مركز تراث كربلاء
ادبية
بكائية رأس الحسين - عليه السلام - للشاعر جوزيف حرب
التاريخ : 7 / 9 / 2018        عدد المشاهدات : 356

 

جوزيف حرب

من أبرز الشُّعراء اللُّبنانيين الّذين تجاوزتْ قصائدُهم حدود الوطن. ولد في قرية المعماريَّة من قضاء الزَّهراني في الجنوب اللّبناني عام 1944، تعلَّم في المدرسة الأنطونيَّة، درسَ الأدب العربي والحقوق في الجامعة اللبنانية، مارس التعليم، وعمل في الإذاعة اللبنانية.

" تولى رئاسة "اتحاد الكتاب اللبنانيين" من عام 1998 حتى العام 2002. ونال العديد من الجوائز التكريمية منها: جائزة الإبداع الأدبي من مؤسسة الفكر العربي، والجائزة الأولى للأدب اللبناني من "مجلس العمل اللبناني" في دولة الإمارات العربية عمل حرب في التعليم والمحاماة، ثم عمل في الإذاعة اللبنانية بدءاً من 1966، حيث كتب وقدَّم برنامج "مع الغروب"". أصدر عام 1960 كتابه الأول "عذارى الهياكل". له العديد من الدواوين الشعرية، منها: شجرة الأكاسيا ،مملكة الخبز والورد ،توفي الشاعر جوزف حرب مساء 9 شباط (فبراير) 2014، في بلدته المعمرية قضاء الزهراني.

( بكائية رأس الحسين - عليه السلام -  ) يقول فيها :

 ذَرْ ذِرِي فتيت الرياحين ، وانسجي من حبير البجع ، وكنار الحمام ، مكاسر الكفنِ الأبيض .. واحفري الجفنَ عميقاً عميقاً حتى مغارق الدمع ، فلقد أقبل الليل وحن جسد الحسين إلى النوم جملةً سماوية بين هلالين من جناحي ملاك . كربلاء .. يا مساحة المرارة ، وموشحة الحزن ، وغرف الغمام العراقيَّة وشبابة الفرات التي بحّت ما شربت ، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مساريج الجنَّة ، رققي من حواشي الريح ، واملئي الأباريق ، ومدي الوسادة الزينبيَّة ، فلقد أقبل الليل ، ورجعت من كوفة الزمن القديم .. هبيني كربلاء أُرح رأس الحسين على يديَّ .. أنا لستُ من أنزل الحُسين في العراء من غير ماء وغير حصن . . ولست من شكَّ سيفه بين منكَب الحُسين وعنقه .. ولستُ يا كربلاء من قطعَ الكتف اليُسرى .. أنا لستُ الأبرص بن ذي الجوشن أحزّ بالسّيف في عنقِ الحُسين . . ولست من أوطأ الجياد عظام صدرِه . . ولست عبيد الله بن زياد أضربُ ثناياهُ بِعصا الملك . . ولستُ جند عمر بن سعد أطوف بالرّأس وهي على الرّمح في مسالِك الكوفة ولست يزيد بن معاوية أنكت بقضيب العرش في شفتي الحُسين الّلتين قبلتهما شفتا الرّسول الكريم.. حتى ارتوتا من عبير ريحانة الجنّة. هبيني كربلاء.. أُرِح رأس الحُسين على يديَّ . هبيني سراويله اليمانيَّة التي مزّقها كي لايقتسمها من بعده القتلة ..

هبيني جبة الخز والعمامة ، وورق النيل الذي اختضبت به تقاسيم الحسين . ويالعطش عبد الله الرضيع . . وقد مرى الهجير عرقه وهدلت رباعية أطرافه.. وتقطرت هُنانةُ خاصرتيه ، ورنقت عيناه ، وومح جلده ، وتخّ نفَسه وبُح صوته، ودير به مغشياً عليه ، فرفعه الحسين بين يديه وخاطب الواقفين دون ماء الفرات ، يا أهل الفرات... يا أهل الكوفة.. خافوا الله واسقوا هذا الطفل، إذا كنت أنا في اعتباركم أستوجب الموت، فما ذنب هذا الطفل الصغير ؟! يا قوم ، خافوا الله واذكروا عذاب يوم أليم .

أراك لا تنسينَ يا كربلاء كيف صاح به أحد الجند ، خذ.. اسقه ، وأوتر القوس ورمى الطفل بسهم اختلجت عليه أحشاؤه ..فهبيني كربلاء أرح رأس طفل الحسين على يديّ . هبيني ذؤابتيه المرسلتين ، وخلاخيل قدميه ، ومِشملته ، وقميصه المشقوق ، والعقد والعود والبكاء الذي ما ترسّل من بين أجفانه ، مخافة أن يتملح فمه إذا لا مست قطراتُ دمعه شفتيه عندما يحمّل الرجال رؤوسهم همّ العالم ويصفو دمهم زيتاً للحقيقة ، وتتوثب في سواعدهم جياد المعارك العلوية ، يمرّ في خاطري الحسين بن علي مقدساً في رسالة ، جنة في جسد ، سدرة في منتهى ، شهيدَ عقيدة باعها بربه واشتراها بدنياه ، وكانت نسبة أن تعيش هي غداً، من نسبة أن يموت هو اليوم .

 إنه الومض المقدس .. أقعد الجنة عمن أقعد القلب عن الهدى ، وأذلت كفه كف من أعز القبض عن العطية ، وحبس ديمة الرخاء عمن أطلق في المساكين مزنة البلوى ، وقاوم بقوة الحق قوة المنافق واللص والراشي ، وأمّر نهايةً للمفسدين اعذوذبت بدايتها ، فأرسل في الظالمين ريحاً وناراً ململمتين على شتات هشيم ، وأيبسَ عظمَ من للعراة عليه بردةُ الخيلاء ، وألهبَ جوفَ من للجياع عنده طبق حرام، وسرّق من جاء بيت الرزق من غير بابه، ورهن النفس بثقل ما فعلت . وأرسل في أصلابه واعتدال ظهره انحناءة التوبة ، وغض العين عما لا يحل لها ، واشتعل في سراج الصدر فتيلة الحكمة ، وأنبت في روحه الصبر على كل بث وكل أسى ، واستقل في جنب ربه زينته تقواه . خادمه يداه ، ولأنه ما أعار دنياه طرف آخرته . . باع نفساً تموت غداً بنفسٍ لا تموت هناك تداخلٌ حتى الذوبان بين رأس المسيح بعد الصلب ، ورأس الحسين بعد القطع . . وبين رأس يوحنا على طبق ، ورأس الحسين على رمح . . وبين خل العطش على الصليب ، وملح العطش في عاشوراء . . بين زينبات الحسين ، ومريمات المسيح . . وإن الذين رغبوا إلى اقتسام ثياب المسيح على الجلجلة ، هم أنفسهم الذين رغبوا إلى اقتسام ثياب الحسين في كربلاء .. وإن الشهوات التي في أعماق هيرودس ، هي ذاتها الشهوات التي في أعماق يزيد.. وإن المراة التي طالبت بقطع رأس يوحنا ، هي ذاتها الدولة التي طالبت بقطع رأس الحسين... . إنها رمز قاطع المنارات وقاطعِ الرؤوس : رأس الأنبياء .. رأس الرائين.. رأس الثوار.. رأس المفكرين.. رأس الفلاسفة.. رأس الحرية.. رأس السنبلة.. ورأس الحمام الأبيض ، والزيتون المبارك .

لو دخلت عاشوراء يد القضاء لما اختل ميزان قاضٍ ، ولو هبت على خفق راية لما أُذِلّ وطن.. ولو لامستْ وسادة حاكم ، لمنعته من صلف النّعاس .. ولو استوت على سرير خلافة ، لما عرف التّاريخ قراصنة الأرض ، ولصوص الأمم ، وشذاذ آفاق الممالك ، والمشعبذة والطّغاة والسّحرة . ثلاث وسبعون رأساً ، ورأس الحُسين طليعتها ، منارةٌ خلفها منائر ، دخلت البلاط اليزيدي على سن ثلاثة وسبعين رمحاً.. فهل لشمس بعد أن تشرق ؟! ولفرات بعدُ أن ينساب ! ولريح بعدُ أن تهب ! ولطائر بعد أن يسحب جناحيه ! ولنبت بعد أن يُمرع ! ولقضاء بعد أن يعدل ! ولحكم بعد أن يستوي ! ولدين بعد أن يشيع ! ولسلام بعد أن يسود . . إلا ومعه قضية ثلاث وسبعين رأساً قضت في سبيل ألاّ يُلاحم من صدوع الباطل ! ويُصدع من ثبات الحق ! إن مسيحيتي أيها السادة.. لن تكتمل ناقصاً منها الحسين ، وإن أي دين سماوياً كان أو غير سماوي.. لايتضمن مرتبة حسينية إنما هو دينٌ كثير الأرض قليل الجنة... وإن أي حق لابد من أن يضيع إن لم تكن وسيلته حسينية.. فإما الحق . . . وإما الشهــادة . ! ؟.. ! ولندع صفين . . ولندع التحكيم . . ولندع الفتنة . . ولندع من بعد . . حصار القسطنطينية . . ولندع . . حرب الأيقونات في بلاد الروم . . ولندع خوف يزيد من العراق في يد الحسين . . فإن في عمق ذهاب الحسين إلى العراق ليس ما دار في رأس يزيد . . فقط . . وإن في عمق أن الحسين ما رجع عن العراق . . ليس سيفاً للحسين سل وما غُمد . . فقط . . هناك صوت ما ، صوت من أعماق السماء نادى الحسين ، فسار إليه. كل ما هو ومضٌ قدسي ، سيرته في الأرض ، أن المكان الذي تركه ، إنما تركه اقتراباً من الجنة ، فإذا رجع إليه لا لحكمة ابتعد بدلا من أن يقترب.

من هنا كانت عاشوراء فصلاً من فصول ذهاب الحسين إلى الجنة لا العراق.. وهو لو رجع لسلمت رأسه ، ولكنَّه لكان عاش بيدين لا في تلك الحق ولا في هذه الجنة . وإن النبي الكريم إذا روّت شفتيه وهو على الأرض ، شفتا الحُسين من ريحانة الجنَّة ، فإنَّ شفتي الحُسين وهو في الجنَّة تُرويان شفتي النبيّ من رائحة الشّهادة والحق ، ولعل توزنُ رائحة الرّيحان في الجنّة برائحة ِالحقّ والشّهادة . وأمّا الإمام المكرم وجهه ، فلم يكن فرحه والحسين الطّفل في حضنهِ بأعظم من فرحهِ وليس في حضنه من الحسين إلاّ رأس الحسين ! إذ انتقل الحسين من الطفولة البريئة في المشهد الأول إلى الومض في المشهد الثاني .الحق .. والشهادة .

. من كربلاء حتى الجنوب ، الجنوب المشبَّع بِهما ، لأنَّه مشبَّع بالحُسين ، ويا لوطن يلتقي فيه حقاًّ السّماء والأرض .. وشهادتا الدِّين والدُّنيا ، فلا يضيع الجنوب أصحابه ، لأنَّهم عندئذ يكونون قد رجعوا إلى حيث لم يرجع الحُسين، ويكونون قد سلمتْ رؤوسهم وعاشوا بيدين ، ولكن لا في تلك الحق ولا في هذه الجنة .

 

 كربلاء ..يا مساحة المرارة وموشحة الحزن وغرف الغمام العراقيَّة ، وشبّابة الفرات التي بحّت وما شربت ، وحارسة المصابيح التي اشتعلتْ بزيت مسارج الجنة ، خذي الدفء من وجه رباب .. والحنان من فؤاد سُكينة.. ومن فاطمة الذراع العفّ.. ومن زينب رقّة الأخت ، ورققي حواشي الريح، واملأي الأباريق ، ولكن . . لا تمدي الوسادة الزينبية ، وإنما هبيني .. لمرَّة أُرح رأسَ الحُسين على يدي .

 

 واخيرا  أن بكائيَّة رأس الحُسين - عليه السلام -  للأديب الشّاعر الّلبناني المسيحي جوزيف حرب , كلماتها نورانيَّة , مشبَّعة بمعنى الحقيقة الأبديَّة , صَاغها الشَّاعرُ بِمدادٍ من الدَّمع يكشفُ فيها عن تقديره وإجلالِه لسيّد الشّهداء وآل بيتهِ الأطهار - عليهم السلام - ويشير الى فداحة المصاب وهوله وانعكاسِه على الوجود , ويبكي مصابهم متأوِّهاً متوجِّعاً من مرارةِ الفاجِعة  فكانت بكائيَّة حقَّاً  تستحقَّ الخلود ,وكانت أمنية مسيحي أنْ " هبني لمرَّة أرِح رأسَ الحسين على يدي !!.

 


وحدة الاعلام


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :