مركز تراث الحلة
علمية
الميرزا جعفر القزوينيّ الحلِّيّ
التاريخ : 13 / 11 / 2018        عدد المشاهدات : 90

نسبه وولادته:

        هو السيد جعفر بن مهدي بن حسين بن أحمد بن محمد الحسينيّ الشهير بالقزوينيّ، من مشاهير أعلام عصره، وأحد زعماء الحركة العلميَّة والأدبيَّة ولد في الحلّة عام 1252هـ.

نشأته ودراسته:

        نشأ على والده فعني بتربيته ووجهه أحسن توجيه، و غذاه من أخلاقه الطيبة وطباعه الكريمة، ولقنه مبادئ العلوم العقليّة والنقليّة والعربيّة بإمعان ودقة وذائقة تفصح عن كبير اهتمام ورعاية.

       هاجر إلى النجف الأشرف ليستزيد من العطاء الثرّ لأساطين العلم وجهابذة المعارف  فحضر عند خاله العلّامة الشيخ مهدي آل كاشف الغطاء (قده) وقرأ عليه الفقه وغيره، وحضر الأصول عند مرجع الطائفة الشيخ الأعظم  مرتضى الأنصاريّ (قده)والعلّامة الملا محمد الأيروانيّ(قده) ، وقد أجازه بالاجتهاد والده الجليل وبعض فقهاء عصره .

        بعد أن برز بين أقرانه وتلمس أساتذته مقدرته الفقهيّة والأصوليّة، وسبر أغوار المعرفة والتحصيل، قفَلَ عائداً إلى مدينته الفاضلة(الحلّة) محفوفاً بإشادة آيات الفقاهة وجهابذة العلم برتبته العالية وهمته الفائقة، وبعد أن تولدت لدى والده الأجل العلّامة السيد مهدي القزوينيّ(قده) رغبة شديدة وضروروة ملحة في أن يتصدى لمشاطرة مسؤولياته الشرعيّة والاجتماعيّة، ولِئَن يكون سفيراً و ممثلًا عنه في قضاء حوائج الناس، في وقت أصبحت الزعامة الدينية متجهة بقوة صوب السيد مهدي القزوينيّ، فأتم تحصيله على يد والده وبعض فضلاء الحلّة الفيحاء.

مناقبه وشمائله :

        جمع السيد جعفر القزوينيّ(ره) طيبَ الخلال وجليلَ الخصال، حيث الهيبة والعزة والمنظر الرائع مع التواضع والسماحة واحترام الاخرين، صغيرهم وكبيرهم، عامهم وخاصتهم، وكان من أصحاب الأوراد والأذكار والنوافل مع شدة الشواغل وتزاحم المهام وابتلاءه بمجاملة حكام مدينته.

        تولى - كما أراد والده والناس - الزعامة الدينيّة والاجتماعيّة في مدينة الحلّة وتوابعها، فكان زعيماً محبوباً وخطيباً مفوهاً، وأديباً بليغاً، نفذ أمر زعامته حتى على ولاة دولة آل عثمان، حيث أُفرد له كرسي في دار الإدارة العثمانيّة باسمه.

        أجمع الفضلاء والعلماء الذين ترجموا له على علو وقدره و وجاهته ومقبوليته ومحبته لدى الناس، وعدالته وتضلعه الفقهيّ والفكريّ والأدبيّ، ومنهم العلّامة المحقق السيد حسن الصدر في (التكملة) والميرزا النوريّ في (دار السلام) والمحقق آغا بزرك في (الكرام البررة).

وعنه يقول العلّامة الأمين في (أعيان الشيعة) 16 / 267:

"كان عالماً أديباً وجيهاً في الحلّة، وتقدم عند الولاة ومشى في مصالح الناس، وطار ذكره وانتشر فضله، ومدحه شعراء عصره، وخاصة شعراء الحلّة، وكثير من ديوان السيد حيدر الحلّيّ فيه وفي أقربائه ويظهر من رسائله أنّه كان كاتباً بليغاً ضليعاً بالأدب واللغة عالماً ببعض أجزاء الحكمة، وله شعر ونثر ومطارحات ومراسلات كثيرة".

        قال عنه الشيخ علي آل كاشف الغطاء في(الحصون المنيعة) " كان عالمًا، فقيهًا، أصوليًّا، منشئًا بليغًا، رئيسًا جليلًا، مهابًا مطاعًا لدى أهالي الحلّة، مسموع الكلمة عند حكامها وأمرائها، ولما هاجر أبوه إلى النجف في أواخر حياته استقل هو بأعباء الرئاسة في الحلّة وأطرافها، فكان فيها مرجع الفقراء وموئل الضعفاء، تأوي إلى داره الألوف من الضيوف من أهل الحضارة والبادية التي مرجعها لواء الحلّة؛ لأجل حوائجهم وهو يقضيها لدى الحكام وولاة بغداد غير باخل بجاهه، وكان ثبت الجنان طلق اللسان يتكلم باللغات الثلاث: العربيّة والتركيّة والفارسيّة، وأغلب اشتغاله في حسم الخصومات وقضاء حوائج الناس مما ترك ألسن الخاصة والعامة تلهج بالثناء عليه الى اليوم، وكانت الدنيا زاهرة في أيامه وعيون أحبابه قريرة في حياته".

        قد ذكر الشيخ السماويّ في (الطليعة) حادثة تحكي حضوره القوي في الساحة ونفاذ كلمته وامره ".. فقد بلغه ان بعض الجند(الأتراك) ضرب أحد طلبة العلم في النجف على وجهه،فلما سمع السيد جعفر بالخبر غضب، ثم مضى إلى دار الحكومة فدعا بالجندي وبالطالب، فأمر طالب العلوم الشرعية بأن يقتص ممن ضربه بمثل ضربته".

 

الأديب الولائيّ:

        وكان  رحمة الله عليه على سرعة خاطره في النظم، قد أسدل دون الإكثار منه ثوباً، لرؤية يراها في نفسه، لذا لا نستغرب إذا ما وجدنا شعره في أعمه – إن لم يكن جميعه- في أجداده الطاهرين (عليهم السلام)، واشتهرت عنه (حولياته) في استقبال شهر محرم الحرام من كل عام ،وهي من الرصانة والسباكة الأدبية بمكان جعلها موضع اهتمام المختصين، فحدى ذلك بالشيخ محمد علي اليعقوبيّ طيب الله ثراه أن يجمعها في كراس اسماه(الجعفريات)، منها حوليته التي يقول فيها:

سل عن أهيل الحي من وادي النقا                 أمغربا قد يمموا أم مشرقا

يقدح زند الشوق في قلبي اذا                     ذكرت في زرود ما قد سبقا

وفي لهيب لوعتي وعبرتي                           أكاد أن أغرق أو أحترقا

ما أومض البرق بأكناف الحمى                   من أرضهم الا وقلبي خفقا

يا أيها الغادون مني لكم                          شوق أذاب الجسم مني أرقا

أبقيتم مضنى لكم لا يرتجى                          له الشفا ولا تسليه الرقى

اذا ذكرت كرب يوم كربلا                           تكاد نفسي حزنا أن تزهقا

جل فهان كل رزء بعده                             يأتي وأنسى كل رزء سبقا

وعصبة من شيبة الحمد لها                   حرب رمت حربا يشيب المفرقا

عج بالبقيع ناعيا لأهله                           مهابط الوحي وأعلام التقى

 

وقال في أخرى :

سأمضي لنيل المعالي بدارا                 وأطلب فوق السماكين دارا

يطالبني حسبي بالنهوض                         وأن لا أقر بدار قرارا

تقول لي النفس شمر وسر                 مسير همام عن الضيم سارا

فما أنت باغ بهذا القعود                    تظمى مرارا وتروى مرارا

فقلت سأخلع توب الهوان                    وأدمي الاكف دماء غزارا

وأجلبها كل طلق اليدين                     يؤجج في دارة الحرب نارا

وأنصب نفسي مرمى الحتوف             اذا ما تنادى الرجال الفرارا

كيوم ابن أحمد والعاديات                          تثير بأرجلهن الغبارا

غدات حسين بأرض الطفوف                وبحر المنايا عليه استدارا

 

نموذج من شعره:

 قوله نادباً الإمام الحجة (أرواحنا فداه):

أثنتك عما رمته الأقدار                  أم قلَّ صارم عزمك الأخطار

أم حال عما كنت تأمل وقعه                 فلك القضا أنى وفيك يدار

يا مدرك الأوتار طال بك المدى      قضت الحقوق وضاعت الأوتار

فمتى أراك بفيلق من دونه           تهوي النفوس وتخطف الأعمار

في جحفلٍ إن لاح بارق بيضه          ماجت له الأقطار والأمصار

فالأرض خيل والسماء فوارس       والشهب بيض والفضاء غبار

ورمى المنون تديرها أسد الثرى            ودقيقها ما يحصد البتار

ولقد أقول: وأنت اعلم بالذي               قد قلت لكنَّ القلوب حرار

إن المقام على الهون مذلة                     الموت فيه عزة وفخار

لله كم تفضي وانك عالم                  قد هتكت عن دينك الأستار

 

وقال مخاطباً خاله عباس كاشف الغطاء :

إلى الخال الذي في وجنة الدهر غدا خال         ومن فاق على الآل بأقوال وأفعال

وبالسيف وعند الصيف صوام وصوال             ويوم المحل للوافد بالعسجد هطال

هو ( العباس ) والبسام ان جاد وان جال      فلا زال وحيدا بين أهل الفضل لا زال

 

مؤلفاته:

أشهر مؤلفاته هي (التلويحات الغرويّة) في الأصول، و(الإشراقات) في المنطق.

وفاته:

        توفي رحمة الله عليه في حياة أبيه، غرة محرم الحرام من عام 1295هـ، وكان وقع وفاته شديدًا على أهله وأرومته والمجتمع، و يومه عظيم في منطقة الفرات الأوسط، فقد ازدحمت الجماهير على حمله نعشه  وماجوا حوله، وخرج الناس لتغسيله في بحيرة النجف في موضع(البركة) ولما حُمِلَ الى الصحن الحيدري المطهر للصلاة عليه، تقدم والده السيد المهدي (قده) وأمَّ الناس للصلاة عليه فتعالت أصوات النحيب من الجماهير، وارتدت لواعج المعزين من كل جانب، فعندها تقدم العالم الربانيّ آية الله الشيخ جعفر الشوشتري(رض) للصلاة ليسكن هيجان الناس، وصلى أبوه عليه مأموما بصلاة الشيخ والى ذلك أشار الشيخ حمادي نوح في مرثيته له :

لو لا الإمام صدوق النسك يقدمنا                       سوى أبيك إماما قط ما اعتبروا

في ( جعفر ) الصادق الهادي اقتدت أمم              صلت عليك وأملاك السما أمروا

ورغب الشيخ الشوشتريّ (قده) في أن يكون قبره قريبًا منه، فهيأ له قبراً في حجرة من حجرات الصحن الشريف مقابلة له وبينهما الطريق ودفن بالصحن الحيدريّ مما يلي الرأس الشريف، وأقيمت له الفواتح في كل مكان، وتسابق الشعراء في رثائه من النجف والحلّة وغيرهما        منهم: حيدر الحلّيّ، و الحبوبيّ، وإبراهيم الطباطبائيّ، ومحسن الخضريّ، وجعفر الحلّيّ، وحسن القيم، وعبد المطلب الحلّيّ، وعباس الأعسم، وجعفر زوين، ودرويش الحلّيّ، وعباس العذاريّ، ومحمد الملا.

 

 


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :