مركز تراث الحلة
ادبية
جعفر كمال الدين الحلي
التاريخ : 9 / 10 / 2018        عدد المشاهدات : 201

من هالة فكر مدرسة أهل بيت النبوة الطاهر(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، بزغ نور العلم والأدب، فاستضاء المجتمع البشري بهذا النور العظيم، وقد نبغ فيه أدباء مازالوا ينمّقون الكلمة لتتناغم مع مشاعرهم وأحاسيسهم وأفكارهم فيكون لها صدًا في المتلقي، وبفضل شعاع ذلك النور، وعليل نسمات بساتين قرية السادة التي تبعد عن مركز الحلة ما يقارب (2 كم) تقريبًا، القرية الساحرة والغافية على الذراع الأيمن لنهر الفرات، تفتحت قرائح الكثير من الرجال الذين كانوا يتفاخرون ويتبارون بالشعر، ومما جادت به قريحة السيد جعفر كمال الدين الحلي، ما كشفته مشاعره وأحاسيسه وهو يهتف بعشقه للأحبة، الذين أسكنهم الله في العقول وجعلهم نبض للقلوب، محمد واله الطاهرين، إذ بات يتغنى بحبهم، وما كان يشغله من حب حسيني جعله يستظل تارة ببساتين قريته ليغوص في بحر الشعر، وبين قبر الحبيب لينشد ما كتب له ويفيض عنده دمعة العشق، وبين نور العلم في النجف الأشرف للتزود بالعلوم الدينية، وفي كل هذا كانت تدور رحى سنين هذا الشاعر.       

هو: أبو يحيى السيد جعفر بن حمد بن محمد حسن بن كامل بن منصور بن كمال الدين، ينتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة، إلى الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وتسمى عائلتهم في الحلة بآل كمال الدين، الأسرة العلوية المعروفة برجالها الأفاضل.

ولد الشاعر السيد جعفر الحلي سنة 1277هـ/1861م، ونشأ في كنف هذه الأسرة الكريمة المعروفة بالعلم والأدب، فصار من أشهر مشاهير شعراء عصره ومن أركان النهضة الأدبيّة في عصره، فكان عالماً ذا منزلة رفيعة في الأوساط العلمية والأدبية، ودرس العلوم الدينية واللغة في النجف الأشرف على علمائها أمثال الشيخ محمد الشربياني والشيخ محمد نجف، وأحبه الجميع، لعبقريته ونبوغه.

اتصل بالسلطان عبد الحميد وأمراء المحمرة، فكانوا يحفلون بشعره ويثنون على شخصه ويجزلون له العطاء.

قرض الشعر وهو في العاشرة من عمره، وكان وافر العلم، جميل المحاضرة مع عذوبة في حديثة تستميل الجالسين، وكان سريع النظم مع جودة التعبير، وحسن اللفظ والمعنى, كما كان مقدامًا شجاعًا.

له ديوان شعر كبير بعنوان(سحر بابل وسجع البلابل)، وهو ديوان مليء بالجواهر المنضدة في أكثر أغراض الشعر وفنونه، وهو ديوان مطبوع, تحفل به المجاميع الشعرية المطبوعة والمخطوطة منها مجاميع آل القزويني، وقد حققه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.

تميّز السيد جعفر الحليّ، في شعره، وبدأ يسرق الأضواء ويسحبها نحوه بمختلف المجالس والمنتديات الثقافية التي تعقد في بيوت مراجع الدين آنذاك، فهو يلي السيد حيدر الحلي في الرثاء، وقد أبدع في هذا الجانب بقصيدته التي مطلعها:

وجهُ الصباحِ عليَّ ليلٌ مظلم            وربيع أيامي عليَّ محرَّمُ

ذكر الشيخ اليعقوبي في بابلياته شاعرنا السيد جعفر الحلي، فقال عنه بأنه شاعر كثير النظم ومجيد بأغلب ما كتب من الشعر، وكان يحاكي أو يقتبس أو يضَّمن بعضاً من قصائده ممن سبقوه سواء الشعر الجاهلي وصولاً لشعراء جيله.

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

كان السيد جعفر الحلي ذكيًا، ومتابعًا ومتتبعًا لأخبار الأولين وأحاديثهم، وترك الحلة الفيحاء وهو بسنته الخامسة عشر، ليتجه صوب النجف الأشرف حاضرة العلماء ورحم الشعراء، ودرس الفقه والشريعة على والده وأخوته وكبار علماء عصره ممن مرّ ذكرهم.

وكان السيد جعفر سريع البديهة يرتجل البيت والبيتين بأحايين لا تحصى، وكان يداعب أصدقائه شعرًا، وإن ذهب لزيارة أحدهم ولم يجده يترك له أكثر من بيت يستحضره آنيا، ومن أجمل ما روي عن سرعة بديهيته، أنه كان يدرس بإشراف أحد الأساتذة بالشريعة مع صحبة له، وكان من المعتاد تعطيل الدروس الفقهية في شهر رمضان نهارًا وتعطى عوضًا عنها مساءً بعد الفطور في صحن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وكانت الحضرة العلوية غير معبدة بالآجر بل كانت عبارة عن أرض رملية، وأثناء المحاضرة نهض الأستاذ مذعوراً لوجود شيء ما تحته، ولما نهض وجد تحته أفعى ذهبت دون أن تمس الأستاذ بسوء، فنظر السيد جعفر لذلك وأنشأ قائلاً :

لا تحسبوا حية الأرض التي التصقت       في حجر سيدنا رامت به فزعا

لكنها من صنوف الجن مذ ســــمعت        بالوحي يتلى فجاءته لتســــتمعا

 

الحضرة العلوية المشرفة

فما كان على الأستاذ إلا أن قام على الفور وخلع عباءته وأهداها للسيد جعفر الحلي، وفي مرة أخرى رأى جمهرة من الناس وهي تصوب بصرها نحو السماء، فرفع رأسه معهم فشاهد صقراً مفترساً يطرد حمامة يتعقبها وهي تحاول الهرب من مخالبه القاتلة، فرمت بنفسها من سماءها العالية على قبة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ونجت من موت محقق، فكانت هذه الصورة مدعاة لأن يقول السيد جعفر الحلي هذين البيتين:

جاءت سليمان الزمان حمامة        والموت يلمع في جناحي خاطف

من علم الورقاء أن محلكـــــم       حرم وأنك ملجأ للـــــــــــــــخائف

ويروى أن السيد جعفر الحلي(رحمه الله)، كان حاد الطبع لا يترك له حقاً إلا أخذه، ومع حدة طبعه كان ليناً، ويتعامل مع السيئة إن بدت، بالحسنة متأسياً بأجداده (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وفي هذا الباب قال:

جازِ الإساءة بالإحسان إن صدرت      من أمرئ زلة تدعو إلى الغضبِ

سجية النخل من يضربه في حــجر      جازاه عن ضربه بالبسر والرُطبِ

كذلك الصدف البحري إن فلقــــــوا      أعلاه، كافأهم باللؤلؤ الرَطِـــــــــبِ

ومن طريف سرعة بديهية السيد جعفر الحلي بقوله الشعر ارتجالاً، ما قاله بعد مطر ربيعي سقى البادية النجفية وطيّبَ هواؤها، فدعا صديقه الشيخ العلامة هادي كاشف الغطاء للنزهة حول غدير تجمع من مياه المطر هناك، لكنه أبى الخروج معه، فأنشأ قائلاً :

عذيري منك إذ تأبى إتباعي          على حق ومن لي بالعــــــــذير

ومــن عجب بأنك (جعفري)          وترغب عن أحاديث (الغدير)

كتب السيد جعفر الحلي بكل أغراض الشعر من مدح وهجاء ورثاء وغزل وباب إلأخوانيات وأجاد بكل ما كتب من أغراض، والسيد إن رثى يفي المرثي حقه.

وعن رثائه لآل البيت(عليهم السلام)، فهو كثير نأخذ مثلين، منه رثائه للإمام الحسين (عليه السلام)، وهي القصيدة التي تذكر دائماً من على منابر المسلمين ومنها:

بأبي أفدي قتيلاً بالطفـــــــوفِ        مزقت أحشاءه بيض السيوفِ

يوم نادى وعلى السيف أنحنى        أيها القوم أنسبوني مــــــن أنا

فأجابوه بأطراف القنــــــــــــى         وإليه زحفت تلك الصــــــفوف

بين من يطلب في ثار أبيــــــه         ومن أستتبع بالشرك ذويــــــــه

فأحاطت زمر الأعداء فيــــــه         فهو فرد وأعاديه ألــــــــــوف

ورثائه الآخر للإمام العباس(عليه السلام)، في ميميته العصماء، وهي أروع ما كُتب لأبي الفضل(عليه السلام)، على رأي أغلب النقاد ورواد المجالس، ولا يوجد منبراً حسينيًا إلا وقرأت هذه القصيدة وهي طويلة نذكر منها :

وجه الصباح علي ليل مظلـم    وربيع أيامي علي محـــــــــــــــــــرم

والليل يشهد لي بأني ساهــــر            مذ طاب للناس الرقاد وهومـــــــــــوا

قلقاً تقلبني الهموم بمضجعــي            ويعود فكري في الزمان ويتهــــــــــم

عبست وجوه القوم خوف الموت        والعباس فيهم ضاحك متــــــــــــــبسم

قلب اليمين على الشمال وغاص        في الأوساط يحصد بالرؤوس ويحطم

وثنا أبو الفضل الفوارس نكصا          فرأوا أشد ثباتهم أن يهـــــــــــــــزموا

ما كر ذو بأس له متقدمـــــــــــا          إلا وفر ورأسه المـــــــــــــــــــــــتقدم

صبغ الخيول برمحه حتى غدا           سيان أشقر لونها والأدهـــــــــــــــــــم

بطل تورث من أبيه شجاعــــة           فيها أنوف بني الضلالة ترغــــــــــــم

فأنصاع يخطب بالجماجم والكلا         فالسيف ينثر والمثقف ينظــــــــــــــــم

أوَ تشتكي العطش الفواطم عنده           وبصدر صعدته الفرات المفعــــــــــم

ولو أستقى نهر المجرة لارتقى            وطويل ذابله إليه سلـــــــــــــــــــــــم

لو لا القضى لمحا الوجود بسيفه          والله يقضي ما يشاء ويحكــــــــــــــم

وهوى بجنب العلقمي فليتـــــــــه          للشاربين به يداف العلقـــــــــــــــــــم

فمشى لمصرعه الحسين وطرفه          بين الخيام وبينه متقســـــــــــــــــــــم

قد رام يلثمه فلم يرّ موضعا               لم يدمه حر السلاح فيلثــــــــــــــــــم

أأخي يهنيك النعيم ولم أخل                ترضى بأن أرزى وأنت منعــــــــــم

أأخي من يحمي بنات محمد                إن صرن يسترحمن من لا يرحــــم

هونت يبن أبي مصارع فتيتي             والجرح يسكنه الذي هو أَأْلــــــــــــم

يا مالكا صدر الشريعة أنني               لقليل عمري في بكاك متمـــــــــــــم

توفي السيد جعفر في 23 من شهر شعبان عام 1315هـ /1897م، وعمره ست وثلاثون سنة، ودفن في مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف، عند قبر والده على مقربة من مقام الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).

 

 

 


اعلام مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :