مركز تراث الحلة
اهم الاحداث التاريخية
بنو مزيد والتشيّع
التاريخ : 13 / 6 / 2016        عدد المشاهدات : 633

كانت أغلب القبائل العربية التي نزحت صوب الفرات الأوسط من الشيعة الإمامية، ومع أن بعضها أبّان ثورة البساسيري في سنة (450هـ) قد تأثّر بدعوة مؤيد الدين داعي الدعاة الفاطمي فأعلنوا ولاءهم للخليفة الفاطمي في مصر ومن بينهم بنو مزيد، غير أن ولاءهم هذا لم يكن عقيدياً، فقد ظلّ المزيديون مترددين في الدخول في دعوة مؤيد الدين، والواضح أنهم لم يدخلوا في صراع سياسي مسلح ضد الخليفة العباسي.

الأمير صدقة بن مزيد

  بقي المزيديون متعلقين بارتباطهم الروحي والمذهبي وولائهم لآل البيت الأطهار(عليهم السلام)، ليس في نظر أهالي الفرات الأوسط فحسب بل في نظر الخليفة العباسي والأمراء البويهيين، ومع كون البويهيين شيعة زيدية أو إمامية، فإن الشيعة في المنطقة وفي واسط وبغداد والسلطة العباسية كانوا ينظرون الى أمراء بني مزيد على أنّهم شيعة وأنّهم المدافعين عن حقوقهم وشؤونهم وحلِّ مشاكلهم، وفي عدّة مناسبات أضطر الخليفة العباسي إلى أن يستنجد بالمزيدين بهدف تهدئة الأوضاع الأمنية المرتبكة في العاصمة، ففي سنة (407هـ/1016م) وقعت فتنة طائفية بين السُنّة والشيعة في واسط، كان من نتائجها نهب السنّة محلات الشيعة والزيدية، فشكّل وجهاء الشيعة وزعماؤهم وفداً قصدوا علي بن مزيد في النيل مستغيثين به وطالبين النجدة والمساعدة، وعلى الرغم من هيمنة البويهيين على السياسة والجيش، فإن أهالي واسط لم يقصدوهم وفضّلوا الاستعانة بالمزيدين، الحالة التي تعكس بوضوح سعة نفوذهم وسلطة علي بن مزيد أولاً ولكونه صار المعوّل عليه في المنطقة والمناطق المجاورة أمثال واسط، والأكثر أهمية هو اعتراف الأهالي بزعامة علي الشيعية وكونه راعياً لهم.

فوارس بني مزيد

   وتكررت الحالة في سنة (443هـ/1051م) فيذكر ابن الأثير أن فتنة مذهبية وقعت في هذه المرة ليس في واسط إنما في بغداد، واندلعت الفتنة بين السُنّة والشيعة، وأحرق السُنّة بعض الأضرحة المقدسة عند الشيعة، فلما وصلت هذه الأخبار إلى مسامع دبيس بن علي غضب غضباً شديداً واندفع سريعاً بقطع الخطبة من على مساجد النيل وتوابعها بإسم الخليفة القائم، واتسعت دائرة قطع الخطبة في أعمال الفرات الأوسط، يقول ابن الأثير: "وقاده غضبه إلى قطع الخطبة في أعماله"، ولم يكتف بذلك إنّما عاتب القائم مشيراً في عتابه إلى عدم قدرة الخليفة على المحافظة على الأمن والضرب على أيدي المسببين لحادث الحريق، فمجريات هذا الحادث وما تركه من آثار عند الأمير المزيدي يعكس مدى ارتباطه العقيدي الإمامي، وأنه الحامي المؤثر للشيعة في بغداد، وإن كان الخليفة نفسه قد أظهر بالفعل ضعفه إزاء هذا العمل المروّع، والواقع أن الخليفة العباسي قد فقد في هذه المدة أية قدرة على حماية الشيعة أو ضبط الأمن والنظام، فضلاً على تشجيعه ومساعدته إثارة الفتن الطائفية وذلك بميله إلى جانبٍ من المجتمع البغدادي ضد الآخر، ولهذا فقد عاتبه علي بن مزيد على تساهله وعدم سيطرته على الأحداث.

دار الخلافة الفاطمي

   وينبغي علينا عدم التقليل من موقف دبيس بن علي من الدعوة الفاطمية، فالأدلة التاريخية تشير إلى أن دعمه للبساسيري كان بسبب تشيعه، وأنه دخل في مصاهرة مع البساسيري الشيعي الولاء، وإذا ما تتبعنا علاقة دبيس بداعي الدعاة الفاطمي الذي أبلغه أن الخليفة الفاطمي قد أسبغ على دبيس لقب (سلطان ملوك العرب سيف الخلافة صفي أمير المؤمنين) يتبين بجلاء أنه كان يمثل قوة فاعلة ومؤثرة، فلقب سلطان ملوك العرب أكثر نفوذاً وهيمنة من لقب ملك العرب، وكان الخليفة الفاطمي يريد من وراء هذه الألقاب تشجيع زعماء القبائل العربية على مواقفهم المؤيدة للفاطميين، ولكنّ اللقب من جهة ثانية له أبعاد دينية وسياسية واضحة، وهذا ما تدعمه الرواية الآتية التي وقعت في سنة (478هـ) عندما توفي منصور والد صدقة، فقد أوفد الخليفة نقيب العلويين إلى صدقة يُعزيه بوفاة والده، فإيفاد مسؤول علوي كبير في بغداد للتعزية تؤكد دون شك المكانة الكبيرة التي يحتلها المزيديون في نظر الشيعة، فالأمير صدقة لم يعمل في هذه المدة بالذات، وهو يرث الإمارة على فرض نفوذه وهيمنته على المنطقة، كالحالة التي سيظهرها في السنوات اللاحقة، ولكن الإمارة نفسها قد برهنت للخلافة العباسية أنها إمارة مؤثرة سياسياً ودينياً لذلك سعى إلى كسب ودّها وجانبها.

فرسان بني مزيد في الدفاع عن الشريعة

عندما اندلعت فتنة مذهبية أخرى في سنة (482هـ/1089م) في بغداد بين السُنّة والشيعة، في عهد السلاجقة الأتراك الذين كانوا يميلون إلى جانب السُنّة، نهب السُنّة يساعدهم الجنود الأتراك المحلات الشيعية، وسُفكت الكثير من الدماء، ومما زاد الطين بلّة أن السُنّة تجاوزوا بقتلهم أحد العلويين الوجهاء، وكان على الخليفة التدخل ومعاقبة المعتدين لكنه لم يحرك ساكناً، إنما أمر بمكاتبة سيف الدولة صدقة طالباً منه إرسال مساعدة عسكرية للسيطرة على الوضع في بغداد، فأسرع صدقة بتجهيز حملة عسكرية سلّم قيادتها إلى أبي الحسن الفاسي الذي تحرّك سريعاً فأمر بنقض بيوت الذين قتلوا العلوي وحلق شعور الجميع عقاباً على ما فعلوه، عدا من كان من الأشراف أو من الجنود، فضلاً عن هذا فإن القائد استعمل القوة في قتل قوم من المعتدين ونفي آخرين وبذلك سيطر على الموقف فهدأت الفتنة، فمراسلة الخليفة صدقة يعكس ضعفه وعجزه، وخروج السلطة من يده، أو أنه لم يرغب في الضرب على أيدي القتلة، وبذلك يكون هدفاً في نظر السُنّة، ولكن هذه الحادثة تبيّن عدم قدرته على ضبط الأمن فاعترف بزعامة صدقة لكونه الشخصية القوية سياسياً، وأنه الحامي المؤثر لشؤون الشيعة في بغداد.

اهداء كتاب الصادح والباغم لابن الهبارية

 هذه المواقف الشيعية من قبل المزيديين عامة وصدقة بشكلٍ خاص قد جعله هدفاً للحاقدين والحُسّاد، فاعتمادا على قول كل من ابن الجوزي وابن الأثير فأن العميد أبا جعفر البلخي المقرّب من الخليفة في بغداد، أراد أن يُفسد العلاقة بين الخليفة وصدقة فاتهم صدقة بأنّه كان على مذهب الباطنية، ويُقصد بذلك الإسماعيلية لأن الإسماعيليين أصحاب (قلعة الموت) قد أخافوا وسببوا الذعر للساسة من سلاجقة أو ممن يتعاون معهم أولئك الذين يلحقون الأذى بالشيعة عامة، وأتهمه أيضاً بأنه يشجع على سبِّ الصحابة في جميع أعماله المزيدية الإدارية، ووجد هؤلاء المؤرخون أن هذا الاتهام غير صحيح فعقّب ابن الأثير بقوله: "إنّ صدقة ليس إسماعيلياً إنما كان شيعياً"، هذه مجموعة من النصوص التاريخية التي أوردها ابن الجوزي وابن الأثير وهما مؤرخان قد استقيا معلوماتهما عن هذه الحقبة من القرن الخامس الهجري من تاريخ الصابي، ودون شك فإن الصابي وابنه محمد غرس النعمة، قد أدليا بمعلوماتٍ أخرى عن علاقة بني مزيد بشيعة بغداد والمدن الأخرى، وكذلك فإن الأمراء بالتأكيد كانوا محافظين على احترامهم وقدسيتهم وزياراتهم لأضرحة آل البيت (عليهم السلام) في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، والدليل على ذلك احترام شيعة بغداد لهم، وتوجههم إلى النيل أو الحلّة، لعرض أوضاعهم في بغداد، فضلاً عن ذلك فإن جميع أمراء بني مزيد كانوا من المشجعين والداعمين للحركة الفكرية في النيل أو الحلّة باحتضانهم الشعراء والأدباء والفقهاء والعلماء، وكل ذلك يدعم الرأي بأن الإمارة المزيدية قد أعطت حركة التشيّع في منطقة الفرات الأوسط قوةً وفاعلية، وحق الشاعر صفي الدين الحلّي الطائي السنبسي أن يقول في بني مزيد ودورهم الرائد في التشيّع:

ما حلة ابن دبيس      إلا كحصن حصين

للقلب فيها قرار              وقرة للعيون

إن أصبح الماء غورا   جاءت بماء معين

وحولها سور طين       كأنه طور سنين

وأمتدح الشاعر ابن الهبّارية دبيس بن علي مسلطاً الضوء على دوره الديني العقيدي فقال:

ثم دبيس ودبيس غرّة                حب الذراع ذو سجايا حرّة

كم قد حيا ببأس نفس مرّة                 منابر الإسلام والأسرّة

ولا بد من أن نأتي على شعر الشاعر المزيدي مزيد بن صفوان بن الحسن بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد المشهور بالبلبل الصدّاح وهو ينشد لآل بيت الرسول(عليهم السلام) تعكس عمق إيمانه الشيعي الإمامي:

وتمسكي بحبال آل محمدِ       ما عشت لا بحبائل الشيطانِ

فهم الحياة لكل قلب ميت    وهم الممات إذا التقى الجمعانِ

همُ الطريقُ لمن تبصّر بالهدى      والبارد السلسال للظمآنِ

وهم الأدلة للذين يحبهمُ          والواصلين بهم إلى الرحمنِ


مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq


كما يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :