مركز تراث البصرة
المعالم الاثرية
جَامِعُ الأُبُلَّة في البصرةِ مشعلٌ وضّاءٌ وسراجٌ وهّاجٌ
التاريخ : 23 / 1 / 2018        عدد المشاهدات : 264

انتَشَرَتْ المَسَاجِدُ فِي أغلَبِ بِقَاعِ الأرضِ، وَشُيِّدتْ بِكَثْرَةٍ فِي الدّولِ الإسلاميّةِ، وَكَانَ العِراقُ مِن بين تلكَ الدّولِ التي شَهِدَتْ بِناءَ المَسَاجِدِ وعمارتها، وَمِن العِراق نَأخُذُ مَدِينَةَ البَصْرةِ، التي أُسّسَ أوّلُ مَسجِدٍ فِيها مِع تَأسِيسِها عام 14هـ، وَمُنذُ ذلكَ الحين بَاتَ عددُ المَسَاجِدِ فِيها يتَزَايدُ بشكلٍ مُستمرٍ إلى يَومِنَا هذا، وَمِن بَينِ تلكَ المَسَاجِد التِي عُرِفَتْ بقِدَمِها فِي مَدِينَةِ البَصرَةِ، هُوَ جَامِعُ الأبُلَّة.

الموقعُ الجغرافيُّ والتَأسيسُ :

يَقعُ المَسْجِدُ فِي مِنطَقَةِ الأُبُلّةِ، الواقِعَةِ فِي شَمَالِ غَربِ المعْقل فِي مُحَافَظَةِ البَصرةِ، وَهُوَ مِن المَسَاجِدِ البَصرِيَّةِ القَدِيمَةِ، أُسِّسه العَلّامَةِ السّيّدِ عَبْدِ الحكيمِ الصَّافِي (طَيّبَ اللهُ ثراه) عَام 1968م، بِمُسَاعَدَةِ الخَيّرِين مِن أهلِ البَصرَةِ، وَمِن أسبَابِ بِنَاءِ المَسجِدِ فِي هَذهِ المِنطَقَةِ، انعدام وجُود مَسجِدٍ فِيها، إذ كَانَتْ الأبلّةُ قد بُنِيَتْ فِي عَام 1961م، وسُمِّيَت بِهَذا الاسمِ تذكّراً واحياءً لاسم الأُبُلّةِ القَدِيمةِ، وَكَانَ أغلَب سَاكنِيها مِن الموظّفينَ، فَتَنَبَّهَ العَلّامَةُ السّيِّدُ عبدُ الحكيمِ الصّافِي لِهذا الأمرِ فَقَرّرَ إنشاءَ المَسجِدِ، وَسمَّاه (جَامِع الأبلّة)، فَكَانَ لَهُ الدّورُ الكبيرُ فِي نَشرِ العلومِ الثّقَافيّةِ والدِّينِيّةِ وَالفقهيَّةِ فِي المِنطَقَةِ.

شُيِّدَ الجَامِعُ مَع مُلحَقَاتِهِ عَلى مِسَاحَةٍ قُدِّرتْ بِعَشرَةِ آلافِ مترٍ مربعٍ، وَيَتَكوّنُ مِن حَرَمٍ لإقَامَةِ الصّلاةِ فِيهِ، تتَوسَّطُهُ قُبَّةٌ خُطَّ فِيها مِن الدّاخِلِ آيةُ الكرسِيّ المُبارَكَةُ يَعلُوهَا لَفظُ الجَلالةِ وَأسماءُ المَعصومينَ الأربَعةَ عَشَرَ عليهم السلام، ويَتَخَلّلُها ثَمَانِيةُ شَبَابِيك مُوَزّعَة بِقِياسَاتٍ مُتَسَاوِيَّةٍ فِيمَا بِينَها عَلى كلِّ الجِهَاتِ، تَسمَحُ لِضوءِ الشَّمسِ أنْ يَنفَذَ إلى المُصَلّى، وَفِي أيِّ مُوقِعٍ كَانَتْ خِلال النّهارِ، وَفِي جِهَةِ القِبلَةِ يَكُونُ مِحرَابُ الصّلاةِ، الذي صُمِّمَ بشكلٍ هندسيٍّ رائعٍ، وَطُرِّزَ مِن وَسَطِهِ بالآية المباركة } فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ{[1] وَقَد كُسيَ بالكاشي الكربلائيّ، وامتزج فِيهِ اللّونان الأصفرُ والأزرقُ بِشكلٍ يَسرُّ النّاظرَ، وَيَبعَثُ فِي نَفْسِهِ البَهجَةَ، وَبُنيَ إلى جَانِبِ الحرَمِ دِيوانٌ واسعٌ، وَمَكتَبَةٌ عَامِرَةٌ بالدّوريات والكُتُبِ القَيّمَةِ، يُطِلّانِ عَلى بَاحَةِ المَسجِدِ التي تُقَدَّرُ مِسَاحَتُها بـ(2500) متراً مربعاً تقريباً، ومِن تلكَ البَاحَةِ فِي الخارجِ يمكن النظر إلى القبةِ التِي تَوَسطَت الحَرمَ وَقَد غُلِّفَتْ مِن الخَارج بِالكاشي الكربلائيّ، ذي اللّونِ الأخضرِ، يَغشَاهَا مِن الأعلى اللّونُ الذّهبيُّ الذي أضَافَ جَمَالاً لِنَاظرِيها، وقد نقشت عَلِيها أسماءَ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ عليهم السَّلامُ، وتطل علينا من بين اروقة المسجد منارتُهُ التي صمَّمها المهندس (أحمد عذافة السعد) وقد ارتفعت لتشقَّ طريقها نحو السّماء، بارتفاع (36 متراً)

وكأنَّها بِارتِفَاعها هذا شاخص لِهدايةِ الوافدين للمَسْجِدِ وَكُلُّ مَن رَغِبَ أنْ يَنْهَلَ مِن عُلُومِ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ (صلى الله عليه واله)، وَقَد طُوّقَتْ بِحِزَامَينِ وَتُوّجَتْ بِتَاجٍ أخضرَ وَزُخرِفَتْ بِنُقُوشٍ إسلاميَّةٍ خُطَّ عَليها سُورَة الإخلاصِ المباركةُ.

 

الأنشطةُ الفِكريّة والثقافيّةُ

أُقِيمَتْ فِي المَسْجِدِ كثيرٌ مِن الأَنشطَةِ الدّينيّةِ والثّقافيّةِ والنّدواتِ الفكريّةِ، كصلاةِ الجماعةِ، وَذكرِ مَصَائِبَ أهلِ البَيتِ عَلَيهم السّلام وَوِلادَاتِهم المُبَاركةِ، وَالمُحَاضَرَاتِ الثّقافيّةِ، وَبعضِ الدّروسِ فِي الفقهِ وَالعَقَائدِ وَالقُرآنِ، وَقَدْ تَمَّ افتِتَاحُ مدرسةٍ تُعنى بِشُؤونِ الفقهِ وَالقُرآنِ وَحِفْظِهِ وَتِلاوَتِهِ، سُمِّيَتْ بِمَدرَسَةِ العَلّامَةِ السَيّدِ عبدِ الحكيمِ، وَتَضُمُّ مَا يَقَربُ مِن (250) طَالِبَاً يُقَسَّمُونَ حَسب أعمارِهم إلى ثَلاثِ مَجمُوعَاتٍ، وَقَد خَرّجَت كثيراً مِن الطّلّابِ الذينَ كَانَتْ لَهم مُشَارَكَاتٌ عَدِيدةٌ فِي المُسَابَقَاتِ المَحَلّيّةِ وَالوَطَنِيّةِ، وَتَصْدر- أيضاً- صَحِيفَةٌ بِاسمِ الجامعِ، تُعنى بِالمَسَائلِ الدِّينيّةِ وَالاجتماعيّةِ، وَبثِّ الوعي بَينَ أوساطِ المجتمعِ، وَمَا زَالَ التّوجّهُ قائماً إلى إقامةِ المزيدِ مِن الأنشطةِ التي تَخدِمُ المجتمعَ البَصريّ بِمختَلَفِ شَرَائِحهِ وَطَبَقَاتِهِ.

أبرز زوّاره

زَارَهُ العديدُ مِن الشّخصيّاتِ الدّينيّةِ، وَكَانَ مِن أبرزِها: سَمَاحَةُ آيةِ اللهِ العُظمى الإمامِ السّيّدِ عليٍّ السّيستاني (دام ظلّه الوارف) عِنْدَ عَودَتِهِ مِن رحلَتِهِ العِلاجِيّةِ، وَزَارَهُ العَدِيدُ مِن أصحابِ الدّياناتِ الأخرى مِن المسيحِ وَالصّابِئَةِ، وَكَذَلكَ الشّخصيّاتُ السّياسيّةُ والاجتماعيّةُ، مِن القَومِياتِ وَالأديانِ وَالطّوائفِ المُختَلفة.

 

المؤذّنون والخَدَم

أبرَزُ مَنْ أذَّنَ فِي هَذا الجَامعِ المُبَارَكِ المُلا «محيبس»، والحاجُّ «فاضلُ العيداني» أَيَامَ السَبعِينيّاتِ مِن القَرنِ المَاضي، وَجَاء بَعدَهم الحَاجُّ مَجِيد فَترَة الثَمَانِينيَّات، ثُمَّ الحَاجُّ عَبْدُالرزاقِ عزيز «أبُو وَهَّاب»، وإنَّ أبرزَ مَنْ خَدَمَ في الجَامعِ وَلعدّة ِسِنِينَ هُوَ الحاجُّ خزعلُ، وَكَانَ لِبَعْض الشَخصِيَّاتِ فِي الجامع تأثيرٌ وحضورٌ فاعلٌ، مِنهم السَّيِّدُ مَهديّ السَّيِّد جَاسم الموسوي، وَالحاجُّ شِنيار، وَالحاجُّ شاكر، وَالحاجُّ محمّد محمود، والحاجُّ فالح، والحاجُّ عبد الامير جابر، وآخَرُونَ، والأستاذُ يُوسف مُعَلِم القرانِ فِي الجَامِعِ.

 أحداثٌ ومواقفُ:

أُسِّسَ فِي الجَامِعِ مَوكِبٌ حُسِينيٌّ كَبِيرٌ – أيّام السّيّدِ عبدِ الحكيمِ الصّافي رحمه الله – يخرجُ مِن جَامِعِ الأُبُلّة وَيَشتَركُ مَعَ مَوكِبِ المعْقل فِي جَامِعِ المَعقَل المَعرُوف بـ(جَامِعِ السّيِّدِ عبدِ الحكيمِ) فِي مِنْطَقَةِ المَعْقَلِ، وَتَعَطَّلَ عَمَلُ هذا الموكب آنذاك، إذ كَانَتْ السُّلُطَاتُ لا تَسمَحُ بِإقَامَةِ الشَّعَائرِ الحُسَينِيَّةِ، وَخِلال هذه الظُروفِ القاسيّةِ قَدَّم الجَامِعُ العَدِيدَ مِن الشُّهداءِ الشَّبابِ، وَتَعَرَّض كَثِيرٌ مِن رُوَّادِهِ للاعتِقَالِ، كما تعرّض الجامعُ لكثير مِن المُضايقاتِ وَالمُرَاقَبَاتِ الأمنِيَّةِ أيَّامَ النّظامِ الصّدامي البائدِ، إذ هُدِّمَت مَنَارَتُهُ وَالقُبَّةُ، وَأُحرِقَتْ مَكتَبَةُ السَّيِّدِ (عبد الحكيم) أيّام الانتفاضة الشّعبانيّة المُباركة من قبل أجهزة النظام آنذاك، وكَانَتْ المكتبةُ تَضُمُّ نَفَائِسَ الكُتُبِ وَالمَخطُوطَاتِ.

وَعَلى الرّغمِ مِن كُلِّ الصّعوبَاتِ التي مَرّتْ وَالضَّيمِ وَالحَيف اللذين وَقَعَا عَلى جَامِعِ الأبُلّة مُنْذُ تَأسِيسِهِ، وَطَالَ رَوّادَهُ مِن مُتَوَلّين وَمُصَلِّين وَخَدَمَةٍ، فَإِنَّهُ مَا يزالَ نِبْرَاسَاً يُقْتَدى بِهِ، وَمِشعَلَاً وَضّاءً يهتدي به السائرون.

 

[1] سورة ال عمران ، الآية 39


مركز تراث البصرة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :