مركز تراث الحلة
دينية
خطيب العلماء... السيد صالح الحلي
التاريخ : 17 / 5 / 2016        عدد المشاهدات : 692

المنبر الحلي

                 خطيب العلماء...

                                                   السيد صالح الحلي

      خرّجت الحلة فطاحل العلماء وأساطين الأدب العربي أمثال ابن ادريس، وابن نما والمحقق الحلي، والعلامة الحلي، وغيرهم من جهابذة العلم، وأمثال شعراء كبار كالسيد حيدر الحلي، والسيد جعفر الحلي، والسيد عبد المطلب الحلي، والشيخ صالح التميمي، والشيخ صالح الكواز، والنحويين كالشيخ أحمد ووالده الشيخ محمد رضا، وغير هؤلاء من عمالقة الأدباء وفرسان الشعراء، ومن هؤلاء السيد صالح الحلي .

   استطاع السيد صالح الحلي أن يُجدد المنبرالحسيني على أنه الوسيلة الفعالة التي يُتاح للشيعي أن يُعبّر بها عن مظلومية أئمته الأطهار(عليهم السلام)، حتى وفق في إيصال صوت هادر اخترق كل الأسماع، وأصبح أشهر خطباء المنبر الحسيني.

   السيد صالح بن حسين بن محمد الحلي، كني بأبي المهدي وتقولها عامة الناس بالتصغير فتدعوه (أبو مهيدي) حباً به واعتزازاً بشخصيته، ولد عام 1289هـ بمدينة الحلة، ونشأ فيها في سني حياته الأولى، وهاجر منها إلى النجف الأشرف عام ١٣٠٨ه‍، ليلتحق بحوزتها العلميَّة وهو في التاسعة عشرة من عمره، وأكمل دروسه طالباً مجداً متفوقاً، وأشرف على تدريسه نخبة من أجلاء الأساتذة وفضلاء الحوزة، فكان في تلك السنين منصرفاً إلى الدراسات الحوزويَّة، ولم يكن في أولياته ذا صلة بالخطابة.

   لقد انبثقت خطابة السيد الحلي من منابع العلم والفضل، وحلقت في سماء الكفاءة والإقتدار، لذلك قيل فيه إنه خطيب العلماء وعالم الخطباء.

    وقد كان للسيد الخطيب الحلي دور رائد في الدفاع عن حقوق العراق فعندما احتل الإنگليز البصرة عام 1333هـ، هبَّ رجال الدين لمقارعة الإنگليز، فتقدَّم محمد سعيد الحبوبي زاحفاً بقبائل الفرات الأوسط، والعشائر الجنوبيَّة نحو البصرة، وفي هذه الظروف السياسيَّة الحاميَّة كان الحلي خطيباً في مجالس البصرة لإحياء ذكرى عاشوراء، فدعى بخطبه إلى تعبئة المقاتلين، وتحريض الجماهير على الإلتحاق بجبهات القتال.

    ولما اندلعت ثورة العشرين ضد الإنگليز عام 1920م كان الحلي يصول ويجول ويدعو للجهاد في بغداد وضواحيها حتى وصل إلى مدينة بعقوبة، وتوغل في أريافها وقراها لمواصلة الدعوة إلى الجهاد، غير أن الإنگليز ترصدوا له وألقوا القبض عليه، ثم حكموا بنفيه وإبعاده إلى المحمرة، وجيء به مخفوراً حتى مرَّ على قصر الشيخ خزعل، فأغاثه وآواه، وأقام عند الشيخ خزعل قرابة الثمانية شهور حتى خمدت الثورة العراقيَّة، وأطلق سراحه ورجع إلى العراق، واتخذ الكوفة موطناً ومسكناً.

    وفي عام 1352هـ نفته الحكومة العراقيَّة إلى البصرة على أثر مشكلة الانتخابات البرلمانيَّة لأول مجلس نيابي تأسيسي للعراق الذي تريَّث علماء الشيعة في تأييده، وانبرى الحلي بمقاطعته، فأُبعد إلى البصرة مرة أخرى لمدة ستة أشهر ثم عاد إلى النجف.

العلماء يقودون ثورة العشرين

   لم تقتصر موهبة السيد الحلي على الخطابة، وإنما قرض الشعر بقسميه الفصيح والدارج منذ دور الصبا وقد جمع له تلميذه المبّرز الخطيب الشهير المرحوم السيد حسن الشخص ديوانه الشعري المعنون بـ(الباقيات الصالحات)، وقد نشرت له عدة قصائد في الجزء الأول من كتاب (من لا يحضره الخطيب)، ونشر له الشاعر الحسيني الأستاذ الشيخ محمد باقر الإيرواني النجفي باقة من أشعاره في أهل البيت (عليهم السلام) منها :

  قال في رثاء سيد الخلق والخُلق رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) قصيدة من اثنين وعشرين بيتاً مطلعها:

              رزءٌ أطلّ فجلَّ في الأرزاء      زفراته هبت على الغبراء

   وله في مديح سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قصيدة من سبعة عشر بيتاً يستهلها بقوله:

                 أبا حسنٍ ليس كيفٌ وحد        يـحددُ ذاتـكَ إلا الأحد

                ألست المكسّر أوثانها          وقاتل شجعانها في أحد

وفي رثائه (عليه السلام) قصيدة من ستة وعشرين بيتاً يفتتحها:

         خطبٌ أذابَ من البتولِ فؤادَها      وأذابَ من عينِ الرسولِ فؤادها

 ومن قصائده الشهيرة مستنهضاً صاحب الأمر وراثياً الزهراء (عليهما السلام) قصيدته الغرّاء:

          يـا مدرك الثار البدار البدار      شن على حرب عداك المغار

           وأت بها شعواء مرهوبة           تعقد أرضا فوقها من غبار

           يا قمر التم أما آن أن              تبدو فقد طال علينا السرار؟

وهي من أروع قصائد الولاء الخماسية تضمنت أربعة وأربعين بيتاً منها البيتان الشهيران على ألسنة الخطباء:

                  قـد ورثت من أُمها زينب      كل الذي جرى عليها وصار

                   وزادت الـبنت عـلى أُمها       من دارها تهدى إلى شرّ دار

ومن شعره في مصائب الزهراء (عليها السلام) والإشارة المجملة لرثاء أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) قصيدته العينية المؤلفة من اثنين وعشرين بيتاً منها البيت الشهير الذي يستشهد به الخطباء :

      لمصائب الزهرا هجرت المضجعا      وأذبـت  قـلبي من جفوني أدمعا

العلامة  المجاهد محمد سعيد الحبوبي مع رجال الدين في قيادة معركة الشعيبة

      كان السيد صالح زاهدا يوزع كل ما يصله من حقوق و تبرعات يوما بيوم، على العوائل الفقيرة والمتعففة، حتى أنه كان لا يبقي شيئاً لفطور الغد. وبعد رحلة العمر التي استغرقت سبعين عاماً، أسس فيها السيد الصالح مجداً شامخاً، وشيد تاريخاً باذخاً، وسجل صفحة في سجل الخلود، رحل إلى رضوان الله، بعد صراع مع المرض ألزمه الفراش عشرة شهور في داره بجسر الكوفة، فحُمل جثمانه على الرؤوس إجلالاً وتعظيماً في آخر شهر شوال من عام 1359هـ إلى مثواه الأخير في مقام المهدي (عليه السلام) في النجف الأشرف تنفيذاً لوصيته .

وقام العلامة الكبير الشيخ عبد المهدي مطر ينعاه بأسف وحرقةٍ في مجلس تأبينه:

                نـعتك الـخطابة والـمنبر      ونـاح لك الطرس والمزبر

                 وهـزّنعيك قـلب الـحطيم      فـأعولك الـركن والمشعر

               وفيك انطوت صفحة للبيان       بـغـير لـسانك لا تـنشر

  ثم تسابق الخطباء والشعراء إلى المنصة في محافل تأبينه ومجالس فاتحته، وخصوصاً في المأتم المهيب الذي عقدته جمعية الخطباء وفاء وعرفاناً لفقد عميدها ورحيل سيدها فأبنّه الخطيب الكبير الشيخ جواد قسام بقصيدة عامرة قال في مطلعها :

          بـاتت لـفقدك تندب الأعواد         وأصيب فيك الوعظ والإرشاد

         قد كنت نوراً للشريعة ساطعاً       كيف اعتراه من الردى إخماد؟


مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq


كما يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :