مركز تراث البصرة
علمية
كبيرُ قريشٍ في البصرة (عبد الله بن هاشم المِرقال)
التاريخ : 25/ 01/ 2020        عدد المشاهدات : 294
  • اسمُهُ ونسبُهُ

هو: عبد الله بن هاشم المرقال([1]) بن عتبة بن أبي وقّاص، الزهريّ([2]). كان كبير قريش في البصرة، ورأس الشِّيعة فيها، وكان أبوه هاشم  (المرقال)  بن عتبة بن أبي وقّاص، القائد الجريء المقدام الذي لقي منه معاوية في صفِّين الرُّعب المميت، وهو يومئذٍ على ميسرةِ عليٍّ (عليه السّلام)([3]).

  • مكانتُهُ

ذكر السّيّد هاشم معروف في كتابه (الانتفاضات الشيعيَّة) أنّه: (كان عبد الله بن هاشم المرقال في طليعة أولئك الأبدال الذين خطَّط لهم معاوية ودعيُّه ابن سميّة لاستئصال شيعة عليّ (عليه السّلام)؛ لأنّه كان من أعيانهم وزعمائهم الأبطال الذين لم يخضعوا لغير الحقّ، ولا يهابون أحداً على حساب المبدأ والعقيدة، وممّن يرون أنّ البراءة من عليٍّ وآل عليٍّ (عليه السّلام) يعني البراءة من الإسلام ومن محمّد (صلّى الله عليه وآله) ورسالته، ومهما نسيَ معاوية، فلم ينسَ مواقف أبيه هاشم المِرقال في صفّين وبطولاته التي كادت أنْ تؤدِّي إلى هزيمة جيشه، لولا مكيدة رفع المصاحف على رؤوس الأسنّة والرِّماح التي دبّرها عمرو بن العاص .

لقد كانت الشّهادة تنتظر عبد الله بن هاشم المرقال كما ينتظرها هو بنفسٍ مطمئنّةٍ، وعزيمةٍ ثابتةٍ صادقةٍ لا تزحزحها العواصف، ولا تزيلها القواصف، كما كان أبوه هاشم المرقال ينتظرها بنفس الروح والعزيمة([4]), وكان مع هاشم المرقال لواء عليٍّ (عليه السّلام)، فلمّا قُتل أخذ اللِّواء ولده عبد الله، وهو يقول([5]):

أهاشمُ بنُ عتبةَ بنِ مالك

أعزِز بشيخٍ من قريشٍ هالك

تخبطه الخيلات بالسّنابك

في أسودٍ من نقعهنَّ حالك

أبشِر بحورِ العين في الأرائك

والرّوح والرَّيحان عندَ ذلك

 

 

  • خطبتُهُ بعدَ شهادةِ أبيه

       ثمّ إنّ عبد الله حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّها النّاس، إنّ هاشماً عبداً من عباد الله الذين قدَّر أرزاقهم، وأحصى أعمالهم، وقضى آجالهم، فدعاه الله ربّه الذي لا يُعصى، فأجابه، وسلّم لأمر الله، وجاهد في طاعة ابن عمِّ رسول الله، وأوّل مَن آمن به، وأفقههم في دين الله، المخالف لأعداء الله المستحلِّين ما حرَّم الله، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد، واستحوذ عليهم الشّيطان، فزيَّن لهم الإثم والعدوان، فحقَّ عليكم جهاد مَن خالف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعطَّل حدود الله، وخالف أولياء الله، فجودوا بمُهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدّنيا تُصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى، والملك الذي لا يبلى، فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنّة ولا نار، لكان القتال مع عليٍّ أفضل من القتال مع معاوية ابن آكلة الأكباد، فكيف وأنتم ترجونَ ما ترجونَ([6]).

  • موقفُ الحكّام الظلَّمة منه

      لما تمّ الأمر لمعاوية بعد استشهاد الإمام الحسن (عليه السّلام)، بعث زياد بن أبيه على البصرة، ونادى منادي معاوية: أمِن الأسودُ والأحمرُ بأمانِ الله ، إلّا عبد الله بن هاشم بن عتبة!

      فمكث معاوية يطلبه أشدَّ الطلب، ولا يعرف له خبراً ، حتّى قدم عليه رجلٌ من أهل البصرة، فقال له: أنا أدلّك على عبد الله بن هاشم بن عتبة، أُكتب إلى زياد، فإنّه عند فلانة المخزوميّة! فدعا كاتبه، فكتب: مِن معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين، إلى زياد بن أبي سفيان، أمّا بعدُ، فإذا أتاك كتابي هذا، فاعمد إلى حيِّ بني مخزوم، ففتِّشه داراً داراً، حتّى تأتي إلى دار فلانة المخزوميّة، فاستخرج عبد الله بن هاشم المرقال منها، فاحلق رأسه، وألبسه جبّة شعر، وقيّده، وغُلّ يده إلى عنقه، واحمله على قتب بعيرٍ بغيرِ وطاءٍ ولا غطاء، وانفذ به إليَّ...، فاقتحم الدّار، واستخرج عبد الله منها، فأنفذه إلى معاوية، فوصل إليه يوم الجمعة. فلم يشعر معاوية إلّا وعبد الله بين يديه، وقدْ ذبل، وسَهِمَ وجهه، فعرفه، ولم يعرفه عمرو بن العاص، فقال معاوية: يا أبا عبد الله، أتعرف هذا الفتى؟ قال لا، قال: هذا ابن الذي كان يقول في صفِّين:

إني شَرَيْتُ النفسَ لما اعتلَّا
 

 

وأكْثَرَ اللَّوم وما أقلَّا
 

أعور يبغي أهله محلَّا
 

 

قدْ عالج الحياة حتّى ملَّا
 

لا بدّ أنْ يفُلَّ أو يُفَلّا
 

 

أشلُّهم بذي الكعوب شلّا
 

 

لا خير عندي في كريمٍ ولَّى
 

 

         
 

 

فقال عمرو متمثِّلًا:

وقدْ ينبتُ المرعى على دمنِ الثَّرى   *   وتبقى حَزازاتُ النّفوسِ كما هيا

دونك يا أمير المؤمنين الضبّ المضبّ، فاشخب أوداجه على أثباجه، ولا تردَّه إلى أهل العراق، فإنّه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجاء، وإنّ له هوى سيُرديه، ورأياً سيُطغيه، وبطانة ستقوِّيه، وجزاء سيِّئة سيِّئة مثلها .

فقال عبد الله: يا عمرو، إنْ أُقتَل فرجلٌ أسلَمه قومه وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النِّزال، وأنت تلوذُ بسِمال النّطاف، وعقائق الرصاف، كالأمَة السّوداء، والنعجة القوداء، لا تدفعُ يدَ لامسٍ!

فقال عمرو: أمَا والله، لقدْ وقعت في لهاذم شَذقم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتاً من مخاليب أمير المؤمنين.

فقال عبد الله: أمَا والله يا ابن العاص، إنّك لبطِر في الرّخاء، جبان عند اللِّقاء، غَشوم إذا ولّيت، هيّابة إذا لقيت، تهدر كما يهدر العَوْد المنكوس المقيّد، بين مجرى الشّول لا يستعجل في المدّة، ولا يرتجى في الشِّدّة، أفلا كان هذا منك إذا غمرك أقوام لم يعنَّفوا صغاراً، ولم يمزَّقوا كباراً، لهم أيدٍ شداد، وألسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يُكثِرون القليل، ويشفون الغليل، ويُعزّون الذليل، ويُذهبون الحرج!

فقال عمرو: أمَا والله، لقدْ رأيتُ أباك يومئذٍ تخفق أحشاؤه، وتبق أمعاؤه، وتضطرب أطلاؤه، كأنّما انطبق عليه صمد.

فقال عبد الله: يا عمرو، إنّا قدْ بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوباً غادراً، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يسامونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشّام لجحظ إليك عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطربَ فخذاك اضطراب القَعود الذي أثقله حمله. فقال معاوية: إيهاً عنكما، وأمر بإطلاق عبد الله، فقال عمرو لمعاوية: أمرتُك أمراً حازماً فعصيتني، وكان من التوفيق قتل ابن هاشم، أليس أبوه يا معاوية الذي أعان عليّاً يوم حزِّ الغَلاصم، فلم ينثني حتّى جرت من دمائنا بصفّين أمثال البحور الخضارم، وهذا ابنه، والمرء يُشبه شيخَه، ويوشك أن تقرعَ به سنّ نادم! فقال عبد الله يجيبه:

معاويَ إنّ المرء عَمراً أبَتْ له  *   ضغينةُ صدرٍ غشُّها غير نائمِ

يرى لكَ قتلي يا ابنَ هندٍ وإنّما   *    يرى ما يرى عمرٌو ملوكُ الأعاجمِ

على أنّهم لا يقتلونَ أسيرَهم * إذا منعتْ عنه عهودُ المسالمِ

وقدْ كان منّا يومَ صِفّين نفرةٌ * عليكَ جناها هاشمٌ وابن هاشمِ

قضى ما انقضى منها وليسَ الذي مضى * ولا ما جرى إلّا كأضغاثِ حالمِ

فإنْ تعْفُ عنّي تعفُ عن ذي قرابةٍ * وإنْ تَرَ قتلي تستحلّ محارمي

فقال معاوية:

        أرى العفوَ عن عُليا قريشٍ وسيلةً  *  إلى اللهِ في يومِ العصيـــــب القماطرِ

     ولستُ أرى قَتلي الغداةَ ابن هاشم   *     بإدراكِ ثأري في لؤيٍّ وعامـــــــرِ

     بل العفو عنه بعدما بــــــــانَ جُرمُه   *      وزلَّتْ به إحدى الحدودِ العوائرِ

         فكان أبــــــتتـوهُ يومَ صفِّين جمرةً      *        علينا فأردتْه رمــــــــــــاح النّهابِرِ

فيلاحظ أنّ معاوية كانَ يتحالم؛ لأنّه لا يريد أنْ يفتح معركة مع بني زهرة، فيكون لهم ثأر عنده بقتل ابن المرقال. أمّا عمرو العاص، فلا يعرف الحلم ولا التّحالم([7]).

  • سياسة بني أُميّة تجاه أهل البيت(عليهم السّلام) وأتباعهم

         نلاحظ أنّ السِّياسة الأمويّة تجاه أهل البيت (عليهم السّلام), وأتباعهم, تميَّزت بالشِّدّة والقسوة في أغلب فترات حكم الدّولة الأمويّة, فأخذت تتابع تحرّكاتهم، وتفتك بهم في جميع الأمصار التّابعة لها, وهي أوّل مَن سنَّ لعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام), على المنابر وعند كلِّ صلاة, والنّيل من محبِّيه, وكانت تعلم بالأهمِّيّة الاستراتيجيّة لمدينة البصرة؛ لذلك أحكمتْ سيطرتها المطلقة عليها بأساليب الرّعب والتخويف كافّة, وأحسنتْ اختيار الولاة الذين يتميَّزون بالولاء للدّولة, والبطش بالرّعيّة.   

 

[1]- لقِّب بالمرقال؛ لأنّه كان يرقلُ في الحرب، أي: يُسرع. عبّاس القمّي, الكنى والألقاب: 3/180.

[2]- محسن الأمين, أعيان الشّيعة: 8/89

[3]- راضي آل ياسين, صلح الحسن (ع): ص351.

[4]- نقلاً عن: حسين الشاكري, الأعلام من الصّحابة والتابعين: 5/102.

[5]- ابن مزاحم المنقري, وقعة صفّين:  ص348.

[6]- يُنظر: محسن الأمين, أعيان الشِّيعة: 1/498.

[7]- عليّ الكورانيّ العامليّ, قراءة جديدة للفتوحات الإسلاميّة: 2/285.


حسين علي أيوب


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :