مركز تراث الحلة
معالم اثرية
مرقد نبي الله أيوب (عليه السلام)
التاريخ : 15 / 5 / 2016        عدد المشاهدات : 14724

مرقد نبي الله أيوب (عليه السلام)

    احتضنت الحلة (مهد الأنبياء ودوحة العلماء) الكثير من المراقد والمشاهد المقدسة للأنبياء الذين ولدوا، أو نشأوا، أو بشروا بالهداية والدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى)، وفي هذه الأرض الطيبة المباركة كان نبي الله الصابر الأواب أيوب (عليه السلام).

مرقد النبي أيوب (عليه السلام ) في الحلة

مغتسل المرقد الشريف

 ورد ذكر نبي الله أيوب (عليه السلام) في القرآن الكريم في قوله تعالى {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء)، ولم يقتصر ذكره (عليه السلام) في هذه السورة، فقد ورد في سورة النساء، والأنعام، وسورة ص، أما عن نسبه، فهو أيوب بن آموص بن رازخ "رزم" بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام)، وقد قيل غير ذلك في نسبه الشريف الذي ينتهي إلى خليل الرحمن النبي إبراهيم (عليه السلام)، وزوجه هي رحمة من ولد يوسف بن يعقوب (عليهم السلام).

    لقد قص القرآن الكريم علينا قصة النبي أيوب (عليه السلام)، وما جرى عليه في حياته، وذلك في قوله تعالى :( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ{41} ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ{42} وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ{43} وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)) سورة ص، فما أجمع عليه أغلب                                                                                                                                               المفسرين، وأرباب السير أن نبي الله أيوب (عليه السلام ) قد أبتلي بشتى البلاءات حتى نفره قومه، فأخرجوه من قريتهم، وفي الخصال: عن إمامنا جعفر الصادق(عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: إن أيوب (عليه السلام) ابتلي سبع سنين من غير ذنب، وإن الأنبياء لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيراً ولا كبيرا، وقال (عليه السلام) في موضع آخر: إن أيوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود شيء من جسده، وهكذا يصنع الله عز وجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه. وإنما اجتنبه الناس، لفقره، وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بما له عند ربه (تعالى ذكره) من التأييد والفرج، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): أعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وإنما ابتلاه الله بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له الربوبية إذا شاهدوا ما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه متى شاهدوه، وليستدلوا بذلك

على أن الثواب من الله على ضربين: استحقاق، واختصاص، ولئلا يحتقروا ضعيفا لضعفه، ولا فقيرا لفقره، ولا مريضاً لمرضه، وليعلموا أنه يسقم من يشاء، ويشفي من يشاء، متى شاء، وكيف شاء، وبأي سبب يشاء، وهو عز وجل في جميع ذلك عدل في قضائه، وحكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا قوة لهم إلا به، وقيل إنه اشتد مرضه حتى تجنبه الناس، فوسوس الشيطان الرجيم إلى الناس أن يستقذروه، ويخرجوه من بينهم، ولم يسمحوا لزوجه التي كانت تخدمهم أن تدخل عليهم بحجة أنها تنقل ما به من مرض إليهم، فكان أيوب(عليه السلام) يتأذى بذلك، ويتألم منه، ولم يشك الألم الذي كان من أمر الله لأحد إلا إلى الله تعالى.

  وجاء في الكافي: أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال إن الله (عز وجل) يبتلي المؤمن بكل بلية، ويميته بكل ميتة، ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب (عليه السلام) كيف تسلط إبليس على ماله، وعلى ماشيته وأولاده، وعلى كل شيء له، ولم يسلط على عقله، فترك له ليوحد الله به.

     اختلفت الروايات حول موقع مقام النبي أيوب (عليه السلام)، وله أكثر من مرقد ومقام منها مرقده بالقرب من الرارنجية، ويبعد (8-9 كم) عن منطقة الكفل، ولعل هذا الموقع هو المقام الذي أجاب الله تعالى فيه دعوة النبي أيوب (عليه السلام)، وهو موضع المغتسل، كما قال تعالى (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)، وتوجد إلى جنب المقام بئر واسعة يقصدها المرضى للاغتسال، والاستشفاء بمائها، ببركة أيوب النبي (عليه السلام).

  كذلك يوجد قبر أو مقام آخر، وهو الأشهر عند أهالي الحلة للنبي أيوب (عليه السلام) بضواحي مدينة الحلة قرب النهر، محلة الغليس، وعليه قبة عالية مجصصة، وتوجد ايضاً في هذا المقام بئر يستشفى بمائها كما في المرقد الأول، وهناك مرقد لزوجة النبي أيوب (رحمة) في نفس المنطقة.

  والمقام الثاني على تل أثري في قرية (الشيخ سعد) الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة (درعا) السورية وعلى بعد 30 كم منها، وهو عبارة عن بناء من الحجارة البازلتية أبعاده (15× 12م)، له مدخل من جهة الشمال، وقد عرفت هذه القرية قديماً بدير أيوب نسبة لذلك، وله مقام أيضاً قرب مدينة صلخد في محافظة السويداء يقع على قمة جبل، والثالث في الشمال الغربي من صلالة، في قمة جبل آتين، جنوب سلطنة عمان، ويوجد في المزار ضريح آخر طول القبر فيه (40م) يقول أصحاب المكان أنه لنبي اسمه عمران، والرابع في منطقة نيحا، وهي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء الشوف، في محافظة جبل لبنان، والآخر في قرية راس كركر، وتتبع محافظة رام الله والبيرة، في الضفة الغربية من فلسطين، والأشهر في هذه الروايات هو مرقده في مدينة الحلة .

بئر النبي أيوب في منطقة الغليس في الحلة

    يقع المقام على شط الحلة في منطقة كثيفة بأشجار النخيل وفيه بئر عميقة، غلفت بطانتها بالطابوق، وهي البئر التي فجرها الله تحت قدمي النبي أيوب (عليه السلام)،  عندما أوحى الله تعالى إليه، ولهذه البئر حادثة ورد ذكرها في الكثير من الكتب التي تعنى بقصص الأنبياء (عليهم السلام)، يروى أن لأيوب النبي أصحاباً اتخذوا من الجبال صوامع يعبدون الله فيها، ويمجدونه، فمروا في يوم من الأيام على أيوب، وهو مُخرج من المدينة، فلم يعرفوه، وأنكروا الحال التي هو عليها، فسألوه: لو أخبرتنا بذنبك الذي استوجبت به هذا البلاء الذي لم يبتل به أحد ؟ فقال: وعزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا وعلى خواني (مائدتي) يتيم، أو ضعيف، يأكل معي، وما عرض لي أمران كلاهما طاعة إلا أخذت بأشدهما على بدني، فقال أحدهم : سوءة لكم، عمدتم إلى نبي الله فعيرتموه حتى أظهر من عبادة ربه ما كان يسره ؟  ويروى أن أيوب (عليه السلام) لما اشتد عليه بلاؤه دعا ربه تعالى أن ينجيه مما هو فيه، فشد عليه مئزرة، وجثا على ركبتيه، وقال : رب ابتليتني بهذه البلية، وأنت تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط إلاً لزمت بأحسنهما على بدني، ولم آكل أكلة من طعام إلاً وعلى خواني يتيم، فقيل له : يا أيوب من حبّب إليك الطاعة ؟ ومن صيّرك تعبد الله، والناس عنه غافلون ؟ وتحمده وتسبحه وتكبره والناس عنه معرضون ؟ أتمنّ على الله بما منّ الله عليك به، فأخذ أيوب التراب، ووضعه في  فيه، ثم قال : أنت يا رب فعلت ذلك بي، فأنزل الله عليه ملكا، فركض برجله فخرج الماء، فغسله بذلك الماء، فعاد أحسن ما كان، فقعد معه الملك يحدثه، فأقبلت امرأته معها الخبز اليابس، فلما انتهت إلى الموضع، وإذا الموضع متغير، وإذا رجلان جالسان، فبكت، وصاحت، وقالت : يا أيوب ما دهاك ؟ فناداها أيوب، فأقبلت، فلما رأته، وقد رد الله عليه بدنه، وعافيته، سجدت لله شكرا.

  

   يروى أنه (عليه السلام) قال في مناجاته : إلهي قد علمت بأنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان؛ فكشف الله عنه .   

 يقصد الكثير من الناس مرقد النبي أيوب (عليه السلام) لزيارته، متقربين بذلك إلى الله تعالى، وقد جعله رمزاً للصبر على االبلاء، وكل ذلك  هين بالنسبة إلى نبي الله أيوب (عليه السلام)، ما دام قلبه ولسانه سالمين، يذكر الله تعالى بأحدهما ويوحده بالآخر، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال في بلاء أيوب(عليه السلام): إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا، لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها.

     إن من يستذكر ويزور مرقد النبي أيوب (عليه السلام)، يستلهم منه القوة على تحمل المشاكل، والقدرة على تجاوز الصعاب، فيشعر الزائر أن الله تعالى يمنحه الصبر والقوة عند زيارته هذا المكان، وهذا من مصاديق ألطاف الله بعباده . والتي هي اليوم مقامه الشريف والبئر الذي نبع من الأرض بعد ضربه لها برجله كما أخبره الملاك عن الله جلت قدرته في منطقة سميت بإسمه (قرية النبي أيوب)، فالذي يغادر مدينة الحلة جنوبا تكون القرية على شماله، على مسافة كيلو متر من نهاية المدينة، وزائر المرقد الشريف يطلب مراده من الله وهوالشفاء بشفاعة النبي أيوب (عليه السلام) وما أصابه من بلاء فقابله بالصبر والدعاء، وفيه بئران أحدهما بعمق خمسة أمتار وقطر فوهته مايقارب (150سم) ويبعد عن المقام خمسة أمتار.

    أما البئر الثاني وهو أكبر من سابقه وعمقه خمسة أمتار وقطر فوهته مايقارب (250سم) ويبعد عن المقام حوالي عشرين متراً، أما إدامة البئرين فمرتان في موسم الصيف، ومرة واحدة في موسم الشتاء،  ويضم المقام مكان جلوس النبي أيوب(عليه السلام) أثناء مرضه، وعليه قبة خضراء، وثلاثة عشر إيواناً، ستة منهن على يمين الزائر عند دخوله الى الصحن، وسبعة خلف المقام، وللمقام مئذنة، ومسجد للصلاة، ويضم صحن المقام إدارة موكب الزهراء الحسيني، والمسؤول عنه والقائمون عليه هم خدمة المقام أنفسهم .

    للمرقد الكثير من الكرامات، ومنها، إن إحدى النسوة قد أتت بنذر للمقام ولكنها ما أن وضعتها حتى ضنت بها، فأرادت أن تقلل منها فتحجرت قطعة الزبدة بيدها وآثار أصابع المرأة عليها، ويبقى مرقد نبي الله الصابر أيوب (عليه السلام) يمثل رمزاً ومثلاً ضربه الله سبحانه لخلقه على قوة الإيمان، وصلابة العقيدة التي يجب التمسك بها، والسير على هذا المنوال الذي اختطه هذا النبي الكريم، ومن سبقه من الأنبياء (عليهم السلام)، ومن جاء بعدهم، ولنا في رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وخاصة على ربوع هذه الأرض التي جعلها الله غرس الأنبياء وثمرة الأتقياء الصالحين.


مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :