمِنِ الدُّعَاءُ) (شرح الكافي-الأصول و الروضة للمولى صالح المازندراني، ج‏10، ص: 207).

الدعاء يردّ القضاء

- قال (صلى الله عليه واله وسلم) الدعاءُ مخّ العبادة ولا يهلك مع الدعاء أحد. وقال (صلى الله عليه واله وسلم): (لَا تَعْجِزُوا عَنِ‏ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ وَلْيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ‏ واسْألُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَ إِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَنْ نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَر) )(بحار الأنوار 90/300..)

- وقال (صلى الله عليه واله وسلم) من سره أن يستجيب الله سبحانه له في الشدائد والكرب فليكثر الدعاء عند الرخاء.

ولا شك أنّ الدعاءَ مرتبطٌ ارتباطا مباشرا بقضية البَداء ألا ترى كثرة ما جاء عن المعصومين بشأن دفع القضاء بالدعاء، فعن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال:(لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاء).  وعن أبي حمزة الثمالي من حديث رواه عن أبي جعفر الباقر، وعلي بن الحسين (عليهم السلام) قالا: (إِنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ عِفَّةُ الْبَطْنِ‏ والْفَرْجِ ولَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ والدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ الَّذِي أُبْرِمَ إِبْرَاما).

(الاختصاص228). وعن عمر بن يزيد: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: إنّ الدعاء يرد ما قد قدر وما لم يقدر، قلت: وما قد قدر عرفته فما لم يقدر؟ قال: حتى لا يكون. وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) :(الدُّعَاءُ يَدْفَعُ‏ الْبَلَاءَ النَّازِلَ‏ ومَا لَمْ يَنْزِلْ)، وورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: الدعاء يردّ القضاء بعد ما اُبرم إبراماً، فأكثر من الدعاء فإنّه مفتاح كلّ رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا ينال ما عند الله إلاّ بالدعاء. وليس باب يكثر قرعه إلاّ يوشك أن يفتح لصاحبه.

من الذي لا يستجاب دعاؤه

مما يقبل الشَّك أن هناك من هم مستجابوا الدعوة ومن هم عكس ذلك وهناك أسباب لعدم استجابة الدعاء ذكرتها الأحاديث الشريفة وسنورد بعضاً منها:

روى جعفر بن إبراهيم عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: أربعة لا يُستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول : اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك في الطلب ؟ ورجل كانت له امرأة فاجرة، فدعا عليها، فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟ ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللهم ارزقني، فيقال له ألم آمرك بالإصلاح (بالاقتصاد) ثم قال: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ (الفرقان -67) ورجل كان له مال فأدانه رجلاً ولم يشهد عليه فجحده، فيقال له: لم آمرك بالإشهاد.

وروى يونس بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:( إِنَ‏ الْعَبْدَ لَيَبْسُطُ يَدَيْهِ‏ يَدْعُو اللَّهَ ويَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ مَالًا فَيَرْزُقُهُ. قَالَ: فَيُنْفِقُهُ فِيمَا لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: ثُمَّ يَعُودُ فَيَدْعُو. قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: أَ لَمْ أُعْطِكَ، أَ لَمْ أَفْعَلْ بِكَ كَذَا وَكَذا). وروى سليمان بن عمر قال سمعت أبا عبد الله ع يقول إن الله لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه فإذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة. روى هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من تقدم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء وقيل صوت معروف ولم يحجب عن السماء ومن لم يتقدم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء وقالت الملائكة إنّ ذا الصوت لا نعرفه، ومن دعا وهو مصر على المعاصي لا يستجاب دعاؤه. قال رسول (صلى الله عليه واله وسلم): (مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر). وعن الصادق عليه السلام (كان رجل من بني إسرائيل يدعو الله تعالى أن يرزقه غلاما ثلاث سنين فلما رأى أن الله لا يجيبه قال يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب فلا تجيبني؟؟ فأتاه آت في منامه قال إنك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسان بذيء وقلب عات غير نقي ونية غير صافية (صادقة) فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك ولتحسن نيتك ففعل الرجل ذلك عاما فولد له غلام). فقد اشتمل هذا الحديث على أربعة شروط الأول الإقلاع عن البذاء، والثاني عدم قساوة القلب، والثالث حسن النية وهي هنا عبارة عن حسن الظن، والرابع التوبة عن المعصية بقوله فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك. والدعاء مع أكل الحرام لا يستجاب). (عدة الداعي).


أحمد الخالدي


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq


كما يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :