مركز تراث البصرة
ادبية
أعلم الشعراء وأشعر العلماء محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري
التاريخ : 6 / 8 / 2018        عدد المشاهدات : 140

نسبه وولادته:

ابن دريد، هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد([i])، الأزدي، القحطاني، البصري، عالم فاضل أديب حفوظ، شاعر، نحوي، لغوي. وكان يقال: هو أعلم الشعراء، وأشعر العلماء ([ii])، وهو أحد أئمّة اللّغة والأدب ([iii]). 

ولد بالبصرة في سكّة صالح سنة (223هـ)، ونشأ بها، وتعلّم فيها، وقرأ على علمائها، ثم ارتحل منها مع عمّه عند ظهور الزنج، وسكن عمان ([iv])، وتنقل في البلاد لطلب الأدب، وعلم النحو واللغة، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار ([v]).

منزلتهُ وعلمه:

قال المسعودي: "وكان ابن دريد ممّن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدّمين، وكان يذهب في الشعر كلّ مذهب، فطوراً يُجزل، وطوراً يرقّ، وشعره أكثر من أن نحصيه([vi])". 

أخذ عن الرياشيّ وأبي حاتم السجستانيّ وابن أخي الأصمعيّ، وغيرهم([vii])، وكان واسع الرواية، لم يُرَ أحفظ منه([viii])، يحكى أنه كان إذا قرئ عليه ديوان شعر مرة واحدة حفظه من أوله إلى آخره([ix]). روى عنه أبو سعيد السيرافي، وعمر بن محمد بن سيف، وأبو بكر بن شاذان البزاز، وأبو عبد الله المرزباني، وغيرهم ([x]).

مؤلّفاتهُ:

له تصانيف مشهورة ([xi])، منها جمهرة اللّغة ([xii])، وهو من الكتب المعتبرة ([xiii])، وكتاب السَّرج واللّجام، وكتاب الاشتقاق ([xiv])، و(كتاب الوشاح)، وكتاب الخيل الكبير، وكتاب الخيل الصغير، وكتاب الأنواء، وكتاب المجتنى، كتاب المقتني، كتاب الملاحن، كتاب روّاد العرب، كتاب ما سئل عنه لفظاً فأجاب حفظاً، كتاب اللغات، كتاب السلاح، كتاب غريب القرآن، لم يتمّه، كتاب أدب الكاتب ([xv])، كتاب صفة السحاب والغيث، وغيرها الكثير([xvi]).

شعرُه:

عَدّ ابن شهرآشوب ابن دريد من شعراء أهل البيت عليهم السلام ([xvii]).

ومن شعره فيهم عليهم السلام:([xviii])

أهوى النبيَّ محمّداً ووصيَّه                  وابنيه وابنته البتول الطاهرة

أهل العباء فإنني بولائهم                    أرجو السلامة، والنجا في الآخرة

وأرى محبّة مَن يقول بفضلهم              سبباً يُجير من السبيل الجائرة

أرجو بذاك رضى المهيمن وحده           يوم الوقوف على ظهور الساهرة

ومن قصيدة له ذكر فيها أهل البيت عليهم السّلام وفضلهم، وعرّج فيها على مصيبة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ([xix]):

يا صاح ما أبصرت مِن عجب       بالحق زاغت عنه عّنّده

أألى الضلال تحيد عن نهج           يهدى الى الجنات مرشده

 (إن البرية خيرها نسبا               إن عد أكرمه وأمجده)

 (نسب محمده معظمه                وكفاك تعظيما مُحمّده)

 (نسب إذا كبت الزناد فما            تكبو إذا مانضّ أزنده)

 (وأخو النبي فريد محتده             لم يُكبه في القدح مُصلده)

 (حل العلاء به على شرف           يتكأد الراقين مَصعده)

أو ليس خامس من تضمنّه           عن أمر روح القدس بُرجده

إذ قال أحمدها ولاؤهم                أهلي وأهل المرء وددّه

يا رب فاضممهم الى كنف           لا يستطيع الكيد كيّده

(أو لم يَبت ليلا أبو حسن             والمشركون هناك رُصّده)

 (متلففا ليرد كيدهم                  ومهاد خير الناس مَمهده)

(فوقى النبي ببذل مهجته             وبأعين الكفار منجده)

وهو الذي أتبع الهدى يفعاً            لم يستمله عن التقى دده

 كهل التاله وهو مقتبل               في الشرخ غض الغصن أغيده

والشرك يُعبد عزياه به                جهلا دعائمه وجلمده

ومنازل الاقران قد علموا             والنقع مُطرّق تلبّده

خواض غمرة كل معترك             سيان أليسه ورعدده

فسقى الوليد بكاس منصله            كأسا توهله وتصخده

 فهوى يمج نجيع حشرته            والموت يلفته ويقصده

وسما بأحد والقنا قصد               كالليث أمكنه تصيّده

فأباد أصحاب اللواء فلم            يترك له كفّا تُسنّده

ثم ابن عبد يوم أورده              شربا يذوق الموت وُرّده

جزع المداد فذاده بطل             لله مرضاه ومعتده

وحصون خيبر إذ أطاف بها       لم يثنه عن ذاك صُدّده

ونجم قد عقد الولاء له             عقدا يُقَلقَل منه حُسّده

ما نال في يوم مدى شرف         إلا أبر فزاده غده

 من ذا يساجل أو يُناجب في       نسب رسول الله محتده

أبناء فاطمة الذين اذا               مجد اشار به مُعدّده

فذراهم مرعى هوامله              ولديه منشأه ومولده

والمجد يعلم أن أيديهم             عنها اذا قادته مقوده

لولاهم كان الورى همجا           كالبهم فرّقه مشرّده

 لولاهم حار السبيل بنا            عما نحاوله ونقصده

 لولاهم استولى الضلال على      منهاجنا واشتد موصده

 هم حجة الله التي كندت           والله ينعم ثم تكنده

هم ظل دين الله مدّده               أمناً على الدنيا ممدده

 وهم قوام لا يزيغ اذا              ما مال ركن الدين يعمده

وهم الغيوث الهاميات اذا          ضن الغمام وجف مورده

وهم الحبال المانعات اذا          ما الياس اطلقه مصفده

كم من يد لهم ينوء بها            فتهد حاملها وتُلهده

 كم منة لهم مورثة               آثار طول ليس تفقده

 وإخال ان الوقت شاملنا          فمسيمه منا وموعده

اذ سار جند الكفر يقدمه           متسربلاً غدراً يُجنده

في جحفل يُسجى الفضاء به      كرهاء بحر فاض مزبده

 طلاب ثار الشرك آونة         تحتثه طورا وتحشده

لو أن صنديد الهضاب به       يرمى لزلزل منه صندده

 

الى ان يعرج الى مصيبة الطف فيقول:

حتى اطافوا بالحسين وقد         عطف البلاء وقل منجده

صفا كما رص البنا وعلى        ميدانه بالسيد([xx]) مُرهده

 قرنين مضطغن ومكتسب       ومكاتم للوغم يحقده

 فرموه عن غرض وليس له     من ملجأ الا مهنده

 وصميم اسرته وخُلصته         ونأى فلم يشهده أحمده

لو أن حمزته وجعفره            وعليّه اذ ذاك يَشهده

ما رامت الطلقاء حوزته         بل عمّها بالذعر منهده

منعوه ورد الماء ويلهم          وحماه لم يمنع تورّده

خمسا أديم عليه سرمده         وأشد وقع الشر سرمده

حتى إذا حامت مناجزة         في صدر يوم غاب أسعده

ثاروا إليه فثار لا وكلا         وأمامه عزم يؤيّده

كالقوم ردد في لغادده           هدرا يردده ويرعده

 والخيل ترهقه فيرهقها        ضربا يفض البيض اهوده

حتى إذا القتل استحر بهم       في مأزق ضنك مقصّده

 وتخرمت أنصاره وخلا        كالليث لم ينكل تجلّده

ثبت الجناب على بصيرته      والعزم لم ينقص تأكده

 وتعاورته ضبى سيوفهم       فتقيمه طورا وتقعده

 حتى هوى فهوى بناء علا    واجتث منتزعا موطده

 طمسوا بمقتله الهدى طُمست  عنهم مناهجه وأنجده

 وتروا النبي به وقد وتروا     الروح الامين غداة يشهده

 فبكاه قبر المصطفى جزعا     وبكاه منبره ومسجده

 وتسربلت أفق السماء له       قتما يخالطه تورده

                       وتبجست صم الصخور دما    لما علاه دم يجسّده

وأتيح للماء الغؤر به           والغور ينضبه ويثمده

 ومن الفجيعة أن هامته        للرمح تأطره تأوده

 تهدى الى ابن العلج محملها  وافى طلوع الجبت اجعده

عبد يُجاء براس سيده           لما أذيل وضاع سيده

 يجرى براس ابن النبي لقد    لعن المراد به وروّده

 لعن الإله بني امية ما        غنّى على فنن مغرده

 فيهم يحكّم لا ينهنه في       الاسلام عابثه ومفسده

روايتهُ:

ومن رواياته في فضائل أهل البيت عليهم السلام، ما رواه في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بسنده، قال ([xxi]): حدّثنا العباس بن الفرج الرياشي، قال: حدثني أبو زيد النحوي الأنصاري، قال: سألت الخليل بن أحمد العروضي، فقلت: لِمَ هجر الناس علياً (عليه السلام)، وقرباه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناؤه في الإسلام عناؤه؟ فقال: بهرَ والله نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كلّ منهل، والناس إلى أشكالهم أميل، أما سمعت الأول حيث يقول:

وكلّ شكل لشكله ألف                  أما ترى الفيل يألف الفيلا

قال: وأنشدنا الرياشي -في معناه -عن العّباس بن الأحنف:

وقائل كيف تهاجرتما                   فقلت قولا فيه إنصاف:

لم يك من شكلي فهاجرته              والناس أشكال وأُلاّفُ

وله رواية أُخرى في فضائل سيد الموحدين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب عليه السلام، بسنده، قال ([xxii]): (قال معاوية لضرار الصّدائي([xxiii]): يا ضرار، صف لي علياً.

قال: أعفني يا أمير المؤمنين: قال: لتصفنّه. قال: أما إذ لا بدّ من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه. ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يُعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه. ونحن والله -مع تقريبه إيّانا وقربه منّا -لا نكاد نكلّمه هيبة له. يعظَّم أهل الدّين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غرّي غيري، أليَّ تعرّضت أم إليَّ تشوّفت! هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل. آه من قلَّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن مَن ذبح ولدها وهو في حجرها. وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له عليّ بن أبي طالب عن ذلك، فلما بلغه قتله، قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب. فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام. فقال له: دعني عنك.

وفاتهُ:

توفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقين من شعبان أو من رمضان سنة(321هـ)، فيكون عمره ثماني وتسعين سنة، ويقال: إنه عاش ثلاثاً وتسعين سنة لا غير([xxiv]). وحُملت جنازته وإذا بجنازة أخرى مع نفر قد أقبلوا بها، فإذا هي جنازة أبي هاشم الجبائيّ المتكلّم المعتزليّ. فقال الناس: مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجبائي([xxv]).

 

([i]) يُنظر: العبر في خبر من غبر، الذهبي: 2/ 193؛ تذكرة الحفاظ: 3/ 810.

([ii]) يُنظر: معجم رجال الحديث، السيد الخوئي: 16/ 226-229.

([iii]) يُنظر: لسان الميزان، ابن حجر: 5/ 132-134؛ الأعلام، للزركلي: 6/ 80.

([iv]) خزانة الأدب، للبغدادي: 3/ 114؛ فهرس التراث، محمد حسين الجلالي: 1/ 351.

([v]) يُنظر: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لابن الجوزي: 13/ 329؛ أعيان الشيعة، محسن الأمين: 9/ 153.

([vi]) مروج الذهب: 4/ 228-231.

([vii]) يُنظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، 15/ 96-98؛ مرآة الجنان، لليافعي، 2/ 212-213.

([viii]) يُنظر: ميزان الاعتدال، للذهبي: 3/ 520.

([ix]) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي: 289-291؛ معجم الأُدباء، ياقوت الحموي: 18/ 138-149.

([x]) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 2/ 191-194.

([xi]) معالم العلماء: 144.

([xii]) أمل الأمل، الحر العاملي: 2/ 256-259؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار: 25/ 239.

([xiii]) تاريخ الإسلام، للذهبي: 24/ 87-89؛ الذريعة، آقا بزرك: 1/ 311؛ 2/ 28، 312-313؛ 5/ 146؛ 7/ 127، 287؛ 9/ 983؛ 10/ 6؛ 12/ 166، 208؛ 15/ 46؛ 16/ 49؛ 17/ 125؛ 18/ 328؛ 20/ 1-2؛ 21/ 148؛ 22/ 16، 190؛ 25/ 92.

([xiv]) تاج العروس، للزبيدي: 1/ 14-15؛ كشف الظنون، حاجي خليفة: 1/ 605.

([xv]) حياة الحيوان الكبرى، الدميري: 1/ 427.

([xvi]) معجم المطبوعات العربية، إليان سركيس: 1/ 101-103.

([xvii]) معجم المؤلّفين، عمر كحالة: 9/ 189.

([xviii]) الفهرست، لابن النديم: 67؛ هديّة العارفين، إسماعيل باشا البغدادي: 2/ 32.

([xix]) أدب الطف، جواد شبر: 2/ 10-18.

([xx]) السِيد هو الذئب. يقول الشاعر الشنفري:

ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملَّسٌ    وأرقط زهلول وعرفاءُ جيألُ

([xxi]) الأمالي، للشيخ الصدوق: 300؛ علل الشرائع: 1/ 145.

([xxii]) الاستيعاب، لابن عبد البر: 3/ 1107؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 18/ 225-226؛ فتح الملك العلي، أحمد بن محمد الحسني المغربي: 79.

([xxiii]) وهو من خواصّ الإمام علي عليه السلام، وشيعته، ينظر: جمهرة خطب العرب، أحمد زكي صفوت: 2/ 374.

([xxiv]) الكامل في التاريخ، ابن الاثير: 8/ 273؛ وفيات الأعيان، ابن خلكان: 4/ 328.

([xxv]) الأنساب، السمعاني: ج2، ص474.


اشرف عبد الحسن


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :