مركز تراث الحلة
معالم اثرية
كوثى المدينة التي نسيها التأريخ
التاريخ : 15 / 5 / 2016        عدد المشاهدات : 1699

كوثى...

         المدينة التي نسيها التأريخ

ناحية جبلة كوثى القديمة

     من المعالم الأثرية التي كان لها صدى واسع في فجر السلالات، ولكن التأريخ أهملها فلا نجد إلا إشارات بسيطة عن ماضيها الحضاري هي مدينة كوثى، التي تعرف حاليا بـ(جبلة) وهي تقع شمال شرق محافظة بابل، وتبعد عن (الحلة) 50 كيلومترا، وتتبع إداريا اليوم لمحافظة بابل. 

أزقة وشوارع المدينة القديمة

أطلال كوثى

     كوثى أو كوثه أو كوثا، وتعرف بالبابلية (كوتم)، وبالسومرية (غودوا)، وتعرف بـ(تل إبراهيم) مدينة سومرية قديمة تعد من أبرز مدن بابل الشمالية، وكانت تقع على نهر الفرات بحدود الالف الثالث قبل الميلاد، وهو المجرى الشرقي القديم المعروف بمجرى كوثى (قبل أن يتغير مجراه إلى موقعه الحالي)، ولقد أورد علماء اللغة بعض معان لها منها : الكوثى القصير، وكوّث الزرع تكويثا إذا صار أربع أو خمس ورقات، واتفق بعض العلماء على أن المفردة ليست من العربية، وكانوا يعنون كوثى الدالة على النهر أو المدينة.

     لا شك أن المدينة موغلة بالقدم ومرت عليها أدوار تاريخية في عصور السومريين والأكديين والبابليين والفرس، ومن ثم العهد الإسلامي، كما أن أهمية مدينة كوثى تأتي من كونها مركزا

لبنة تحمل اسم كوثى

 مرموقاً للفكر الديني القديم، ويعتقد  بعض المؤرخين أن هذه المدينة هي مولد النبي إبراهيم (عليه السلام)، ويبدو أنها كانت عامرة ومتحضرة وازدادت أهميتها عندما ظهر دين الله بين شعبها وحمل رسالة التوحيد واحد من رجالها هو إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وقد ذكرت في التوراة مرتين، واشتهرت كوثى بكونها مركز عبادة أله العالم الأسفل المذكور بالتوراة (نرجال) وله معبد كبير ( زقورة ) تسمى (اي نانار)، وتذكر بعض المصادر أن (دونكي) أحد ملوك أسرة أور  الثالثة حوالي سنة 2300 قبل الميلاد أعاد بناء

نهر كوثر

 المعبد والزقورة وجددهما، كما عثر على لبنة في موضعها الحالي تحمل اسمها، تعود إلى عصر نبوخذ نصر، كما ضمّت كلية كبيرة اشتملت بعض ألواحها على تاريخ الخليقة البابلي، ويذكر أن الملك الآشوري تجلات بلاصر قدّم سنة 729 قبل الميلاد أضحية إلى معبد (نركال) في كوثى، وفي العصر البابلي الحديث (626- 539 ق.م) كان لمدينة كوثى ونهرها الذي يصل إلى مشارف مدينة بابل أهمية قصوى فقد كانت من المراكز الدينية المهمة، ومن المدن الكبرى في دولة بابل الحديثة.

إله العالم السفلي نرجال

      وكوثى في ثلاثة مواضع، في سواد العراق، وفي بابل، وبمكة وهو منزل بني عبد الدار، وروي عن ابن الأَعرابي أَنه قال: "سأَل رجلٌ الإمام عليّاً (عليه السلام) فقال: أَخبرني، يا أَمير المؤمنين، عن أَصلكم، معاشرَ قُرَيْشٍ، فقال: نحن قومٌ من كُوثى"، وعن أهمية كوثى قال حبر الأمة عبد الله بن عباس (نحن معاشر قريش حي من النبط من أهل كوثى)، والنبط عند العرب تعني ساكني العراق، البابليين وغيرهم من الأقوام القديمة، وتشير كتب التاريخ بأن غالبية الأنبياء وسيدنا ابراهيم (عليهم السلام)، من أصل شنعاري، وشنعار هو الأسم الأقدم لوادي الرافدين وهو " سين آر "، الذي يعني سهل أو مرج، وإذا صح هذا القول فإن ذلك يدل على أنما قصدا بالنبط (نبايوت)، وهو (ابن إسماعيل) في التوراة، وأما  (كوثى)، فقصدا بذلك موطن إبراهيم (عليه السلام)، ويذكر أن كوث أو كوثى كان من أولاد نوح (عليه السلام) الذي عاش محنة الطوفان في بابل ثم رحل عنها نحو الغرب، ولقد ذكر الطبري (كوثى) في تأريخه في سبعة مواضع، وابن الجوزي في ستة، وابن الأثير والمسعودي في موضعين، والحموي في ثلاثة، والبلاذري والأصفهاني والزمخشري في موضع واحد، ومصادر أخرى عديدة، ولقد تنقّلت المفردة بين أن تكون المدينة المطلة على النهر، أو هي النهر ذاته كما عند المسعودي في مروج الذهب وتأريخ الطبري الذي ذكر أن أم النبي ابراهيم (عليه السلام) خرجت منها وأن أباها هو من حفر النهر (نهر كوثى).

       ويذكر أن القائد الساساني الفارسي رستم نزل في كوثى، وقد اكتسبت أهمية في العهد الإسلامي، فقد كانت تمر بها الجيوش الإسلامية، وفي العهد العباسي بقيت كوثى عامرة، وكانت مسرحا للحرب بين قوات الأمين والمأمون، كما أن ثورة أبي السرايا ومحمد بن ابراهيم بن طباطبا ضد المأمون انطلقت من كوثى، وفي عام(201 هـ) كانت كوثى ساحة الحرب بين جيش المنصور بن المهدي وجيش إبن عبد الحميد الطوسي التي انتهت لصالح الطوسي، ويذكر إبن خرداذبه الكثير من المعلومات عن كوثى التي تتحدث عن التقسيمات الإدارية في العصر العباسي، كما أن عددا من العلماء والأدباء ورجال السياسة كانت ولادتهم ونشأتهم في مناطق كوثى، وظلت كوثى محافظة على مكانتها حتى تغير مجرى نهر الفرات ففقدت مكانتها الإقتصادية وتحولت إلى صحراء، واستمرت كذلك حتى منتصف القرن العشرين، حيث افتتحت الحكومة مشروع المياه الذي أعاد الحياة إليها.

    تمتاز ناحية المشروع، كما يذكر الأستاذ الدكتور كريم مطر الزبيدي والأستاذ الدكتور يحيى المعموري في كتابهما (كوثى ماضيها وحاضرها) بتنوع نسيجها الإجتماعي، وبروز الكثير من أبناء مجتمعها في ميادين الثقافة، والآداب، والزراعة، والصناعة، ومجالات الحياة الأخرى.   

    كوثى اليوم تحيط بها الأراضي الزراعية والغابات، وتتكون المدينة من عدد  كبير وشاسع من المناطق الزراعية، ففي شمالها مناطق فرع الإمام وفي غربها الحميري والدليمي وأبو شعير والحيدري، ومن جنوبها الخربانة، ومن شرقها الزبيدي والعكير والرشايد ومدينة الباقر(عليه السلام)، كما يوجد فيها (نهر المشروع)، وهو يقسم المدينة إلى قسمين ويربط الطرفين بثلاثة جسور، أما مساحتها فتبلغ أكثر من 892 كم، وبذلك تعتبر المدينة الأكبر مساحة بين نواحي محافظة بابل ويبلغ عدد سكانها أكثر من 120 الف نسمة، وأهلها طيبون وكرماء، وقد خرَّجت الكثير من المبدعين وأصحاب الكفاءات ورجال العلم والدين والأدباء. 


مركز تراث الحلة


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :