مركز تراث البصرة
دينية
من الفِكرِ الشيعيِّ البصريِّ المغيَّبِ: أبان الحكم العباسي (ابنُ أبي داحَةَ – أُنموذَجاً)
التاريخ : 30 / 1 / 2019        عدد المشاهدات : 101

عُرفَ التراثُ البصريُّ بغزارتِه، وتنوُّعِه، وتفوُّقه في جميع الميادينِ الحضاريةِ، إلّا أنَّ تراثَه الفكريَّ نالتْه أيدي الحُكّامِ والمتملقينَ لهم، وبجهودٍ حثيثةٍ في إقصاءِ الفكرِ المُعارض لسياستِها ، لاسيما من المفكّرينَ الشيعة ، بل لمْ يقفْ مجهودُ السُّلطةِ على الإقصاءِ والتهميشِ والتغييبِ ، وانَّما أوجدَت طبقةً من الكُتّابِ والمصنِّفينَ جعلتهم ممَّن كرَّسَ قلَمَه لخدمةِ مَصالحِهم .

     وعلى الرَّغم من جُهودِ السلطةِ المركزيةِ إبّانَ الحُكمِ العباسيِّ، ومن قبله الأموي في تشذيبِ واستبعادِ العناصرِ الفكريةِ الرائدةِ في المجتمعِ البصريِّ، لاسيما المعارضِ لسياستِه العشوائيةِ، غيرِ المرتكزةِ على أسسٍ وثوابتَ اسلاميةٍ صحيحةٍ ، إلّا أنَّ البصرةَ لم تخلُ من تلكَ الشخصياتِ، التي كشَفَت بَعضاً من خَبايا السلطةِ، ووقَفَت على بَعضِ الجوانبِ الإجراميةِ، التي منها ما طال آلَ البيتِ (عليهم السلام) ومناصريهم من شيعتهم .

    كانَ لعلماءِ البصرةِ في مختلفِ التخصُّصات العلميةِ الاثرُ البارزُ في إغناءِ الحركةِ الفكريةِ الاسلاميةِ ، كما ينفي النظرةَ السائدةَ التي تقول بأنَّ البصرة >عثمانيةٌ، تدين بالكفّ ، تقولُ: كُنْ عبدَ الله المقتولَ، ولا تكنْ عبدَ الله القاتلَ<، وبأنَّ رأيها من رأي أيِّ سُلطةٍ تتسلَّمُ زِمام الأمورِ فيها ، كانَ هذا هوَ رأيُ محمّدِ بنِ عبدِ الله بن العبّاس، مؤسّسِ الدعوةِ العباسيةِ، ولقد مثَّلَ رأيُه بعدَ ذلكَ سياسةَ العباسيينَ تجاهَ أهلِ البصرةِ؛ في اعتمادِ سياسةِ الكفّ والتنكيلِ؛ لإخضاعها للسلطةِ المركزيةِ ، وهوَ وصفٌ غيرُ دَقيق؛ فمن خِلالِ استقراءٍ عامٍّ لمُجمَلِ الأحداثِ التاريخيةِ التي وَقَعَت في البَصرَةِ، يتبيَّنُ عكسُ ذلك، وقد أوضحتْهُ مواقفُها المعارضةُ للسلطةِ؛ عبرَ ثوراتِها المستمرَّةِ، سواءٌ ضدَّ الأمويَين، أم العباسيّينَ، هذا من جانب ، ومن جانب اخر،  هناك ـ ايضاً ـ من الأدلَّةِ والشواهدِ التاريخيةِ ما يبرهنُ تنوَّعَ الطوائفِ والأديانِ في هذه المدينةِ، الذي لازالَ مستمرّاً الى وقتِنا الحاضرِ، فسادَ التشيُّعُ في البَصرَة في مُختلف عُصورِها، ولعلَّ الشخصيةَ التي نعرِض الى الحديثِ عنها، التي عاشَت ابّان الحقبةِ العباسيةِ، ما يدلِّلُ على تشيّعِ البصرةِ؛ بظهورِ مفكِّرينَ منها، ساهموا ـ الى حدٍّ بعيدِ ـ في نَقلِ وإحياءِ موروثِ الِ بيتِ النبوّةِ (عليهم السلام)، عَبرَ ما صنَّفوه عنهم من عُلوم .      

ومن هذا المنطلقِ، جاءَ اختيارُنا لهذا المقالِ عن شخصيةٍ تَعرِضُ أنموذجاً بصرياً، يظهر بوضوحٍ عمدَ السُّلطةِ في اِخفاءِ الكثيرِ من مصنَّفاتها؛ كونها شيعيةَ المذهبِ، حتّى اتّسَمت ترجمتُه على قلَّتها بالقِصَر والايجازِ ، ذلك هو ( ابنُ أبي داحَةَ)، وهو من الشخصيّاتِ البصريةِ، التي عُرفت بتشيُّعها وحبِّها لآلِ بيتِ النبوَّةِ (عليهم السلام) ، واسمُه: إبراهيمُ بنُ سليمان بن أبي داحِةَ ، وداحَةُ أمُّه ، وقيل : كانت جاريةً لأبيهِ ربَّتْه فنُسبَ إليها ، وهو مولى آلِ طلحةَ بن عبد الله، أبو إسحاق ، المزنيُّ، ومنهم من يقول: المدنيّ، فيحرِّفُه ، ويكنّى بأبي إسحاق.

كان عالماً في الفِقهِ، والكلامِ، والأدبِ، والشعر ،  عُرف بالروايةِ عن الإمامِ أبي عبد اللهِ، جعفرِ بنِ محمد الصادقِ (عليه السلام ) ، وَوَصَفَه الجاحظُ بأنّه من مشايخِ الشيعةِ ، وبأنَّ له مصنفاتٍ وكتباً لم يرَ منها شيئاً على الرّغم من مُعاصرته له، وعلى ما يبدو، إنَّ الجاحظَ كانَ من تلاميذِه؛ لروايته عنه ، وربّما يكون (ابنُ أبي داحةَ) قد أخفى مصنَّفاتِه عن العامّةِ والسلطةِ تقيّةً؛ لما تضمَّنَتْه من سيرةِ الأئمةِ المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ سارَ الشيعةُ ابّان تلكَ الفترةِ على (مبدأ التقية) .

ولم نقفْ لهُ على تاريخِ وَفاة ، وبما أنَّ أستاذَه ابنُ أبي عُميرٍ تُوفّي عام (217هـ) ، والجاحظَ الراوي عنه توفّي عام (255هـ) ، فهو من متكلّمي القرنِ الثالثِ، فكان حياً قبل (209هـ).

رواياتُه :

      لقد أشرنا مسبقاً إلى أنَّه لم تَحفَظ لنا المصادرُ إلا النزرَ القليلَ من الرواياتِ، التي صبت أغلبُها في سيرةِ الِ البيتِ (عليهم السلام) ، على الرّغمِ من أنَّ له مصنفاتٍ وكتباً كثيرةً حسبَ قولِ الجاحظِ، تلك التي لم يرَ منها شيئا ، والتي ـ على ما يبدو ـ كانت مغيَّبَةً عمداً، ثمَّ فُقدت ، لاسيما أنَّ الفترةَ التي عاشَها ابنُ أبي داحةَ والجاحظُ تمثِّلُ مرحلةً كانت الدولةُ العباسيةُ في أوج قوَّتِها وتسلُّطها ، ولعلَّ ابنَ أبي داحةَ قد أخفى كتبَه تلكَ؛ كونَها متضمنةً فضائلَ أهلِ البيتِ  وأخبارِهم .

    وكلُّ ما وردَ عنه هو إشارتُه لأوَّلِ شعرِ رثاءٍ خاصٍّ بالإمامِ الحسينِ بنِ عليٍّ (عليهما السلام)، وهو قولُ عقبةَ بنِ عمرو السهميِّ، من بني سهم بن عوف بن غالب :

 

إذا العَينُ قَرَّت في الحَياةِ وأنتمُ
 

 

تَخافونَ في الدُّنيا فأظْلَمَ نورُها
 

مَرَرتُ عَلى قَبرِ الحُسَينِ بِكَربَلا
 

 

فَفاضَ عَلَيهِ مِن دُموعي غَزيرُها
 

فَما زِلتُ أرثيهِ وأَبكي لِشَجوِهِ
 

 

ويُسعِدُ عَيني دَمعُها وزفيرُها
 

وبَكَيتُ مِن بَعدِ الحُسَينِ عَصائِبا
 

 

أطافَت بِهِ مِن جانِبَيها قُبُورُها
 

سَلامٌ عَلى أهلِ القُبورِ بِكَربَلا
 

 

وقَلَّ لَها مِنِّي سَلامٌ يَزورُها
 

سَلامٌ بِآصالِ العَشِيِّ وبِالضُّحى
 

 

تُؤَدّيهِ نَكباءُ الرِّياحِ ومَوْرُها
 

وَلا بَرِحَ الوفّادُ زوّارِ قبرِهِ
 

 

يَفوحُ عَليهِم مِسْكُها وعَبيرُها
 

 

    وكذا نَقلَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) خبراً عن مصيرِ الحُكمِ من بعدِ الأمويّينَ، وأنها ستؤولُ الى بني العبّاسِ: > عن ابنِ داحةَ : أنَّ جعفرا بنَ محمّد قالَ لعبدِ اللهِ بنِ الحسن : إنَّ هذا الأمرَ ـ والله ـ ليسَ إليك ، ولا إلى ابنَيك ، وإنّما هو لهذا  ـ يعني السفّاحَ ـ ثم لهذا ـ يعني المنصورَ ـ ثم لوِلْدِهِ مِن بعده ، لا يزالُ فيهم حتّى يؤمَّرَ الصبيانُ ، ويشاوروا النساءَ،  فقال عبدَ الله : واللهِ يا جعفرُ ، ما أطلَعَكَ اللهُ على غيبِه ، وما قلتَ هذا إلا حَسَداً لابني ، فقالَ: لا واللهِ ما حسدتُ ابنَك ، وإن هذا ـ يعني أبا جعفر ـ يقتلُه على أَحجارِ الزَّيت ، ثمَّ يقتلُ أخاهُ بعدَه بالطُّفوف ، وقوائمُ فرسِه في الماء ، ثمَّ قامَ مُغضِباً يجرُّ رداءَه ، فتبعَهُ أبو جعفر، فقال : أَتَدري ما قلتَ يا أبا عبد الله ؟ قال : إي واللهَ أَدريه ، وإنَّه لكائن<.[1]

   إذ يروى جانباً من اجتماعِ جماعةٍ من بني هاشم في منطقةِ الأبواءِ، وفيهم إبراهيمُ بنُ محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وأبو جعفر المنصورُ ، وصالحُ بنُ علي ، و عبدُ الله بن الحسن ، وابناه: محمدٌ وإبراهيم ، ومحمدُ بن عبد الله بن عمرو بن عثمان.

     فالحديث الذي جرى في هذا الاجتماع لبني هاشم، يظهرُ الرؤيةَ الاستقرائيةَ للمستقبلِ من قِبَلِ الإمامِ جعفرِ بن محمد الصادق (عليه السلام)، في كونِ بني العباسِ سيتولّونَ زمامَ الحكمِ بعدَ بني أميّةَ ، مشيراً ـ بعدَ ذلك ـ الى سياستهِم لحفظِ سلطانِهم المتأتّي بالقوَّة والتنكيلِ، ولاسيّما في إقصاءِ العناصرِ العلويّةِ، ومنهم: عبدُ الله بن الحسن وابناه: محمد (ذو النفس الزكية)، وابراهيمُ، ثمّ نهاية حكمِهِم على يدِ الغِلمانِ والنساءِ ، وبالفعلِ، تحقّقَت تلك الرؤيةُ المستقبليةُ للإمام، وَحدَث َما كانَ متوقعا . 

     وكذا نَقَلَ عن الإمامِ المعصومِ أبي عبد الله، جَعفرِ بنِ محمدٍ الصادق (عليهما السلام) موعظةً  عن اجتنابِ الكبائرِ ، عزَّزَها الامامُ بآياتٍ قرآنيةٍ؛ من قوله عزَّ وجلَّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ونُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً }[2].

     هذا كلُّ ما وصلَ إلينا عن (ابنِ أبي داحةَ) صاحبِ المصنَّفاتِ، وتلميذِ الامامِ الصادقِ (عليه السلام) ، وما كانَ ذلكَ إلّا نَتيجة سياسَةٍ عَبّاسيةٍ متسلطةٍ، حاوَلَت تضييقَ الفكرِ بإقصاءِ الفكرِ الآخرِ، فمنْ خلالِ دراسةِ سيرتِه نستخلصُ الآتي :

1ـ على الرَّغمِ من مُصنَّفاتِه الكثيرةِ، لم يقفْ عليها حتّى معاصروه ، وهي إشارةٌ احترازيةٌ واضحةٌ، قائمةٌ على الحَذَر من السّلطة .

2ـ قِلَّةُ المَصادر المتَرجِمة لسيرتِه، التي اتَّسَمَت بالاختصارِ أيضاً ، دليلٌ اخرُ على سياسةِ التنكيلِ، والبطشِ، والإقصاءِ للموالينَ لآلِ البيتِ (عليهم السلام) .

3ـ قِلَّةُ رواياتِه على الرَّغم من مصنَّفاتِه الكُثُر ، وهو أمرٌ لا يتناسبُ ـ ايضاً ـ مع ما ذُكر عَنه؛ من غزارةِ العلمِ والمكانةِ التي حظيَ بها ، وهيَ تثبتُ رأيَنا في دَور السَّلطة آنذاك في مُراقبةِ وتتبعِ العناصرِ الفكريةِ المتميِّزةِ، والتضييقِ عليها .

 

 

[1] بحار الأنوار ، العلامةُ المجلسيّ ، ج47، ص160.

[2] سورة النساء ، الآية 31.


م. د. نضال محمد قمبر/جامعة البصرة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :