مركز تراث كربلاء
المعالم الاثرية
مئذنةُ العَبد
التاريخ : 1 / 1 / 2018        عدد المشاهدات : 135

هي مِن المآذن الجميلة المميَّزة التي كانت تزيّن الحائر الحسيني الشـريف، كان موقعها في الزاوية الشماليّة الشـرقيّة منه وعلى يمين الداخل من باب الشهداء، ولجدار الصحن أقرب من جدار الرواق، وفوق باب الكرامة، أمام بوابة سوق الحسين ومدرسة حسن خان. وكانت أعظم وأفخم من جميع المآذن الموجودة في العتبات المقدّسة في عموم العراق، ومن حيث الفخامة في الأبنية التاريخية كانت هي الثانية في العراق من بعد الملوية التي أمر ببنائها المتوكّل في سامراء. فكان يبلغ قطر قاعدتها عشرين متراً تقريباً، وارتفاعها أربعين متراً، مكسوَّة بالفسيفساء والكاشاني الآثاري البديع الصنع.

يعود تاريخ منارة العبد إلى عام 767 ه‍ فقد بناها الخواجة مرجان (مشيّد جامع مرجان والمدرسة المرجانية في وسط شارع الرشيد في بغداد)، والذي كان والياً على بغداد من قبل السلطان الثاني من سلاطين الدولة الجلائرية الايلخانية، أويس الجلائري الذي كانت عاصمة ملكه تبريز، فتمرَّد عليه مرجان ورفع راية العصيان ضده واستبد ببغداد، حتى اضطر السلطان أويس أن يسير إليه بجيش من تبريز ليقضـي على حركته، ولمّا علم أنصارُه بقدوم السلطان أويس لمحاربته تفرقوا عنه، ودخل أويس إلى بغداد دخولاً مباشراً وكان يوماً مشهوداً، وفرَّ مرجان من بغداد ولاذ بقبر الإمام أبي عبد الله الحسين -عليه السلام- وكان حين استجار بالضـريح المقدّس، قد نذر أن يبني مئذنة خاصة في الصحن الحسيني الشريف إنْ نجا من بطش أويس. وعندما عَلِم أويس بما قام به مرجان من خدمات جليلة في الحائر الشـريف عفا عنه وأحضـره وأكرمه وأعاده والياً على العراق، فقام مرجان ببناء المئذنة وبنى حولها مسجداً خاصاً، ثمّ أجرى لهما من أملاكه في كربلاء وبغداد وعين التمر والرحالية أوقافاً تُصرف وارداتها عليهما، واستمر حاكماً على بغداد إلى أن وافاه الأجل عام 793هـ/1374م.

بقيت مئذنة العبد حوالي ستة قرون قائمة من يوم تشييدها عام767 ه‍ مزدانة بتشكيلاتها الزخرفية الرائعة ومكسوَّة بالقاشاني المزخرف، وبمرور الزمن جرت على المئذنة عدة اصلاحات أبرزها على يد الشاه طهماسب الصّفوي في عام 982 ه‍ وكان ذلك ضمن ما قام به من إصلاحات وتعمير للحائر المقدّس وتوسيع الصحن من الجهة الشمالية في تلك السنة، وكذلك الإصلاحات التي جرت عليها بعد تضرر الجزء العلوي منها بأحداث واقعة المناخور المعروفة بواقعة (غدير دم)، جراء اطلاق جنود الحاكم العثماني نجيب باشا الرصاص، وقد قال عالم الآثار الإنجليزي لوفتُس عندما زار كربلاء سنة 1270 ه‍ - 1854م إنّ إحدى المنارات تبدو متداعية وتوشك على السقوط على إثر احتلال جنود نجيب باشا للمدينة، وكانت قد تعرضت المساجد إلى الخراب والتدمير بصورة خطيرة، فظلت آثار القنابل والشظايا واضحة للعيان في قبابها. وفي عام 1308هـ أوعز البلاط العثماني بتصليح المئذنة المذكورة فأُصلحت، وبقيت كل تلك السنين شامخة كما وصفها المستشرق الهولندي هونيكمان عندما زار كربلاء سنة 1935م.

وفي أواخر عام 1354هـ - 1936م قام متصرف لواء كربلاء صالح جبر بأمر من رئيس الوزراء ياسين الهاشمي بهدم مئذنة العبد الأثرية عن جهل وعدم تقدير لقيمتها التاريخية بحجَّة ميلانها وتصدّعها بعد أن أرسل لجنة من المهندسين الذين قرّروا تجنّب الهدم خشية على القبة الشريفة لمرقد الإمام الحسين -عليه السلام- فيما تشير مصادر أخرى إلى أنَّ سبب الهدم يعود إلى قرار سياسي اتخذه رئيس الوزراء استناداً للتقارير التي استلمتها مديرية الأوقاف العامة، ومن الجدير بالذكر أنّه حينما أقدموا على هدم منارة العبد عثروا على نقود نحاسية قديمة ترجع إلى العهد الجلائري والصفوي، وقد أودعت في دار الآثار القديمة ببغداد. وبإزالة منارة العبد خسر فن الرِّيازة والعمران الإسلامي أثراً عمرانيّاً وتاريخياً رائعاً.

مئذنة  العبد في أيامها الأخيرة أثناء التهديم عام 1935 .


د. احمد سلمان هادي آل طعمة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :