مركز تراث الحلة
بيوتات وعشائر
عبود آل هيمص
التاريخ : 19 / 12 / 2018        عدد المشاهدات : 1008

تعد عشيرة البوسلطان من أكبر عشائر زبيد وأكثرها شهرة وقد نبغت من كنف هذه العشيرة الكريمة شخصيات مرموقة وفذة في الفكر والأدب والثقافة والمنزلة، أطلت على الدنيا في شتى مجالات الحياة نذكر منهم الشيخ المثقف عبود أل هيمص الرجل الذي يتمتع بقسط وافر من المعرفة وجزالة المنطق الرصين والخطاب إضافة إلى سجايا الكرم والمروءة والخلق الرفيع والإرادة الصلبة.

ذكر الدكتور عبد الرضا عوض بكتابه (الشوملي نشأتها وتطورها) (دراسة في الأوضاع العامة) " الشيخ عبود بن العباس آل هيمص، ولد في ربوع الشوملي سنة 1904م، وهي السنة التي غادر فيها أهله ذلك المكان الى شواطئ نهر دجلة بعد تعرضهم لمضايقة رشيد باشا الزهاوي، إثر خلاف حصل بينهم وبين الإدارة العثمانية مما جعلهم يمتنعون عن دفع ضريبة الحاصل، وعاد مع أسرته الى تلك الربوع بعد جريان المياه في شط الحلة سنة 1913م، وحطوا في مكان لا عمارة فيه".

وذكر الباحث علي الكعبي في كتابه (عبود الهيمص): " تلقى عبود أول تعليمه على يد (الملالي المتجولين) الذين كانوا يجوبون الأرياف، وهي الطريقة التي كانت سائدة في التعليم لمزارعين لم يستقروا بعد، وعند هؤلاء الملالي تعلم عبود الحساب والقراءة وشيئاً من القران الكريم، ثم راح يطالع الصحف والمجلات الدورية التي كانت تجلب اليه خصيصاً من مكتبات بغداد، حتى اذا مابلغ العشرين أينعت قفافته ومكنته من القاء خطب ارتجالية، وفي تلك الحقبة تكونت لدى عبود في دار أبيه مكتبة عامرة بأمهات الكتب العربية في التاريخ والأدب، وأنشئ في دار الهيمص مجلساً أدبياً يحضره شعراء وأدباء بادية يقصدون ذلك المجلس عنوة، ولحاجته الى معرفة ما يدور حوله، قرر تعلم اللغة الانكليزية لكي يُساير التطور الحضاري، فاتفق سنة 1928م، مع أستاذ لتلك اللغة وهو عباس حلمي بموجب عقد خاص بينهما لتعليمه اللغة الانكليزية، فتعلمها ونطقها بسلاسة ".

 وقد شارك وهو ابن ست عشرة سنة في أحداث ثورة العشرين الخالدة وراح مندفعاً في مقارعة الانكليز في معارك عديدة، واتخذ من أخيه (شخير الهيمص) قدوة له، بما عرف عنه من مواقف منددة بالإنكليز، وحاول عبود مناصرة حكومة الدفاع الوطني التي أسسها رشيد عالي الكيلاني، ودخل مجلس النواب لأول مرة وعمره ثلاثون سنة وتوالى بقاؤه في المجلس ست دورات، وهي حالة استثنائية لرجل مثل عبود الهيمص، فهو ينحدر من طبقة المزارعين ولم يحالفه الحظ في إكمال دراسته الجامعية، لكنه حظي باحترام وتقدير رجال السياسة الذين حكموا العراق بداية من الملك فيصل والملك غازي ثم الوصي على عرش العراق (عبد الاله) الذي خصه بزيارة خاصة الى داره في الشوملي ثم الزعيم عبد الكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية والحكومات التي تبعته.

وذكر د. صباح المرزوك، في معجم المؤلفين العراقيين،" عبود آل هيمص، خطيب بارع جمع بين السياسة والأدب، له مكتبة عامرة، ألّف كتاب (ذكريات وخواطر عن أحداث عراقية في الماضي القريب)، طبع سنة 1991م، وكتب فيه أكثر من ستين موضوعاً توزعت في مختلف الصحف العراقية ".

كان من شيوخ العشائر المثقفين المتكلمين وانتخب أيام الحكم الملكي عن لواء الحلة  في آب 1935م، وجدد انتخابه في كانون الثاني 1935م، وحزيران 1939م، وحزيران 1954م، وأيلول من نفس العام وأيار 1958م، وهو أحد كبار رجال الإدارة السياسية والعشائرية وأحد قادة ثورة العشرين الكبرى في العراق ورجل البرلمان المعروف وكان له دور في دعم حركة رشيد عالي الكيلاني 1941م.

كان الشيخ عبود آل هيمص أحد أعضاء المجلس النيابي المؤيدين لاختيار الشريف شرف ليكون وصياً على عرش العراق بدلاً من الوصي عبد الاله بن علي،  كما أرسل برقيات تاييد لحركة مايس 1941م، أو ماتسمى محلياً (دكة رشيد عالي الكيلاني)، وعن موضوع تهيئة (2000) مقاتل للتوجه لنصرة الجيش العراقي في الحبانية، قال عبود آل هيمص في كتابه ذكريات وخواطر" خلال تأهبي لقيادة أكثر من ألفي مقاتل، اتصلت بالمتصرف أمين خالص وبحضور خيري عبد الرحمن مدير الطابو، وأخبرني المتصرف أنه تستلم (6000) دينار وعرضها علي لغرض صرفها على المقاتلين، ورفضت العرض، لكنني طلبت منه إعارتنا (100) بندقية، فنفذ لنا الأمر.. وفي يوم 25 مايس أوعز لنا أن نتجه بحشودنا الى حامية المسيب لملاقاة الجيش الانكليزي الذي يروم الوصول الى بغداد، لكن هدنة قد حصلت فانتهى الأمر". وبحسب ماذكره الدكتور عوض" وحل المقاتلون في يوم 21 مايس 1941م، في مدينة كربلاء، وفي المساء استغل الشيخ عبود مناسبة ولادة الامام الحسين (عليه السلام)، فصعد المنبر في صحن الروضة العباسية، والقى خطبة حماسية حثّ خلالها الناس على المطالبة بحقوقهم، وأعقبه الشاعر الكربلائي محمد حيدر بقصيدة منها:

 

لله درك يا عبود من رجــــــــــــلٍ         وخطيبها بالسيف يـــــــــــــوم صِدام

في ثورة العشرين أبلى في الوغى         وحمى الضغينة وهو شاب نـــــــــــــام

انقذت من كبت الخيول بهـــــــــــم        في معمعات مدافع وصمـــــــــــــــــام

الباذلين لما لهم يوم الــــــــــــردى         الراخصين نفوسهم يوم النضال الدام

دُم للمحافل والجحافل والنهــــــــى         دُم قائداً  في حربها وســــــــــــــــلام

رشيد عالي الكيلاني

أصدر مذكراته وفيها تحدث عن جوانب مهمة من تاريخ العراق المعاصر ويذكر الصحفي الرائد المرحوم عبد القادر البراك في كتابه ” ذكريات أيام زمان “ أن مذكرات الهيمص من أفضل ما قرأ من مذكرات إذ تميزت بالصدق والموضوعية.

ومن مذكراته هذه، لقائه ومعه بعض الشيوخ، بالزعيم عبد الكريم قاسم بعد قيام ثورة 14 تموز 1958م، وإعلان قانون الاصلاح الزراعي ومنح الفلاحين أراض زراعية وانقاذهم من جور الإقطاع.

وكان القدر قد كتب لعبود أن يؤسس مدينة يُخلّد بها، فما أن شَبّ وبلغ مبلغ الرجال حتى راح يحث أقاربه ومعارفه على تنشيط العمل التجاري، مبتعداً قليلاً عن العصبية العشائرية، فجذب الناس اليه وكان (سوق عبود) الذي تحول بمرور الأيام والسنين الى قرية ثم ناحية إدارية، برغم تهميشها المتعمد من أرباب الدولة بمختلف العهود، وراح أقاربه ومعارفه ومن يسانده يبغون استقلاليتهم، في جهود خيرة اجتمعت كلمتهم على رفعة هذه القصبة الوليدة.

وبحسب ما جاء بأرشيف ناحية المدحتية، فقد كان للشيخ عبود ال هيمص الدور الكبير في تهيئة تشكيل مجلس الاختيارية لقرية الشوملي قبل تصنيفها بدرجة ناحية إدارية.

في عام 1934م، أقدم الشيخ عبود لهيمص على تخصيص قطعة من أرضه قرب داره لبناء مدرسة ابتدائية شيدت من الطين واللبن مكونة من ستة صفوف، وكان عبود آل هيمص يلزم الفلاحين بإرسال أبنائهم الى المدرسة كي لاتغلق أبوابها، ومن يمتنع عن ذلك يعرض نفسه الى عقاب قد لايحمد عقباه. ولانعدام الطرق المعبدة فكان من المتعسر موافقة كادر تعليمي للحضور الى تلك المنطقة، لذا تعهد الشيخ عبود لهيمص وجمع معه، أمام متصرف الحلة آنذاك بتوفير السكن المجاني مع المواد الغذائية الرئيسة للاساتذة، فضلاً عن اتخاذه عدة خطوات لتمدين القصبة منها إنشاء سوق للتبضع يستفيد منه أفراد العشائر المنضوية تحت لوائه بدلاً من التوجه الى مدن المدحتية أو الدغارة أو النعمانية لاقتناء حاجياتهم وكان السوق عبارة عن دكاكين بسيطة لبيع المواد العطارية ومنها (التتن) والأقمشة، ومقهى جنب تلك الدكاكين.

وفي سنة 1938م، شيد الشيخ عبود قصراً له، على مساحة بلغت (15000)م2، ومن حوله أبراج دفاعية قتالية ( فتالات ) كما في قلاع القرون الوسطى.

زاره الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله بن علي سنة 1952م، وذكرها الشيخ الهيمص في مذكراته:" في لقاء مع الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله قال لي: إني أؤكد رغبتي في زيارتكم، وإزالة ما يمكن أن يكون قد علق بأذهان البعض عن الماضي (وكان يقصد بذلك أحداث مايس سنة 1941م) وقررتُ أن آتيكم الى (الشوملي) للصيد وقد بَرّ بوعده، وكانت الزيارة في نهاية حزيران 1952م. وقيل اشتد بعدها وطيس الزيارات الملكية وراح ال الجريان وال هيمص يتبارون ويستقطبون رؤوس النظام الملكي آنذاك لزيارتهم  في عقر دارهم فكانت زيارة عبد الإله، فقد استعد آل هيمص يتقدمهم آنذاك الشيخ عبود، الذي أصبح بجرأته الخطابية قطباً مهماً من أقطاب السياسة في العراق لإشغاله أحد مقاعد النواب لست دورات، وكان الطريق الموصل الى قصبة الشوملي في ذلك الوقت ترابي لم يتم تعبيده بعد، فحضر الوصي وحاشيته بواسطة السيارات فكان استقباله على الخيل من قنطرة الزبار، ونحر له في ذلك اليوم أكثر من مئة خروف، وعند وصوله باب قلعة الشيخ عبود نحر له اثنان من الإبل  وفرش الطريق الذي سار عليه الوصي بسجاد أحمر (ليانات).

الوصي عبد الاله بن علي​

هذه الأحداث التاريخية التي حدثت في النصف الأول من القرن العشرين تزعمها ال هيمص، ومعهم في الجهاد كافة العشائر المنضوية تحت رايتهم، ويتذكرها ويسردها الأبناء نقلاً عن الأجداد بفخر واعتزاز".

فمن تلك المدرسة المترامية الأطراف والشواهد (مدرسة الحياة) بحسب ما جاء بكتابه (ذكريات وخواطر عن الماضي القريب)، وفي جريدة الجنائن، العدد 84، في كانون الثاني 2002م، تعلم الشيخ عبود القيم الفاضلة ورغب لأبناء جلدته بالحياة الكريمة بما بلغ من معرفة وقوة شخصية، واعتكف في أواخر حياته فأتحف المكتبة العربية بكتاب طبع بعد وفاته.

توفي الشيخ عبود الهيمص سنة 1989م، في مدينته الشوملي بين أبناءعشيرته، ودفن في النجف الأشرف.     

سيبقى التاريخ يذكر عبود الهيمص بعز وشرف، فهو الذي أرسى دعائم بقاء أسرته في تلك البقعة النائية عن سيطرة ثلاثة ألوية (الحلة والديوانية والكوت)، فضلاً عن منطقته قصبة الشوملي التابعة لناحية المدحتية، في قضاء الهاشمية.

 


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :